تهذيب الساحة السلفية: رؤية لمنهجية علمية في معالجة الموروث اللاأخلاقي عند بعض المنتسبين
مقال الأسبوع:
(تهذيب الساحة السلفية: رؤية لمنهجية علمية في معالجة الموروث اللاأخلاقي عند بعض المنتسبين)
الحمد لله الذي رفع منار الحق فاهتدى إليه من أخلص، وجعل للأخلاق سلطانًا يحرس العلم من غوائل الهوى، فلا يكتمل نور الدليل إلا إذا تزيَّن بثوب الأدب، ولا يستقيم منهج تُشاد أركانه على الأخلاق دون رِقَّة القلب وتقوى اللسان.
وصلى الله على سيدنا محمد، إمام الهدى، الذي جمع الله له جمال الظاهر والباطن، فكان خُلُقه قرآنًا يمشي به بين الناس، وصحابته من بعده على نهجه يسيرون: عقيدةً صافية، وأدبًا رفيعًا، وسلوكًا يقطر وقارًا ونورًا.
أما بعد:
فما زالت السلفية عبر القرون نهرًا صافيًا تنحدر مياهه من معين الوحي، تُطهر النفوس وتقوم المعوج، حتى تلطخ صفاءها في هذا العصر غبارٌ أثاره بعض المنتسبين إليها، لا من حيث العلم، ولكن من جهة الخُلق والمنهج؛ فجاءت ممارساتٌ لا يعرفها السلف ولا يقرُّها العقلاء: غلوٌّ في الخصومة، وتوسُّع في الجرح، وحرارةُ لهجة تُشبه ضوضاء الأسواق لا سكينة العلم والعلماء.
فالتبس على الناس وجه الحق، وصار المنهج يُهاجَم بما ليس منه، ويُحاكم بأخطاء من لم يُحسن حمله.
ومن هنا كانت الحاجة ماسَّةً إلى منهجية تُعيد للمنهج نضارته، وللخطاب هيبته، وللأخلاق سلطانها؛ منهجية تفرِّق بين جوهر الحق ورواسب المنتسبين إليه، وتعيد الأمور إلى ميزان العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وتفتح لطالب العلم نافذة يرى فيها نور السلف الصافي، ويتميَّز به عن دخان المتعصِّبين والمبالغين.
وهذه رؤية، عسى الله أن أوفق فيها، وأن يجعلها نافعةً لطالبيها، وترشد القلوب إلى الحق، وتزرع في النفوس سكينة الإنصاف والعدل، فأقول:
المنهج السلفي قائمٌ على أصلين عظيمين:
• سلامة المعتقد والدليل.
• سلامة الخُلق والمنهج العملي.
ولهذا كان العلماء يقررون أن الانحراف الأخلاقي داءٌ لا يقل خطرًا عن الانحراف العلمي؛ إذ به تتعكَّر صورة الحق، ويختلط على العامة معيارُ الهدى من الهوى. ومع توالي الأجيال قد يخلِّف بعض المنتسبين إلى السلفية موروثًا من السلوكيات الشاذة عن قواعدها: تعصُّب، طعن، غيبة، حروب شخصية باسم الجرح، إسقاط للخصوم بغير تثبت… إلخ.
وهذا يتطلب منهجيةً علمية في التعامل مع هذا الموروث، تحفظ الحق ولا تظلم أحدًا.
المحور الأول: التفريق الحاسم بين المنهج وأخطاء المنتسبين إليه:
أكَّد أئمة السلف على أن الحق لا يُعرف بالرجال؛ بل الرجال يُعرفون بالحق. فانتسابُ شخصٍ للسلفية لا يمنحه حصانةً ولا عصمة، ولا يُلزم أهل العلم حمل تبعات سلوكه على المنهج نفسه.
والواجب عند ظهور أخطاء أخلاقية أن يُقال بصراحة: هذا خطؤه هو، لا خطأ المنهج.
ومن أخطر ما وقع فيه بعض المبغضين للسلفية: مساواة سلوكيات أفراد غلاة بمبادئ المنهج ذاته، حتى صارت بعض الانحرافات تُقدَّم وكأنها تطبيقٌ للسلفية نفسها.
والواجب، إذن، هو التفريق الدقيق الذي يرفع الالتباس ويعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، فيُحفظ للمنهج صفاؤه، وللحق هيبته، وللطالب طريقه مستقيمًا بين نور السلف وضباب الغلوِّ والتطرف.
المحور الثاني: ردُّ السلوكيات إلى القواعد السلفية المقرَّرة:
الموروث اللاأخلاقي يُحاكم إلى الأصول لا إلى الأهواء؛ ومن قواعد السلف:
1- العدل في الحكم: قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: 152]. فميزانُ السلف لا يميل لمعروفٍ ولا لخصومة، ولا يُدار وفق الأهواء؛ بل تُوزن الأقوالُ والرجال بميزان العدل الخالص. فلا يُغلَى في التهمة حتى تُجعل الظنون حقائق، ولا يُهوَّن من الخطأ حتى يضيع حدَّ الحق بين المجاملة والمداهنة = وإنما هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض: إعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه، وقولُ الحق ولو على النفس ومن نحب، وكثيراً ما كان يردد الإمام ابن القيم رحمه الله في (مدارج السالكين) عبارة: (شَيْخُ الْإِسْلَامِ [يقصد الهروي صاحب المنازل] حَبِيبُنَا، وَلَكِنِ الْحَقُّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ).
