الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

السلام علیکم ورحمة الله وبركاته،

١٩ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ١٠ ديسمبر ٢٠٢٥
الفتاوىاللغة والأدب
السؤال: مئتان وواحد وعشرون:

السلام علیکم ورحمة الله وبركاته،
يا شيخنا الكريم، عندي سؤال: ما هو مقدار قصِّ الشارب في الشريعة؟
هل يجب حلق الشارب كله، أم يُكتفى بتقصيره فقط؟ لأن هناك فرقًا بين الحلق و التقصير؛ فالتقصير أن تُترك منه بقايا يسيرة ويظهر جزء من الشفة، وأما الحلق فهو إزالة الشارب كله.
فما هي توجيهات الشريعة في هذا الباب؟ وما الذي ورد في القرآن الكريم، والحديث الشريف، وأقوال السلف الصالح والصحابة رضي الله عنهم؟

أرجو منكم أن تفيدوني بالحكم الشرعي في ذلك؛ وجزاكم الله خيرًا، وبارك الله فيكم. أخوكم: .... من باكستان.

الحمد لله:
أولًا: الجواب المختصر :
المسألة فيها خلافٌ قديم بين العلماء:
بعضهم قال: تُستأصل الشوارب ويُحفى أصلها.
وبعضهم قال: السنة تقصيرُها فقط دون إحفائها من أصلها.
وكثير منهم قال: الأمر واسع، ويُخيَّر المسلم بين الإحفاء والقص.
وأما ما ورد عن بعضهم: بالحلق فرواية (الحلق) ضعيفة لشذوذها، ولا يجوز الحلق بالموسى.
فالراجح – والله أعلم – أن الأمر فيه سعة، وأن السنة تتحقق بالقص أو الإحفاء، دون إلزام بأحدهم.

ثانيًا: الجواب المفصَّل:
اتفق الْفُقَهَاءُ على النهي عن إطالة الشارب حتى يغطي الشفة، لكنهم اختلفوا فِي ضَابِطِ الأَخْذِ مِنَ الشَّارِبِ، هَلْ يَكُونُ بِالْقَصِّ أَمْ بِالْحَلْقِ أَمْ بِالإِحْفَاءِ؟ فدونك تفصيل ذلك:
أولًا: الإحفاء:
أولاً: صورة الإحفاء هي: إزالة الشارب إزالة شديدة أو استئصال معظم الشعر حتى يظهر الجلد أسفل الشارب.

المراد منه إزالة ما يلاقي الشفة العليا وما يعيق النظافة والأكل، ويكون مخالفةً للمجوس في أساليبهم.
ثانياً: الأدلة:
1- حديث: « أَحْفُوا الشَّوَارِبَ » متفق عليه.
2- وحديث: « أَنْهِكُوا الشَّوَاربَ » رواه البخاري.
3- وعند مسلم بلفظ: « جُزُّوا الشَّوَارب ».
4- وكان ابن عمر: يستقرض سَبَلَته ويجزُّها. (قوَّاه الألباني رحمه الله في السلسلة الضعيفة [11/796 تحت حديث رقم: ٥٤٥٥]).

ثالثاً: من قال به من العلماء:
1 - الإمام أحمد: كلامه يدل على الإحفاء الشديد.
2- أبو حنيفة وأصحابه (أبو يوسف وزفر ومحمد): ذهبوا إلى الإحفاء.
3- جماعة من الصحابة والتابعين اتفقوا على أخذ الشارب إحفاءً، كما أخرجه الطبري والبيهقي، من طريق عبد الله ابن أبي رافع قال: رأيت أبا سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، ورافع بن خديج، وأبا أسيد الأنصاري، وسلمة بن الأكوع، وأبا رافع ينهكون شواربهم كالحلق، هذا لفظ الطبري، وفي رواية البيهقي: يقصون شواربهم مع طرف الشفة، وأخرج الطبري من طرق عن عروة وسالم والقاسم وأبي سلمة أنهم كانوا يحلقون شواربهم، قال الحافظ: وقد تقدم في أول الباب أثر ابن عمر أنه كان يحفي شاربه حتى ينظر إلى بياض الجلد.
قال الطحاوي رحمه الله في (شرح معاني الآثار) [5/320-322] بعد ذكره الآثار التي في الباب : (فَثَبَتَتْ الْآثَارُ كُلُّهَا الَّتِي رَوَيْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَا تَضَادُّ ، وَيَجِبُ بِثُبُوتِهَا : أَنَّ الْإِحْفَاءَ أَفْضَلُ مِنْ الْقَصِّ. وَهَذَا مَعْنَى هَذَا الْبَابِ ، مِنْ طَرِيقِ الْآثَارِ. وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ ، فَإِنَّا رَأَيْنَا الْحَلْقَ قَدْ أُمِرَ بِهِ فِي الْإِحْرَامِ ، وَرُخِّصَ فِي التَّقْصِيرِ. فَكَانَ الْحَلْقُ أَفْضَلَ مِنْ التَّقْصِيرِ ، وَكَانَ التَّقْصِيرُ ، مَنْ شَاءَ فَعَلَهُ ، وَمَنْ شَاءَ زَادَ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ بِزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ أَعْظَمَ أَجْرًا مِمَّنْ قَصَّ. فَالنَّظَرُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الشَّارِبِ قَصُّهُ حَسَنٌ ، وَإِحْفَاؤُهُ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ) اهـ.

