عن الإقامة في بلد الكفر يقول: أنا سلفي على الجادة ومقيم في بريطانيا مع زوجتي بريطانية ولكنها لا تريد السفر معي الى بلدي فما نصيحتكم يا…
السؤال: مئتان وسبعة وعشرون:
السلام عليكم ورحمة الله
مرحبا شيخنا، سائل يسأل:
عن الإقامة في بلد الكفر يقول: أنا سلفي على الجادة ومقيم في بريطانيا مع زوجتي بريطانية ولكنها لا تريد السفر معي الى بلدي فما نصيحتكم يا شيخ؟. جزاكم الله خيرا ونفع الله بكم.
الحمد لله:
الجواب المختصر:
الإقامة في بلاد الكفر لا تجوز للمسلم إلا عند الحاجة أو الضرورة مع القدرة على إظهار الدين وأمن الفتنة. فإن خشي على دينه أو دين أهله، وجب عليه السعي في الهجرة. وزوجته تُنصح وتُذكَّر، فإن أصرت على المنع فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ويقدِّم المسلم دينه على كل شيء، مع مراعاة الحكمة والصبر وبذل الأسباب.
الجواب المفصل:
أولًا: أصل المسألة: الأصل الذي دلَّت عليه النصوص وإجماع أهل العلم:
أن الإقامة بين ظهراني الكفار محرَّمة على من لا يقدر على إظهار دينه، أو يخشى على نفسه وأهله الفتنة في الدين. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فيهم كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ [النساء: 97]، وقال النبي ﷺ: « أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» رواه أبو داود وغيره، وصححه الإمام الألباني رحمه الله في (الصحيحة) [6/848 رقم: ٢٨٥٧]، وقال عقبه: (وإن مما يؤسف له أشد الأسف أن الذين يسلمون في العصر الحاضر - مع كثرتهم والحمد لله – لا يتجاوبون مع هذا الحكم من المفارقة، وهجرتهم إلى بلاد الإسلام، إلا القليل منهم، وأنا أعزو ذلك إلى أمرين اثنين: الأول: تكالبهم على الدنيا، وتيسر وسائل العيش والرفاهية في بلادهم بحكم كونهم يعيشون حياة مادية ممتعة، لا روح فيها، كما هو معلوم، فيصعب عليهم عادة أن ينتقلوا إلى بلد إسلامي قد لا تتوفر لهم فيه وسائل الحياة الكريمة في وجهة نظرهم. والآخر - وهو الأهم -: جهلهم بهذا الحكم، وهم في ذلك معذورون، لأنهم لم يسمعوا به من أحد من الدعاة الذين تذاع كلماتهم مترجمة ببعض اللغات الأجنبية، أو من الذين يذهبون إليهم باسم الدعوة لأن أكثرهم ليسوا فقهاء وبخاصة منهم جماعة التبليغ، بل إنهم ليزدادون لصوقا ببلادهم، حينما يرون كثيرا من المسلمين قد عكسوا الحكم بتركهم لبلادهم إلى بلاد الكفار! فمن أين لأولئك الذين هداهم الله إلى الإسلام أن يعرفوا مثل هذا الحكم والمسلمون أنفسهم مخالفون له؟! ألا فليعلم هؤلاء وهؤلاء أن الهجرة ماضيه كالجهاد، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل "، وفي حديث آخر: " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها " وهو مخرج في " الإرواء " (1208) . ومما ينبغي أن يعلم أن الهجرة أنواع ولأسباب عدة، ولبيانها مجال آخر، والمهم هنا الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام مهما كان الحكام فيها منحرفين عن الإسلام، أو مقصرين في تطبيق أحكامه، فهي على كل حال خير بما لا يوصف من بلاد
الكفر أخلاقا وتدينا وسلوكا) اهـ.
هذا ... وقد رخَّص أهل العلم في الإقامة للحاجة أو الضرورة، كطلب علمٍ نافع، أو علاج، أو دعوة، بشرطين:
1- القدرة على إظهار الدين والشعائر.
2- أمن الفتنة على النفس والأهل، لا سيما الزوجة والأولاد.
ثانيًا: حكم امتناع الزوجة:
الزوجة تجب عليها طاعة زوجها في المعروف، ومنه الانتقال إلى بلدٍ يحفظ فيه دينها ودين زوجها، ما لم يكن في ذلك ضرر محقق.
فإن كان الانتقال إلى بلدٍ مسلم أأمن للدين، فامتناعها بدون عذرٍ شرعيٍ لا يبيح لها البقاء في بلد الكفر، وتأثم إثما عظيماً من وجهين: مخالفتها للحكم الشرعي، وعصيانها لزوجها.
وعلى الزوج أن يبذل أقصى ما يستطيع في نصح زوجته بالحكمة والرفق، وبيان خطورة الإقامة، ومستقبل الأولاد، ومسؤوليته أمام الله، وأن لا يُقدِّم رضا الزوجة على سلامة الدين، ويُقدِّم البدائل: بلد مسلم آمن، أو بلد أقل شرًّا، أو تجربة انتقال مؤقت.
وإن أصرت الزوجة، وبقاؤه في بريطانيا يجرُّه إلى الإقامة الدائمة، أو يعرِّض دينه أو ذرِّيته للخطر، وجب عليه السعي في الخروج ولو ترتب على ذلك مفارقة بالطلاق؛ فالدين لا يُعَوَّض.
وإن وُجدت ضرورة مؤقتة للبقاء، فلتكن بقدرها، مع نية صادقة للهجرة متى تيسرت.