2- الصدق والتثبت والتجرُّد: فلا يبني طالبُ العلم حكمه على مقاطع مبتورة، ولا على همساتِ دعاياتٍ تُشعلها الخصومات؛ بل يستوثق من الخبر، ويُحكِّم ميزان التحقيق، ويتجرد للحق تجردًا يقطع علائق الهوى، حتى يكون قوله نابعًا من حقيقةٍ محققة، لا من صورةٍ مزوَّرة.
3- حسن الأدب مع المخالف: فميادين الخلاف التي جرت فيها أقلام العلماء تُتناول بعلمٍ رصين ووقارٍ يليق بأهل الحق؛ لا بارتفاع الأصوات، ولا بتراشق العبارات، ولا بإسقاطاتٍ تزكي نار الخصومة ولا تخدم بيان الحق. فالأدبُ في الخلاف قرينُ العلم، ومن فقده ضاع عدلُه، وظهرت منه الفجوة التي ما عرفها السلف ولا أقروها.
4- تحرير ميدان الجرح والتعديل: فهذا البابُ دقيقُ المسالك، لا يُطرق بحدَّة الأهواء، ولا يُدار بعجلة المتحمِّسين؛ فليس كلُّ نقدٍ جرحًا، ولا كلُّ مخالِفٍ صاحبَ بدعة. وإنما الجرحُ علمٌ له أصوله وضوابطه، يُنزَّل في مواضعه بقدرٍ وميزان، وقد تسللت إلى هذا الميدان أخطاءٌ جسيمة ممن لا يحسن الصنعة، فنتج عن ذلك غلوٌّ مقيت في الجرح بلغ حد التشدد الفظيع، وتساهلٌ مفرط في التعديل وصل إلى حد التهاون الذي يضعف قوة الموازنة والتمييز بين الحق والباطل؛ فشوَّهوا حدوده، ووسَّعوا دائرته، وحوَّلوه من أداةٍ علمية رصينة لتمييز الحق من الباطل إلى سلاحٍ للخصومة الشخصية، وحلبةٍ للتباغض بين النفوس، فتلطخت به صفاء العدالة، وتشوَّهت به صورة النقد الرزين، حتى غدا بعيدًا عن روح السلف، التي قامت على ميزان الحق، ورفعة المنهج، وإنصاف الخصم قبل الصديق.
5- الإنصاف والعدل: فالمنهج السلفي لا يرضى بالاجتزاء ولا بالجور؛ بل يُذكر للرجل ما له كما يُذكر ما عليه، ويُحفظ له فضلُه وإن خالف في مسألة، ولا يُجعل الخلافُ سببًا لطمس كل فضيلة أو محو كل سابقة. ومن استقام بيانُ حاله بكلمةٍ عادلة، لم يجز التعدي عليه ولو بكلمةٍ ثانية؛ فإن الزيادة على العدل ظلم، والظلم لا يزكِّي منهجًا ولا يرفع قدرًا.
ومحلُّ هذه القاعدة إنما يكون مع أهل الحق وأبناء المنهج الواحد؛ إذ يجمعهم أصلٌ مشترك، ويضمُّهم ميزانٌ واحد، فيُراعى فيهم الإنصاف، ويُجتنب في حقِّهم مجاوزة الحدِّ أو تتبُّع الزلَّات وإهمال ذكر الحسنات؛ من قبيل منهج الموازنات بين الحسنات والسيئات في النقد على بابته = باب العدل والإنصاف بين أهل السنة السلفيين، ولا يُطبَّق هذا مع المبتدعة أو الحزبيين الذين غابت عندهم أصول الحق، كما قال رافع بن الأشرس رحمه الله: (من عقوبة الفاسق المبتدع أن لا تُذكر محاسنه)؛ فانتبه إلى قوله: الفاسق المبتدع، فمراده: من ابتدع وابتعد عن منهج الحق، لا أهل السُّنَّة السلفيين الأقحاح المختلفين في مسائل يسع فيها الخلاف.
المحور الثالث: معالجة الموروث اللاأخلاقي من الداخل:
إن تطهير الساحة السلفية من السلوكيات المنحرفة واجب داخلي على أهل العلم والفضل؛ فهو حماية للمنهج، وصيانة للحق، وإعادة للنور إلى أصحابه. ولعل من أبرز صور هذا الإصلاح:
• التأصيل العلمي الدائم لآداب الخلاف ومنهج النقد:
فلا يكفي مجرد الردِّ على الانحراف بالغضب أو الانفعال، بل يجب أن يُبنى كل نقد على علمٍ رصين وضوابط دقيقة تُرشد طالب الحق، وتمنع الانزلاق وراء الغلو أو التساهل. فمجال الخلاف بين العلماء مشروع حين يكون مبنيًا على علمٍ وأدب، وما عداه فهو تشويه للمنهج.
