من المعلوم أن العلماء بينوا لنا الحديث الصحيح من الضعيف من الموضوع وغير ذلك، فما الفائدة من دراسة علم الحديث بعد بيان العلماء…
السؤال السادس والثلاثون:
أحسن الله إليك شيخ بلال وبارك فيك
من المعلوم أن العلماء بينوا لنا الحديث الصحيح من الضعيف من الموضوع وغير ذلك، فما الفائدة من دراسة علم الحديث بعد بيان العلماء للأحاديث؟،وأسأل الله أن يوفقك لكل خير.
الحمد لله:
هذا السؤال من الأهمية بمكان فجزى الله السائل خيراً...
فالجواب بعون الله أقول:
قال ابن مالك رحمه الله – صاحب الألفية في النحو المشهورة- في مقدّمة كتابه "تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد": " وإذا كانت العلومُ مِنَحاً إلهية، ومواهبَ اختصاصيةً فغيرُ مستبعَدٍ أن يُدَّخَر لبعض المتأخِّرين ما عسُرَ على كثيرٍ من المتقدِّمين، أعاذنا الله من حسدٍ يسدُّ بابَ الإنصاف ويصدُّ عن جميل الأوصاف) اهـ
ونحوه ما قاله حاجي خليفة في مقدِّمة كتابه (كشف الظنون): (واعلم أن نتائجَ الأفكار لا تقف عند حدٍّ، وتصرُّفاتِ الأنظار لا تنتهي إلى غاية، بل لكل عالم ومتعلم منها حظٌّ يُحْرزه في وقته المقدَّر له، وليس لأحدٍ أن يزاحمه فيه؛ لأن العالَم المعنويِّ واسعٌ كالبحر الزاخر، والفيضَ الإلهيِّ ليس له انقطاعٌ ولا آخر، والعلومُ منحٌ إلهية ومواهبُ صَمَدانية، فغير مستبعد أن يُدَّخَر لبعض المتأخِّرين ما لم يدَّخر لكثير من المتقدِّمين فلا تغترَّ بقول القائل: "ما ترك الأول للآخر"، بل القول الصحيح الظاهر: "كم ترك الأول للآخر" فإنما يُستجَاد الشيء ويُسترذَل لجَوْدته ورداءته لا لقِدَمه وحدوثه. ويقال: ليس بكلمةٍ أضرَّ بالعلم من قولهم: "ما ترك الأول شيئاً" لأنه يقطع الآمال عن العلم، ويحمل على التقاعد عن التعلم، فيقتصر الآخر على ما قدَّم الأولُ من الظواهر وهو خطر عظيم وقول سقيم، فالأوائل وإن فازوا باستخراج الأصول وتمهيدها فالأواخر فازوا بتفريع الأصول وتشييدها، كما قال عليه الصلاة والسلام: "أمتي أمة مباركة لا يُدْرَى أوَّلها خير أو آخرها) اهـ
قلت: وأبدأ إجابتي من حيث انتهى حاجي خليفة، فإن الحديث الذي أنهى به كلامه (موضوع) أي مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم، والذي حكم عليه بالوضع هو مَنْ جاء بعد حاجي خليفة بما يقرب من أربعمائة سنة...
منْ؟!! إنه الإمام الألباني رحمه الله: حيث قال في (السلسلة الضعيفة): (فالحديث موضوع بهذا اللفظ، وهو صحيح من روايات أخرى بلفظ: (مثل أمتي كالمطر، لا يُدرى أوله خير أم آخره).
فيا أخي الكريم: أليس هذا أكبر دليل على عدم صحة من يقول معنى سؤالك؟!! نعم إنه لا يصح لنا أن نقول: إن العلماء بينوا لنا الحديث الصحيح من الضعيف من الموضوع وغير ذلك، وليس ثمَّ فائدة من دراستنا لعلم الحديث بعد بيان العلماء الأحكام على الأحاديث؛ فلماذا لا يصح؟ لأمورٍ منها:
أولاً: لابد وأن نعتقد بأفضلية السادة العلماء المتقدمين وأنهم أعلم وأحكم وأرسخ في العلم من المتأخرين وكما قال الشاطبي رحمه الله: (فالمتأخِّر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما بلغه المتقدِّم، وحسبك من ذلك أهل كل علمٍ عمليٍّ أو نظريٍّ، فأعمال المتقدِّمين- في إصلاح دنياهم ودينهم- على خلاف أعمال المتأخِّرين وعلومهم في التحقيق أقْعَدُ، فتَحَقُّقُ الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقُّق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم وهكذا إلى الآن. ومَن طالع سيرَهم وأقوالهم وحكاياتهم أبصَرَ العجب في هذا المعنى. وأما الخبر ففي الحديث: "خيرُ القرون قرني ثم الذين يلُوْنهم ثم الذين يلونهم." وفي هذا إشارة إلى أن كلَّ قرنٍ مع ما بعده كذلك) اهـ.