ثانيًا: القص:
أولاً: القص صورته: تقليل طول الشارب حتى يظهر طرف الشفة العليا، دون إزالة كل الشعر.
والمراد به النظافة وعدم تغطية الشفة العليا، ويكون ميسورًا للمسلم بدون الحاجة إلى الاستئصال الكامل.
ثانياً: الأدلة:
1- حديث الفطرة عن أبي هريرة: «‌الْفِطْرَةُ ‌خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ» متفق عليه.
2- حديث ‌المُغيرة بن شُعبَة، قال: ضِفْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذاتَ ليلةٍ فأمَرَ بجَنْبٍ فشُوِيَ، وأخذ الشَّفْرَة، فجعَلَ يَحُز لي بها منه، قال: فجاءَ بلالٌ فآذَنَه بالصَّلاة، قال: فألقى الشَّفْرَةَ وقال: "ما له؟ تَرِبَت يَدَاهُ؟ " وقامَ. زاد الأنباريُّ: ‌وكانَ ‌شاربي وَفَى، فقَصَّه لي على سِواكٍ. أو قال: "أقُصُّهُ لَكَ على سِواكٍ" رواه أبو داود وصححه الألباني في (صحيح أبي داود) [1/343 رقم: ١٨٣].
3- حديث أنس وابن عمر: قص الشارب حتى يظهر طرف الشفة.
4- روايات أخرى: عن الشعبي، أخذ الشارب على طرف الشفة العليا مع أخذ ما يزيد مما فوق ذلك.

ثالثاً: من قال به من العلماء:
1- النووي: وقال النووي في (المجموع) [1/34-341]: (ثم ضابط قص الشارب أن يقص حتى يبدو طرفُ الشفة ، ولا يحفّه من أصله , هذا مذهبنا) اهـ.
2- مالك والمالكية: رجحوا القص مع منع الحلق الكامل، روى البيهقي في (السنن الكبرى) [1/151] عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي قال : ذكر مالك بن أنس إحفاء بعض الناس شواربهم فقال : ينبغي أن يضرب من صنع ذلك ، فليس حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الإحفاء ، ولكن يبدي حرف الشفتين والفم) اهـ.
3- بعض الصحابة والتابعين: المغيرة، الشعبي، أنس، أبي هريرة، ابن عمر.

ثالثًا: الحلق:
أولاً: صورة الحلق هي: إزالة الشارب كله من أصله حتى لا يبقى شيء فوق الشفة بالموسى.
ثانياً: الأدلة:
1- حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ( الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَحَلَقُ الْعَانَةِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَحَلْقُ الشَّارِبِ) رواه النسائي في الكبرى وقال الإمام الألباني رحمه الله في (السلسلة الضعيفة) [13/785 رقم: ٦٣٥٠]: (ومن تمام الفائدة أن أنبه أنه وقع شذوذ آخر في هذا الحديث من طريق الزهري هذه، فقال النسائي في "السنن الكبرى" (1/65/9) : أخبرنا محمد بن عبد الله ابن يزيد المقرئ المكي، قال: حدثنا سفيان عن الزهري … به، إلا أنه قال مكان: "قص الشارب": "‌حلق ‌الشارب" قلت: والقول في هذا اللفظ من حيث كونه شاذاً، كالقول في اللفظ الذي قبله، وذلك أن محمد بن عبد الله المقرئ ثقة، إلا أنه قد خالف الحفاظ الثقات) اهـ
2- والاختلاف في تفسير لفظة الإحفاء والإنهاك التي جاءت في الأحاديث، ومن ذلك ما قاله الطَّحاويُّ: الحلق هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمَّد. انتهى، وقال الأثرم: كان أحمد يُحفي شاربه إحفاء شديداً، ونصَّ على أنَّه أولى من القصِّ.
قلت: حملوا الحلق على الإحفاء الشديد، والخلاف في اللغة، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في (فتح الباري) [10/347]، بعد ذكر ألفاظ أحاديث الباب، واختلافها: (فكل هذه الألفاظ تدل على أن المطلوب : المبالغة في الإزالة ؛ لأن (الجز) - وهو بالجيم والزاي الثقيلة - : قص الشعر والصوف إلى أن يبلغ الجلد . و(الإحفاء) - بالمهملة والفاء - : الاستقصاء؛ ومنه : ( حتى أحفوه بالمسألة )، قال أبو عبيد الهروي : معناه الزقوا الجز بالبشرة، وقال الخطابي : هو بمعنى الاستقصاء، والنهك - بالنون والكاف - : المبالغة في الإزالة ، ومنه ما تقدم في الكلام على الختان ، قوله صلى الله عليه وسلم للخافضة : ( أشمي ولا تنهكي ) ؛ أي لا تبالغي في ختان المرأة . وجرى على ذلك أهل اللغة ) اهـ.