• إحياء كلام الأئمة في الجمع بين العلم والأخلاق الحميدة:
كما قال عبد الله بن المبارك -رحمه الله-: (نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم)، وقال ابن الجوزي -رحمه الله-: (كاد الأدب يكون ثلثي العلم). فالأدب ليس زينةً زائفة، بل هو نصف المنهج، وركنٌ لا يُستغنى عنه في تمييز الحق من الهوى، ويكفي قول نبينا صلى الله عليه وسلم: « إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ» أخرجه أَحْمد وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيُّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه.
• لا بأس بالإنكار العلني على من تجاوز الحدود إذا كان ضرره عامًا، دون شتم أو تبديع بلا حجة:
فالواجب كشف الخطأ وإصلاحه بالحكمة والموعظة الحسنة، مع الاحتكام إلى الدليل، فلا يغيب العدل تحت شعارات الانفعال، ولا يُغفل الحق تحت ستار التعصب.
وأما هذا الإنكار العلني، فليس لكل أحد، بل يُخص به العلماء والمشايخ الفضلاء القادرون على ضبط الموقف وإصلاحه بحكمة، حتى لا تنشأ فوضى لا زمام لها، ويظل المنهج مصانًا، والخلافات مُسقاة بالعدل والحكمة، بعيدًا عن الانفعال والغلوِّ أو التهوين.
• تربية الشباب على التواضع، وسعة الصدر، واحترام العلماء والمشايخ، وترك العجلة في إسقاط الناس:
فالأجيال الصاعدة بحاجة إلى نماذج صالحة، تعلمهم أن الانتصار للحق لا يكون بالحدة أو الغضب، ولا بالسرعة في إصدار الأحكام على الناس. إن احترام العلماء والمشايخ ليس مجرد آداب اجتماعية، بل هو جزء من الأدب مع الله ومع شرعه، وركيزة في بناء مجتمع علمي متزن. فالتواضع وسعة الصدر وحسن الظن بالآخرين، هي التي تربي النفوس على الإنصاف، وتحصِّن العقل من الانفعال والهوى، وتغرس في القلوب حب التثبت قبل الحكم، والبحث عن الحق بلا تهور، حتى يكون الشباب حاملين للعلم وراعين للخُلُق، وليسوا مجرد ناقلين أو مقلدين بلا بصيرة.
• إغلاق أبواب التجييش في وسائل التواصل، لأنها صارت موطنًا للفتنة لا لطلب العلم:
فالمنصات التي أُريد لها أن تكون مدارس للعلم وفضاءات للبحث والفقه والتفقه صارت للأسف ساحات للتشنج، واستغلال الخصومات، وإشعال العداوات، فانتشرت الفوضى وغابت آداب الحوار والتحقيق. ومن ثم، لابد من تصفية هذا الفضاء، وإعادة توجيهه ليصبح مأوى للعلم، وفضاءً للوقار والحكمة، وموئلًا للتروي والتثبت قبل الحكم، لا مجالًا للبغضاء أو التصعيد، حتى يستعيد طالب العلم ثقة النفس، ويُبنى مجتمع معرفي متزن يسود فيه الحق ويُصان المنهج.
المحور الرابع: إعادة التعريف للولاء للمنهج عند بعض طلبة العلم:
ليس الولاء للمنهج السلفي ولاءً للأسماء، ولا الانتصار لكل قولٍ يُعجبنا وإن خالف الدليل، ولا الوقوف مع كل من يرفع شعار (السلفية) اعتقادًا منه أنه يمثل الحق بذاته. فمثل هذا الولاء الزائف لا يرفع المنهج، ولا يحفظ أصله، بل يشتت البصيرة، ويخلط بين الحق والهوى، فتغيب معالم السلفية عن طالب الحق.
أما الولاءُ الحقُ فهو ولاءٌ للكتاب والسنة، وأصول السلف، والعدل، والأخلاق، والإنصاف، ونصرة الحق ولو على النفس؛ هو ولاء للحقيقة الثابتة، لا للأشخاص العابرة والمتغيرة والمتجددة ، واتباع لما ثبت بالدليل، لا لما تروِّج له الأهواء، والتشبث بما يقيم الحق ويرفعه فوق كل اعتبارات شخصية أو ميول توافقية.
وأما التعصب للرجال، وحمل سيوف التجريح دفاعًا عن أشخاص، فهو موروث دخيل لم تعرفه السلفية الراشدة؛ فقد كان السلف أشد الناس تحرِّيًا للحق، وأقصى الناس ضبطًا للحدود، حتى مع أقرب الناس إليهم، فلا يُترك الحق في يد الهوى، ولا تُستبدل الفضيلة بالانحياز العاطفي، فتصبح صورة المنهج مشوهة في أعين الناس، كما لو أنه لا يقيم للعدل والأخلاق وزناً.
