الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

من تحريف الترجمة إلى تزييف الحقيقة: كيف قُلِب الثناء على ولي العهد محمد بن سلمان - حفظه الله وسدده - إلى إهانةٍ موهومة؟ .

٢١ شوال ١٤٤٧ هـ٩ أبريل ٢٠٢٦
المقالاتتراجم العلماء
مقال الأسبوع: من تحريف الترجمة إلى تزييف الحقيقة: كيف قُلِب الثناء على ولي العهد محمد بن سلمان - حفظه الله وسدده - إلى إهانةٍ موهومة؟ .

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
ليس كل من سمع كلمةً أحسن فهمها، ولا كل من نقل عبارةً أدَّى معناها؛ فإن من الناس من يُجيد تشويه المعاني كما يُجيد غيره بيانها.

لقد خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سياقٍ سياسيٍّ معروف، يتحدث عن رؤيته الدولية، ويستعرض مواقفه وأمجاده، فذكر ولي العهد محمد بن سلمان، لا على جهة الانتقاص، بل على سبيل الإشادة الصريحة؛ فوصفه بالذكاء، وأثنى على إدراكه العميق لما يجري في الساحة العالمية، وأكَّد أن ما صدر عن ولي العهد السعودي من ثناءٍ على سياساته لم يكن تملقًا ولا تزلفًا، بل كان عن بصيرةٍ ومعرفةٍ وتجربة.
وإن من أصول الفهم الصحيح للغات: التفريق بين المعنى الحرفي والمعنى الاصطلاحي، وإهمال هذا الأصل يوقع في تحريف الكلام، خصوصًا في القضايا السياسية والإعلامية.

أولًا: طبيعة العبارة في الإنجليزية:
عبارة (Kiss my ass) من العبارات الاصطلاحية الدارجة في الإنجليزية، وهي:
لا تُفهم على ظاهرها الحسي، ولا يُراد بها الفعل المذكور حرفيًا، بل تُستخدم للدلالة على:
الازدراء والرفض، أو مطالبة الآخر بالتذلل والتملق، أو التعبير عن التعالي في سياق معين.
فهي قريبة في معناها من:
• (يتملَّقني).
• أو (يتزلف إليَّ).
• أو في سياق آخر: (خضوعاَ لي).

ثانيًا: خطأ الترجمة الحرفية:
ترجمتها إلى: (يقبِّل مؤخرتي) خطأ من جهتين:
لغويًا: لأنه نقلٌ حرفيٌّ لعبارة اصطلاحية، وهذا من أبين أنواع الغلط في الترجمة.
مقصديًا: لأنه يُوهم القارئ العربي بمعنى فجٍّ غير مراد، ويُستغل لإثارة العواطف وإحداث البلبلة.
وهذا شبيه بترجمة بعض الأمثال العربية حرفيًا فتفقد معناها، بل وتنقلب إلى معنى قبيح.
فهنا- عند هذا الموضع الدقيق - اختلَّ الميزان في أيدي بعض المتعجِّلين؛ فتركوا صدر الكلام وفيه الثناء الصريح، وتشبَّثوا بعبارةٍ اصطلاحيةٍ مبتورة، فسلخوها من سياقها، وألبسوها ثوب الترجمة الحرفية الفجَّة، ليُخرجوا وليَّ العهد محمد بن سلمان - المعروف لدى شعبه، ولدى أمته العربية والإسلامية، ببسالته وشجاعته، ونفاذ بصيرته، وحدة ذكائه، وعظيم حرصه على النهوض ببلاده ومعالجة قضايا أمته بما أوتي من عزمٍ وقوة - في صورةٍ مشوَّهة، توهم أن المقام مقام إهانة، وهو - في حقيقته وسياقه - مقام تعظيمٍ وتقدير، وشهادةُ إنصافٍ لا تحتمل هذا التحريف ولا ترضى به.
وهذا- والله- من أبين صور التحريف الإعلامي، لا من سوء الفهم فحسب، بل من ليِّ أعناق النصوص لتوافق هوىً في النفوس.

إن عبارة ترامب: هو لا يقول ذلك ( تملقًا لي) في عرف الخطاب السياسي، إنما تُقال تزكيةً للمادح، لا طعنًا فيه؛ إذ معناها: أن هذا الثناء لم يصدر عن خضوعٍ أو مصلحة، بل عن قناعةٍ راسخةٍ وإدراكٍ واعٍ.
فهي في حقيقتها رفعٌ لقدر ولي العهد، لا خفضٌ له.
ولكن ماذا نصنع مع من: يقتات على الإثارة، ويُحسن اقتطاع الكلام ليخدم فكره الخارجي، ويهوى تفسيره بأسوأ الوجوه؟!
لقد أرشدنا الله إلى المنهج القويم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾. فأين التثبت ممن نقل ترجمةً ركيكة؟!
وأين العدل ممن ترك الثناء الصريح، وتعلَّق بلفظٍ محتمل، ثم حمله على أقبح المعاني؟!
إن ولي العهد محمد بن سلمان - بما له من حضورٍ سياسي، ووزنٍ دولي، ورؤيةٍ نافذة -ليس بحاجةٍ إلى من يدافع عنه بباطل، ولكن الواجب على المستطيع أن يُدفع عنه الظلم في الفهم، والتحريف في النقل.
وإن من أعظم الظلم: أن يُجعل الثناء إهانة، والمدح مذمَّة، والإنصاف تحيزًا!
وليس يخفى على ذي بصيرةٍ أن وراء مثل هذه الترجمات المبتورة أقلامًا لا همَّ لها إلا بثِّ البلبلة، وصناعةُ الأوهام، وتغذيةُ الخطاب المُشوِّش في أوساط الأمة؛ تُحرِّف الكلم عن مواضعه، وتبني على ذلك مواقفَ موهومة، خدمةً لفكرهم الخارجي ولأجنداتٍ داخلية وخارجية لا تخفى على المتأمِّل. غير أن الوعي الصادق، والبصيرة القائمة على العدل والإنصاف، كفيلان بكشف هذا المسلك، وفضح زيفه، وردِّه إلى حجمه الحقيقي، دون حاجةٍ إلى صخبٍ أو تهويل.
نسأل الله أن يرزقنا الصدق في القول، والعدل في الحكم، والبصيرة في فهم الكلام، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
تنبيه:
في أول تعليق تجد ترجمة خطاب ترامب من مترجم مصري لكي تقف على الحقيقة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية من الديار المصرية
الأحد 17 شوال 1447 هـ.

مواد ذات صلة