قال مالك: يُؤْخَذُ مِنَ الشَّارِبِ حَتَّى تَبْدُوَ أَطْرَافُ الشَّفَةِ، وَهُوَ الْإِطَارُ، وَلَا يَجُزُّهُ فَيُمَثِّلَ بِنَفْسِهِ. وَقَالَ: أَشْهَدُ فِي ‌حَلْقِ ‌الشَّارِبِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَأَرَى أَنْ يُوجَعَ ضَرْبًا مَنْ فَعَلَهُ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ولا يستحب حلقه، كما قال في (شرح العمدة) [1/222]: (وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بقصه ، حَتَّى يَبْدُوَ الْإِطَارُ ، وَهُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ .وَكُلَّمَا أُخِذَ فَوْقَ ذَلِكَ : فَهُوَ أَفْضَلُ ؛ نَصَّ عَلَيْهِ .
وَلَا يُسْتَحَبُّ حَلْقُهُ؛ لِأَنَّ فِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( أنْهَكُوا الشَّوَارِبَ ، وَأَعْفُوا اللِّحَى )، قَالَ الْبُخَارِيُّ : " وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْفِي شَارِبَهُ حَتَّى يُنْظَرَ إِلَى مَوْضِعِ الْحَلْقِ "، وَرَوَى حَرْبٌ فِي مَسَائِلِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَسَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنَ عُمَرَ وَأَبَا أُسَيْدٍ : يَجُزُّونَ شَوَارِبَهُمْ ، أَخَا الْحَلْقِ) اهـ.
الراجح: الأمر فيه سعة، بين القص والإحفاء، كما ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إِلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْإِحْفَاءِ وَالْقَصِّ، وقد دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَيهما، وَلَا تَعَارُضَ، فَإِنَّ الْقَصَّ يَدُلُّ عَلَى أَخْذِ الْبَعْضِ وَالْإِحْفَاءَ يَدُلُّ عَلَى أَخْذِ الْكُلِّ وَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ. وقَالَ الْحَافِظُ ابن حجر: وَيُرَجِّحُ قَوْلَ الطَّبَرِيِّ ثُبُوتُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ، وقال المباركفوري: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الطَّبَرِيُّ هُوَ الظَّاهِرُ. واختاره شيخنا العلامة المحدث محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي الوَلَّوِي رحمه الله فقال (ذخيرة العقبى في شرح المجتبى) [1/382 - 387]: (فلما صحت الأحاديث في الأمرين علمنا أن المكلف مخير فيهما، قال صاحب المنهل، 1/ 185 والحاصل أن السنة دلت على الأمرين ولا تعارض، فيختار المكلف أيهما شاء فينبغي لمن يريد المحافظة على السنن أن يستعمل هذا مرة، وهذا مرة، فيكون قد عمل بكل ما ورد. اهـ كلام صاحب المنهل. وهذا أحسن ما يحصل به العمل بالأحاديث المقتضية للأمرين من غير إهمال لبعضها والله أعلم) اهـ وقَالَ الأثرم: رَأَيْتُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُحْفِي شَارِبَهُ شَدِيدًا، وَقَالَ حنبل: قِيلَ لأبي عبد الله: تَرَى الرَّجُلَ يَأْخُذُ شَارِبَهُ أَوْ يُحْفِيهِ؟ أَمْ كَيْفَ يَأْخُذُهُ؟ قَالَ: إِنْ أَحْفَاهُ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ أَخَذَهُ قَصًّا فَلَا بَأْسَ) انظر (زاد المعاد) [1/ 172-175]، قلت: وعليه فالحلق بالموسى لا يجوز، إنما الراجح التفصيل السابق والله أعلم.

من سلسلة (الأجوبة عن الأسئلة الواردة على الخاص)

مواد ذات صلة