المحور الخامس: بناء خطاب بديل نقيٍّ:
إنَّ نقد الموروث اللاأخلاقي وحده لا يكفي؛ بل الواجب تقديم نموذج عملي ناصع يفيض بالعلم والخلق معًا، خطابٌ متين راسخ، يقدِّم الحجة بلا حدَّة، ويترك أثرًا في النفوس قبل العقول.
• خلق في الحوار يعكس سماحة السلف:
فالحوار بين أهل الحق ينبغي أن يكون علمًا متزنًا، ورفقًا متجذرًا في الأدب، بعيدًا عن الصخب أو التشنج، كما هو شأن السلف في المناقشة، فالأدب في النقل عن الحق جزء من الحق نفسه.
• مشاريع علمية تربوية تعيد الطلاب إلى التحقيق والتثبت والتواضع:
فالشباب يحتاج إلى مناهج تربي على استقصاء الحقيقة، وفحص الأخبار، والتثبت قبل الحكم، وتقدير العلماء، وتزكية النفس بالتواضع، بعيدًا عن الغلوِّ والتسرع في إصدار الأحكام على الناس.
• توثيق الانحرافات الأخلاقية دون مبالغة:
فمن اعتداءات وتشويه وافتراءات، يُوثَّق ما يجب توثيقه ليُعرف المرض ويُعالَج، لا ليُشهر أو يُستغل في التحريض، فالهدف العلاج والتربية، لا الإثارة أو التشهير. والإنصاف في النقل أرفع من أي اجتزاء يضر بالمنهج ويشوَّه صورته أمام العامة.
وأما كيفية التوثيق، فتعتمد على ركيزتين أساسيتين:
الركيزة الأولى: العدل والإنصاف في النقل.
بأن يُثبت ما وقع عبر مصدر موثوق، مكتوبًا أو مسموعًا، أو نقلًا عن ثقات صادقين، مع الحرص على الدقة والتثبت، حتى لا يُفسَّر الموقف بما لا يليق، ولا يتهم أحدًا بغير حق.
الركيزة الثانية: رفع الملاحظات إلى أهل العلم الكبار والمشايخ الفضلاء.
فلا يجوز لكل أحد أن يتكلم أو يُصدر حكمًا؛ بل يُراعى في ذلك حفظ المنهج وصيانته من التشويه والاضطراب، بحيث يكون الكلام موجَّهًا للمعنيين القادرين على ضبط الموقف وإصلاحه بحكمة، لا للنشر العام الذي قد يفاقم الفتنة ويشوِّه صورة السلفية.
بهذه الطريقة، يُجمع بين التحقيق والإنصاف والحكمة، ويُصان المنهج، ويُعالج الانحراف دون فوضى أو إساءة، فيستقيم خطاب الإصلاح، ويظل حيًّا في سياق علمي وأخلاقي رصين، يقدَّم للطلبة والمجتمع نموذجًا للنهج الصحيح بعيدًا عن الغلو والتسرع.
الخاتمة
إن الموروث اللاأخلاقي الذي خلَّفه بعض المنتسبين إلى السلفية لا يُنسب إلى المنهج ولا إلى علمائه الكبار؛ فهو ثمرة عُقد نفسية فردية، أو ضيق علم، أو قصور في التربية، لا أثر له في جوهر المنهج السلفي.
والمنهج السلفي – كما قرره أئمته – دين وخلق معًا، لا يقوم إلا بجمعهما، ولا يُستكمل إلا بهما. فإذا التزم طلبة العلم العدل والصدق والرفق، وحقيقة المنهج وأدبه، ذاب ذلك الموروث شيئًا فشيئًا، وعادت السلفية نقية كما كانت: علمًا يهدي، وخلقًا يزكِّي، ومنهجًا يرفع الناس ولا يهدمهم، منارة وسبيلًا للحق، وجسرًا يصل بين العلم والعمل، وبين المعرفة والتطبيق، وبين الحق والعدل في كل زمان ومكان.
وإن توجيه الشباب وطلاب العلم إلى الحق يجب أن يتم على أطر واضحة، وبأساليب متناسبة مع الأحوال والقلوب: بالرفق واللين حيث يُلائم النفوس، وبالحب والموعظة الحسنة حيث يكون أثرها أعظم، وبالخوف من الله في النفوس حين يقتضي الموقف، وبالخشونة الصارمة إذا استدعى الإصلاح حزمًا لحماية المنهج وصيانة الساحة الدعوية. فكل أسلوب يُوظف في مكانه، ما دام الهدف واحدًا: إصلاح النفس والمجتمع وصيانة المنهج.
وعلماؤنا ومشايخنا – حفظهم الله وبارك في أعمارهم وأعمالهم – هم أدرى الناس بمداخل النفوس، وأخبرهم بمسالك التربية، وأحكمهم في تهذيب الخطاب وتقويم الاعوجاج؛ فهم بعد الله صمَّام الأمان، وحملة ميراث النبوة، وميزان العدل والاتزان في زمن اشتدَّ فيه الاضطراب، وخرجت فيه الألسنة عن جادة الرشد.