قلت: وهذا الحديث ضعيف بهذا اللفظ، والصواب بلفظ (خير الناس قرني...) كما قال الإمام العلامة الألباني رحمه الله (ولا تقولوا كما يقول الجماهير من الدعاة: (خير القرون ...)، خير القرون ليس له أصل في السنة، السنة الصحيحة في الصحيحين وغيرهما من مراجع الحديث والسنة مُطْبِقَة على رواية الحديث بلفظ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ) اهـ.
ويا أخي: ليس المعنى هو إهدار حق الأوائل أو إنكار فضلهم وإنما هو الإنصاف = فالأوائل إن فازوا باستخراج الأصول وتمهيدها فالأواخر فازوا بتفريع الأصول وتشييدها؛ كما قال حاجي خليفة.
ثانياً: لأن العلماء يتفاوتون في الرُّتب والمكانة العلم، فقد يوجد عالم من المتقدمين جهبذاً نحريراً في فنٍ من فنون العلم وفاته فنٌ آخر أدركه غيره من المتأخرين وأتقنه وحاز قصب السبق فيه، وكان شيخنا العلامة ربيع حفظه الله دائماً يشيد بعلم الإمام الألباني رحمه الله ويثني عليه ثناء عطراً - وهو من العلماء المعاصرين - حتى قال مرة: (من قرون ما أحد وصل إلى ما وصل إليه الشيخ الألباني، بل أنا أرى في الاطِّلاع أنه ما لحقه لا ابن تيمية ولا ابن حجر في الاطلاع على الكتب، أما الحفظ يحفظون أكثر منه ، لكن الاطلاع والبحث والتشمير عن ساعد الجد في البحث لا نظير له هذا الرجل؛ و قدَّم مكتبةً للإسلام تعجز الدول ومؤسساتها عن تقديم هذا القدر وكل من يكتب في الحديث الآن عالة على هذا الرجل) انتهى كلامه حفظه الله.
ثالثاً: هذه المقولة – التي يومئ إليها معنى السؤال- تغلق باب الاجتهاد والنشاط في تحصيل العلم، وتفتح باب الكسل والخمول، قال الجاحظ: (ت 255هـ) (إذا سمعتَ الرجلَ يقول: ما ترك الأوَّلُ للآخِر شيئاً، فاعلمْ أنه لا يريدُ أن يُفلِح) اهـ.
قلت: والصواب أن يقال: كم ترك الأول للآخر، و(اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)، مع العلم أنه ليس من تجاسر على التصحيح والتضعيف في زماننا يكون حجة على من سبقه، وإنما هي فتوحات من الفتاح العليم وملكات - نتيجة الدربة والخبرة - في تطبيق القواعد يهدي الله إليها من يشاء من عبادة، نسأل الله أن يهدينا وإياكم سبل الفلاح والتوفيق في الدنيا والآخرة؛ والله أعلم.
أحسن الله إليك شيخ بلال وبارك فيك
من المعلوم أن العلماء بينوا لنا الحديث الصحيح من الضعيف من الموضوع وغير ذلك، فما الفائدة من دراسة علم الحديث بعد بيان العلماء للأحاديث؟،وأسأل الله أن يوفقك لكل خير.
الحمد لله:
هذا السؤال من الأهمية بمكان فجزى الله السائل خيراً...
فالجواب بعون الله أقول:
قال ابن مالك رحمه الله – صاحب الألفية في النحو المشهورة- في مقدّمة كتابه "تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد": " وإذا كانت العلومُ مِنَحاً إلهية، ومواهبَ اختصاصيةً فغيرُ مستبعَدٍ أن يُدَّخَر لبعض المتأخِّرين ما عسُرَ على كثيرٍ من المتقدِّمين، أعاذنا الله من حسدٍ يسدُّ بابَ الإنصاف ويصدُّ عن جميل الأوصاف) اهـ
ونحوه ما قاله حاجي خليفة في مقدِّمة كتابه (كشف الظنون): (واعلم أن نتائجَ الأفكار لا تقف عند حدٍّ، وتصرُّفاتِ الأنظار لا تنتهي إلى غاية، بل لكل عالم ومتعلم منها حظٌّ يُحْرزه في وقته المقدَّر له، وليس لأحدٍ أن يزاحمه فيه؛ لأن العالَم المعنويِّ واسعٌ كالبحر الزاخر، والفيضَ الإلهيِّ ليس له انقطاعٌ ولا آخر، والعلومُ منحٌ إلهية ومواهبُ صَمَدانية، فغير مستبعد أن يُدَّخَر لبعض المتأخِّرين ما لم يدَّخر لكثير من المتقدِّمين فلا تغترَّ بقول القائل: "ما ترك الأول للآخر"، بل القول الصحيح الظاهر: "كم ترك الأول للآخر" فإنما يُستجَاد الشيء ويُسترذَل لجَوْدته ورداءته لا لقِدَمه وحدوثه. ويقال: ليس بكلمةٍ أضرَّ بالعلم من قولهم: "ما ترك الأول شيئاً" لأنه يقطع الآمال عن العلم، ويحمل على التقاعد عن التعلم، فيقتصر الآخر على ما قدَّم الأولُ من الظواهر وهو خطر عظيم وقول سقيم، فالأوائل وإن فازوا باستخراج الأصول وتمهيدها فالأواخر فازوا بتفريع الأصول وتشييدها، كما قال عليه الصلاة والسلام: "أمتي أمة مباركة لا يُدْرَى أوَّلها خير أو آخرها) اهـ
قلت: وأبدأ إجابتي من حيث انتهى حاجي خليفة، فإن الحديث الذي أنهى به كلامه (موضوع) أي مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم، والذي حكم عليه بالوضع هو مَنْ جاء بعد حاجي خليفة بما يقرب من أربعمائة سنة...