ومن صدق مع الله، صدق الله معه، وفتح له أبوابًا لم تكن في الحسبان، نسأل الله أن يثبِّتنا وإخواننا على الحق، وأن يشرح صدورنا لما يحب ويرضى، وأن يرزقنا وإياهم البصيرة والحكمة وحسن العاقبة، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السلام عليكم ورحمة الله
مرحبا شيخنا، سائل يسأل:
عن الإقامة في بلد الكفر يقول: أنا سلفي على الجادة ومقيم في بريطانيا مع زوجتي بريطانية ولكنها لا تريد السفر معي الى بلدي فما نصيحتكم يا شيخ؟. جزاكم الله خيرا ونفع الله بكم.
الحمد لله:
الجواب المختصر:
الإقامة في بلاد الكفر لا تجوز للمسلم إلا عند الحاجة أو الضرورة مع القدرة على إظهار الدين وأمن الفتنة. فإن خشي على دينه أو دين أهله، وجب عليه السعي في الهجرة. وزوجته تُنصح وتُذكَّر، فإن أصرت على المنع فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ويقدِّم المسلم دينه على كل شيء، مع مراعاة الحكمة والصبر وبذل الأسباب.
الجواب المفصل:
أولًا: أصل المسألة: الأصل الذي دلَّت عليه النصوص وإجماع أهل العلم:
أن الإقامة بين ظهراني الكفار محرَّمة على من لا يقدر على إظهار دينه، أو يخشى على نفسه وأهله الفتنة في الدين. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فيهم كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ [النساء: 97]، وقال النبي ﷺ: « أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» رواه أبو داود وغيره، وصححه الإمام الألباني رحمه الله في (الصحيحة) [6/848 رقم: ٢٨٥٧]، وقال عقبه: (وإن مما يؤسف له أشد الأسف أن الذين يسلمون في العصر الحاضر - مع كثرتهم والحمد لله – لا يتجاوبون مع هذا الحكم من المفارقة، وهجرتهم إلى بلاد الإسلام، إلا القليل منهم، وأنا أعزو ذلك إلى أمرين اثنين: الأول: تكالبهم على الدنيا، وتيسر وسائل العيش والرفاهية في بلادهم بحكم كونهم يعيشون حياة مادية ممتعة، لا روح فيها، كما هو معلوم، فيصعب عليهم عادة أن ينتقلوا إلى بلد إسلامي قد لا تتوفر لهم فيه وسائل الحياة الكريمة في وجهة نظرهم. والآخر - وهو الأهم -: جهلهم بهذا الحكم، وهم في ذلك معذورون، لأنهم لم يسمعوا به من أحد من الدعاة الذين تذاع كلماتهم مترجمة ببعض اللغات الأجنبية، أو من الذين يذهبون إليهم باسم الدعوة لأن أكثرهم ليسوا فقهاء وبخاصة منهم جماعة التبليغ، بل إنهم ليزدادون لصوقا ببلادهم، حينما يرون كثيرا من المسلمين قد عكسوا الحكم بتركهم لبلادهم إلى بلاد الكفار! فمن أين لأولئك الذين هداهم الله إلى الإسلام أن يعرفوا مثل هذا الحكم والمسلمون أنفسهم مخالفون له؟! ألا فليعلم هؤلاء وهؤلاء أن الهجرة ماضيه كالجهاد، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل "، وفي حديث آخر: " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها " وهو مخرج في " الإرواء " (1208) . ومما ينبغي أن يعلم أن الهجرة أنواع ولأسباب عدة، ولبيانها مجال آخر، والمهم هنا الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام مهما كان الحكام فيها منحرفين عن الإسلام، أو مقصرين في تطبيق أحكامه، فهي على كل حال خير بما لا يوصف من بلاد
الكفر أخلاقا وتدينا وسلوكا) اهـ.
هذا ... وقد رخَّص أهل العلم في الإقامة للحاجة أو الضرورة، كطلب علمٍ نافع، أو علاج، أو دعوة، بشرطين:
1- القدرة على إظهار الدين والشعائر.
2- أمن الفتنة على النفس والأهل، لا سيما الزوجة والأولاد.
ثانيًا: حكم امتناع الزوجة:
الزوجة تجب عليها طاعة زوجها في المعروف، ومنه الانتقال إلى بلدٍ يحفظ فيه دينها ودين زوجها، ما لم يكن في ذلك ضرر محقق.
فإن كان الانتقال إلى بلدٍ مسلم أأمن للدين، فامتناعها بدون عذرٍ شرعيٍ لا يبيح لها البقاء في بلد الكفر، وتأثم إثما عظيماً من وجهين: مخالفتها للحكم الشرعي، وعصيانها لزوجها.
وعلى الزوج أن يبذل أقصى ما يستطيع في نصح زوجته بالحكمة والرفق، وبيان خطورة الإقامة، ومستقبل الأولاد، ومسؤوليته أمام الله، وأن لا يُقدِّم رضا الزوجة على سلامة الدين، ويُقدِّم البدائل: بلد مسلم آمن، أو بلد أقل شرًّا، أو تجربة انتقال مؤقت.
وإن أصرت الزوجة، وبقاؤه في بريطانيا يجرُّه إلى الإقامة الدائمة، أو يعرِّض دينه أو ذرِّيته للخطر، وجب عليه السعي في الخروج ولو ترتب على ذلك مفارقة بالطلاق؛ فالدين لا يُعَوَّض.
وإن وُجدت ضرورة مؤقتة للبقاء، فلتكن بقدرها، مع نية صادقة للهجرة متى تيسرت.
ومن صدق مع الله، صدق الله معه، وفتح له أبوابًا لم تكن في الحسبان، نسأل الله أن يثبِّتنا وإخواننا على الحق، وأن يشرح صدورنا لما يحب ويرضى، وأن يرزقنا وإياهم البصيرة والحكمة وحسن العاقبة، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)