وإنما هذه الكلمات نافذةُ رأيٍ لا تتجاوز قدر صاحبها، ومحاولةٌ يرجو صاحبُها أن تلحق بركب جهود أهل العلم، وأن تكون إضاءةً يسيرةً في طريقٍ طالما أناره الراسخون ببيانهم وحكمتهم.
وإن هذا الملف – ملف ضبط الخطاب، وردِّ الانفلات الأخلاقي، وإحياء السمت السلفي في التعامل والنصيحة – أحوج ما يكون اليوم إلى أن يُثار من قبل العلماء الراسخين، والمشايخ المعتبرين، وطلاب العلم المتمكنين.
فهم أهل النظر المحكم، والتأصيل المتين، والقدرة على جمع الشتات، وردِّ الفروع إلى أصولها، وتسديد الناس في القول والعمل؛ فإذا تكلَّموا أطفؤوا الفتنة، وإذا وجَّهوا سكنت القلوب، وإذا أصلحوا انجبر الخلل.
ولعل في جمع كلماتهم، وإحياء بحوثهم، وفتح هذا الباب للحوار المنضبط – على أصول السلف وآدابهم – ما يطفئ كثيرًا من نيران الخصومات، ويردُّ الناس إلى الرشد والعدل والرفق.
واللهُ المسؤولُ أن يبارك في علمائنا وفي علمهم، وأن ينفع بجهودهم، وأن يجعل هذه الرؤية لبنةً في صرحٍ هم بُناته وحماته؛ وهو المستعان، وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وكتب حامدا مصلياً:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري
الثغر السكندري – حرسه الله – من الديار المصرية – حفظها الله من كل مكروه وسوء وسائر بلاد المسلمين -.
الأربعاء: 19 / جمادى الآخر / 1447 هـ.
(تهذيب الساحة السلفية: رؤية لمنهجية علمية في معالجة الموروث اللاأخلاقي عند بعض المنتسبين)
الحمد لله الذي رفع منار الحق فاهتدى إليه من أخلص، وجعل للأخلاق سلطانًا يحرس العلم من غوائل الهوى، فلا يكتمل نور الدليل إلا إذا تزيَّن بثوب الأدب، ولا يستقيم منهج تُشاد أركانه على الأخلاق دون رِقَّة القلب وتقوى اللسان.
وصلى الله على سيدنا محمد، إمام الهدى، الذي جمع الله له جمال الظاهر والباطن، فكان خُلُقه قرآنًا يمشي به بين الناس، وصحابته من بعده على نهجه يسيرون: عقيدةً صافية، وأدبًا رفيعًا، وسلوكًا يقطر وقارًا ونورًا.
أما بعد:
فما زالت السلفية عبر القرون نهرًا صافيًا تنحدر مياهه من معين الوحي، تُطهر النفوس وتقوم المعوج، حتى تلطخ صفاءها في هذا العصر غبارٌ أثاره بعض المنتسبين إليها، لا من حيث العلم، ولكن من جهة الخُلق والمنهج؛ فجاءت ممارساتٌ لا يعرفها السلف ولا يقرُّها العقلاء: غلوٌّ في الخصومة، وتوسُّع في الجرح، وحرارةُ لهجة تُشبه ضوضاء الأسواق لا سكينة العلم والعلماء.
فالتبس على الناس وجه الحق، وصار المنهج يُهاجَم بما ليس منه، ويُحاكم بأخطاء من لم يُحسن حمله.
ومن هنا كانت الحاجة ماسَّةً إلى منهجية تُعيد للمنهج نضارته، وللخطاب هيبته، وللأخلاق سلطانها؛ منهجية تفرِّق بين جوهر الحق ورواسب المنتسبين إليه، وتعيد الأمور إلى ميزان العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وتفتح لطالب العلم نافذة يرى فيها نور السلف الصافي، ويتميَّز به عن دخان المتعصِّبين والمبالغين.
وهذه رؤية، عسى الله أن أوفق فيها، وأن يجعلها نافعةً لطالبيها، وترشد القلوب إلى الحق، وتزرع في النفوس سكينة الإنصاف والعدل، فأقول:
المنهج السلفي قائمٌ على أصلين عظيمين:
• سلامة المعتقد والدليل.
• سلامة الخُلق والمنهج العملي.
ولهذا كان العلماء يقررون أن الانحراف الأخلاقي داءٌ لا يقل خطرًا عن الانحراف العلمي؛ إذ به تتعكَّر صورة الحق، ويختلط على العامة معيارُ الهدى من الهوى. ومع توالي الأجيال قد يخلِّف بعض المنتسبين إلى السلفية موروثًا من السلوكيات الشاذة عن قواعدها: تعصُّب، طعن، غيبة، حروب شخصية باسم الجرح، إسقاط للخصوم بغير تثبت… إلخ.
وهذا يتطلب منهجيةً علمية في التعامل مع هذا الموروث، تحفظ الحق ولا تظلم أحدًا.
المحور الأول: التفريق الحاسم بين المنهج وأخطاء المنتسبين إليه:
أكَّد أئمة السلف على أن الحق لا يُعرف بالرجال؛ بل الرجال يُعرفون بالحق. فانتسابُ شخصٍ للسلفية لا يمنحه حصانةً ولا عصمة، ولا يُلزم أهل العلم حمل تبعات سلوكه على المنهج نفسه.