منْ؟!! إنه الإمام الألباني رحمه الله: حيث قال في (السلسلة الضعيفة): (فالحديث موضوع بهذا اللفظ، وهو صحيح من روايات أخرى بلفظ: (مثل أمتي كالمطر، لا يُدرى أوله خير أم آخره).
فيا أخي الكريم: أليس هذا أكبر دليل على عدم صحة من يقول معنى سؤالك؟!! نعم إنه لا يصح لنا أن نقول: إن العلماء بينوا لنا الحديث الصحيح من الضعيف من الموضوع وغير ذلك، وليس ثمَّ فائدة من دراستنا لعلم الحديث بعد بيان العلماء الأحكام على الأحاديث؛ فلماذا لا يصح؟ لأمورٍ منها:
أولاً: لابد وأن نعتقد بأفضلية السادة العلماء المتقدمين وأنهم أعلم وأحكم وأرسخ في العلم من المتأخرين وكما قال الشاطبي رحمه الله: (فالمتأخِّر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما بلغه المتقدِّم، وحسبك من ذلك أهل كل علمٍ عمليٍّ أو نظريٍّ، فأعمال المتقدِّمين- في إصلاح دنياهم ودينهم- على خلاف أعمال المتأخِّرين وعلومهم في التحقيق أقْعَدُ، فتَحَقُّقُ الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقُّق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم وهكذا إلى الآن. ومَن طالع سيرَهم وأقوالهم وحكاياتهم أبصَرَ العجب في هذا المعنى. وأما الخبر ففي الحديث: "خيرُ القرون قرني ثم الذين يلُوْنهم ثم الذين يلونهم." وفي هذا إشارة إلى أن كلَّ قرنٍ مع ما بعده كذلك) اهـ.
قلت: وهذا الحديث ضعيف بهذا اللفظ، والصواب بلفظ (خير الناس قرني...) كما قال الإمام العلامة الألباني رحمه الله (ولا تقولوا كما يقول الجماهير من الدعاة: (خير القرون ...)، خير القرون ليس له أصل في السنة، السنة الصحيحة في الصحيحين وغيرهما من مراجع الحديث والسنة مُطْبِقَة على رواية الحديث بلفظ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ) اهـ.
ويا أخي: ليس المعنى هو إهدار حق الأوائل أو إنكار فضلهم وإنما هو الإنصاف = فالأوائل إن فازوا باستخراج الأصول وتمهيدها فالأواخر فازوا بتفريع الأصول وتشييدها؛ كما قال حاجي خليفة.
ثانياً: لأن العلماء يتفاوتون في الرُّتب والمكانة العلم، فقد يوجد عالم من المتقدمين جهبذاً نحريراً في فنٍ من فنون العلم وفاته فنٌ آخر أدركه غيره من المتأخرين وأتقنه وحاز قصب السبق فيه، وكان شيخنا العلامة ربيع حفظه الله دائماً يشيد بعلم الإمام الألباني رحمه الله ويثني عليه ثناء عطراً - وهو من العلماء المعاصرين - حتى قال مرة: (من قرون ما أحد وصل إلى ما وصل إليه الشيخ الألباني، بل أنا أرى في الاطِّلاع أنه ما لحقه لا ابن تيمية ولا ابن حجر في الاطلاع على الكتب، أما الحفظ يحفظون أكثر منه ، لكن الاطلاع والبحث والتشمير عن ساعد الجد في البحث لا نظير له هذا الرجل؛ و قدَّم مكتبةً للإسلام تعجز الدول ومؤسساتها عن تقديم هذا القدر وكل من يكتب في الحديث الآن عالة على هذا الرجل) انتهى كلامه حفظه الله.
ثالثاً: هذه المقولة – التي يومئ إليها معنى السؤال- تغلق باب الاجتهاد والنشاط في تحصيل العلم، وتفتح باب الكسل والخمول، قال الجاحظ: (ت 255هـ) (إذا سمعتَ الرجلَ يقول: ما ترك الأوَّلُ للآخِر شيئاً، فاعلمْ أنه لا يريدُ أن يُفلِح) اهـ.
قلت: والصواب أن يقال: كم ترك الأول للآخر، و(اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)، مع العلم أنه ليس من تجاسر على التصحيح والتضعيف في زماننا يكون حجة على من سبقه، وإنما هي فتوحات من الفتاح العليم وملكات - نتيجة الدربة والخبرة - في تطبيق القواعد يهدي الله إليها من يشاء من عبادة، نسأل الله أن يهدينا وإياكم سبل الفلاح والتوفيق في الدنيا والآخرة؛ والله أعلم.