والواجب عند ظهور أخطاء أخلاقية أن يُقال بصراحة: هذا خطؤه هو، لا خطأ المنهج.
ومن أخطر ما وقع فيه بعض المبغضين للسلفية: مساواة سلوكيات أفراد غلاة بمبادئ المنهج ذاته، حتى صارت بعض الانحرافات تُقدَّم وكأنها تطبيقٌ للسلفية نفسها.
والواجب، إذن، هو التفريق الدقيق الذي يرفع الالتباس ويعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، فيُحفظ للمنهج صفاؤه، وللحق هيبته، وللطالب طريقه مستقيمًا بين نور السلف وضباب الغلوِّ والتطرف.
المحور الثاني: ردُّ السلوكيات إلى القواعد السلفية المقرَّرة:
الموروث اللاأخلاقي يُحاكم إلى الأصول لا إلى الأهواء؛ ومن قواعد السلف:
1- العدل في الحكم: قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: 152]. فميزانُ السلف لا يميل لمعروفٍ ولا لخصومة، ولا يُدار وفق الأهواء؛ بل تُوزن الأقوالُ والرجال بميزان العدل الخالص. فلا يُغلَى في التهمة حتى تُجعل الظنون حقائق، ولا يُهوَّن من الخطأ حتى يضيع حدَّ الحق بين المجاملة والمداهنة = وإنما هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض: إعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه، وقولُ الحق ولو على النفس ومن نحب، وكثيراً ما كان يردد الإمام ابن القيم رحمه الله في (مدارج السالكين) عبارة: (شَيْخُ الْإِسْلَامِ [يقصد الهروي صاحب المنازل] حَبِيبُنَا، وَلَكِنِ الْحَقُّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ).
2- الصدق والتثبت والتجرُّد: فلا يبني طالبُ العلم حكمه على مقاطع مبتورة، ولا على همساتِ دعاياتٍ تُشعلها الخصومات؛ بل يستوثق من الخبر، ويُحكِّم ميزان التحقيق، ويتجرد للحق تجردًا يقطع علائق الهوى، حتى يكون قوله نابعًا من حقيقةٍ محققة، لا من صورةٍ مزوَّرة.
3- حسن الأدب مع المخالف: فميادين الخلاف التي جرت فيها أقلام العلماء تُتناول بعلمٍ رصين ووقارٍ يليق بأهل الحق؛ لا بارتفاع الأصوات، ولا بتراشق العبارات، ولا بإسقاطاتٍ تزكي نار الخصومة ولا تخدم بيان الحق. فالأدبُ في الخلاف قرينُ العلم، ومن فقده ضاع عدلُه، وظهرت منه الفجوة التي ما عرفها السلف ولا أقروها.
4- تحرير ميدان الجرح والتعديل: فهذا البابُ دقيقُ المسالك، لا يُطرق بحدَّة الأهواء، ولا يُدار بعجلة المتحمِّسين؛ فليس كلُّ نقدٍ جرحًا، ولا كلُّ مخالِفٍ صاحبَ بدعة. وإنما الجرحُ علمٌ له أصوله وضوابطه، يُنزَّل في مواضعه بقدرٍ وميزان، وقد تسللت إلى هذا الميدان أخطاءٌ جسيمة ممن لا يحسن الصنعة، فنتج عن ذلك غلوٌّ مقيت في الجرح بلغ حد التشدد الفظيع، وتساهلٌ مفرط في التعديل وصل إلى حد التهاون الذي يضعف قوة الموازنة والتمييز بين الحق والباطل؛ فشوَّهوا حدوده، ووسَّعوا دائرته، وحوَّلوه من أداةٍ علمية رصينة لتمييز الحق من الباطل إلى سلاحٍ للخصومة الشخصية، وحلبةٍ للتباغض بين النفوس، فتلطخت به صفاء العدالة، وتشوَّهت به صورة النقد الرزين، حتى غدا بعيدًا عن روح السلف، التي قامت على ميزان الحق، ورفعة المنهج، وإنصاف الخصم قبل الصديق.
5- الإنصاف والعدل: فالمنهج السلفي لا يرضى بالاجتزاء ولا بالجور؛ بل يُذكر للرجل ما له كما يُذكر ما عليه، ويُحفظ له فضلُه وإن خالف في مسألة، ولا يُجعل الخلافُ سببًا لطمس كل فضيلة أو محو كل سابقة. ومن استقام بيانُ حاله بكلمةٍ عادلة، لم يجز التعدي عليه ولو بكلمةٍ ثانية؛ فإن الزيادة على العدل ظلم، والظلم لا يزكِّي منهجًا ولا يرفع قدرًا.
ومحلُّ هذه القاعدة إنما يكون مع أهل الحق وأبناء المنهج الواحد؛ إذ يجمعهم أصلٌ مشترك، ويضمُّهم ميزانٌ واحد، فيُراعى فيهم الإنصاف، ويُجتنب في حقِّهم مجاوزة الحدِّ أو تتبُّع الزلَّات وإهمال ذكر الحسنات؛ من قبيل منهج الموازنات بين الحسنات والسيئات في النقد على بابته = باب العدل والإنصاف بين أهل السنة السلفيين، ولا يُطبَّق هذا مع المبتدعة أو الحزبيين الذين غابت عندهم أصول الحق، كما قال رافع بن الأشرس رحمه الله: (من عقوبة الفاسق المبتدع أن لا تُذكر محاسنه)؛ فانتبه إلى قوله: الفاسق المبتدع، فمراده: من ابتدع وابتعد عن منهج الحق، لا أهل السُّنَّة السلفيين الأقحاح المختلفين في مسائل يسع فيها الخلاف.
المحور الثالث: معالجة الموروث اللاأخلاقي من الداخل:
إن تطهير الساحة السلفية من السلوكيات المنحرفة واجب داخلي على أهل العلم والفضل؛ فهو حماية للمنهج، وصيانة للحق، وإعادة للنور إلى أصحابه. ولعل من أبرز صور هذا الإصلاح:
• التأصيل العلمي الدائم لآداب الخلاف ومنهج النقد:
فلا يكفي مجرد الردِّ على الانحراف بالغضب أو الانفعال، بل يجب أن يُبنى كل نقد على علمٍ رصين وضوابط دقيقة تُرشد طالب الحق، وتمنع الانزلاق وراء الغلو أو التساهل. فمجال الخلاف بين العلماء مشروع حين يكون مبنيًا على علمٍ وأدب، وما عداه فهو تشويه للمنهج.
• إحياء كلام الأئمة في الجمع بين العلم والأخلاق الحميدة:
كما قال عبد الله بن المبارك -رحمه الله-: (نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم)، وقال ابن الجوزي -رحمه الله-: (كاد الأدب يكون ثلثي العلم). فالأدب ليس زينةً زائفة، بل هو نصف المنهج، وركنٌ لا يُستغنى عنه في تمييز الحق من الهوى، ويكفي قول نبينا صلى الله عليه وسلم: « إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ» أخرجه أَحْمد وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيُّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه.
• لا بأس بالإنكار العلني على من تجاوز الحدود إذا كان ضرره عامًا، دون شتم أو تبديع بلا حجة:
فالواجب كشف الخطأ وإصلاحه بالحكمة والموعظة الحسنة، مع الاحتكام إلى الدليل، فلا يغيب العدل تحت شعارات الانفعال، ولا يُغفل الحق تحت ستار التعصب.
وأما هذا الإنكار العلني، فليس لكل أحد، بل يُخص به العلماء والمشايخ الفضلاء القادرون على ضبط الموقف وإصلاحه بحكمة، حتى لا تنشأ فوضى لا زمام لها، ويظل المنهج مصانًا، والخلافات مُسقاة بالعدل والحكمة، بعيدًا عن الانفعال والغلوِّ أو التهوين.
• تربية الشباب على التواضع، وسعة الصدر، واحترام العلماء والمشايخ، وترك العجلة في إسقاط الناس:
فالأجيال الصاعدة بحاجة إلى نماذج صالحة، تعلمهم أن الانتصار للحق لا يكون بالحدة أو الغضب، ولا بالسرعة في إصدار الأحكام على الناس. إن احترام العلماء والمشايخ ليس مجرد آداب اجتماعية، بل هو جزء من الأدب مع الله ومع شرعه، وركيزة في بناء مجتمع علمي متزن. فالتواضع وسعة الصدر وحسن الظن بالآخرين، هي التي تربي النفوس على الإنصاف، وتحصِّن العقل من الانفعال والهوى، وتغرس في القلوب حب التثبت قبل الحكم، والبحث عن الحق بلا تهور، حتى يكون الشباب حاملين للعلم وراعين للخُلُق، وليسوا مجرد ناقلين أو مقلدين بلا بصيرة.
• إغلاق أبواب التجييش في وسائل التواصل، لأنها صارت موطنًا للفتنة لا لطلب العلم:
فالمنصات التي أُريد لها أن تكون مدارس للعلم وفضاءات للبحث والفقه والتفقه صارت للأسف ساحات للتشنج، واستغلال الخصومات، وإشعال العداوات، فانتشرت الفوضى وغابت آداب الحوار والتحقيق. ومن ثم، لابد من تصفية هذا الفضاء، وإعادة توجيهه ليصبح مأوى للعلم، وفضاءً للوقار والحكمة، وموئلًا للتروي والتثبت قبل الحكم، لا مجالًا للبغضاء أو التصعيد، حتى يستعيد طالب العلم ثقة النفس، ويُبنى مجتمع معرفي متزن يسود فيه الحق ويُصان المنهج.
المحور الرابع: إعادة التعريف للولاء للمنهج عند بعض طلبة العلم:
ليس الولاء للمنهج السلفي ولاءً للأسماء، ولا الانتصار لكل قولٍ يُعجبنا وإن خالف الدليل، ولا الوقوف مع كل من يرفع شعار (السلفية) اعتقادًا منه أنه يمثل الحق بذاته. فمثل هذا الولاء الزائف لا يرفع المنهج، ولا يحفظ أصله، بل يشتت البصيرة، ويخلط بين الحق والهوى، فتغيب معالم السلفية عن طالب الحق.
أما الولاءُ الحقُ فهو ولاءٌ للكتاب والسنة، وأصول السلف، والعدل، والأخلاق، والإنصاف، ونصرة الحق ولو على النفس؛ هو ولاء للحقيقة الثابتة، لا للأشخاص العابرة والمتغيرة والمتجددة ، واتباع لما ثبت بالدليل، لا لما تروِّج له الأهواء، والتشبث بما يقيم الحق ويرفعه فوق كل اعتبارات شخصية أو ميول توافقية.
وأما التعصب للرجال، وحمل سيوف التجريح دفاعًا عن أشخاص، فهو موروث دخيل لم تعرفه السلفية الراشدة؛ فقد كان السلف أشد الناس تحرِّيًا للحق، وأقصى الناس ضبطًا للحدود، حتى مع أقرب الناس إليهم، فلا يُترك الحق في يد الهوى، ولا تُستبدل الفضيلة بالانحياز العاطفي، فتصبح صورة المنهج مشوهة في أعين الناس، كما لو أنه لا يقيم للعدل والأخلاق وزناً.
المحور الخامس: بناء خطاب بديل نقيٍّ:
إنَّ نقد الموروث اللاأخلاقي وحده لا يكفي؛ بل الواجب تقديم نموذج عملي ناصع يفيض بالعلم والخلق معًا، خطابٌ متين راسخ، يقدِّم الحجة بلا حدَّة، ويترك أثرًا في النفوس قبل العقول.
• خلق في الحوار يعكس سماحة السلف:
فالحوار بين أهل الحق ينبغي أن يكون علمًا متزنًا، ورفقًا متجذرًا في الأدب، بعيدًا عن الصخب أو التشنج، كما هو شأن السلف في المناقشة، فالأدب في النقل عن الحق جزء من الحق نفسه.
• مشاريع علمية تربوية تعيد الطلاب إلى التحقيق والتثبت والتواضع:
فالشباب يحتاج إلى مناهج تربي على استقصاء الحقيقة، وفحص الأخبار، والتثبت قبل الحكم، وتقدير العلماء، وتزكية النفس بالتواضع، بعيدًا عن الغلوِّ والتسرع في إصدار الأحكام على الناس.
• توثيق الانحرافات الأخلاقية دون مبالغة:
فمن اعتداءات وتشويه وافتراءات، يُوثَّق ما يجب توثيقه ليُعرف المرض ويُعالَج، لا ليُشهر أو يُستغل في التحريض، فالهدف العلاج والتربية، لا الإثارة أو التشهير. والإنصاف في النقل أرفع من أي اجتزاء يضر بالمنهج ويشوَّه صورته أمام العامة.
وأما كيفية التوثيق، فتعتمد على ركيزتين أساسيتين:
الركيزة الأولى: العدل والإنصاف في النقل.
بأن يُثبت ما وقع عبر مصدر موثوق، مكتوبًا أو مسموعًا، أو نقلًا عن ثقات صادقين، مع الحرص على الدقة والتثبت، حتى لا يُفسَّر الموقف بما لا يليق، ولا يتهم أحدًا بغير حق.
الركيزة الثانية: رفع الملاحظات إلى أهل العلم الكبار والمشايخ الفضلاء.
فلا يجوز لكل أحد أن يتكلم أو يُصدر حكمًا؛ بل يُراعى في ذلك حفظ المنهج وصيانته من التشويه والاضطراب، بحيث يكون الكلام موجَّهًا للمعنيين القادرين على ضبط الموقف وإصلاحه بحكمة، لا للنشر العام الذي قد يفاقم الفتنة ويشوِّه صورة السلفية.
بهذه الطريقة، يُجمع بين التحقيق والإنصاف والحكمة، ويُصان المنهج، ويُعالج الانحراف دون فوضى أو إساءة، فيستقيم خطاب الإصلاح، ويظل حيًّا في سياق علمي وأخلاقي رصين، يقدَّم للطلبة والمجتمع نموذجًا للنهج الصحيح بعيدًا عن الغلو والتسرع.
الخاتمة
إن الموروث اللاأخلاقي الذي خلَّفه بعض المنتسبين إلى السلفية لا يُنسب إلى المنهج ولا إلى علمائه الكبار؛ فهو ثمرة عُقد نفسية فردية، أو ضيق علم، أو قصور في التربية، لا أثر له في جوهر المنهج السلفي.
والمنهج السلفي – كما قرره أئمته – دين وخلق معًا، لا يقوم إلا بجمعهما، ولا يُستكمل إلا بهما. فإذا التزم طلبة العلم العدل والصدق والرفق، وحقيقة المنهج وأدبه، ذاب ذلك الموروث شيئًا فشيئًا، وعادت السلفية نقية كما كانت: علمًا يهدي، وخلقًا يزكِّي، ومنهجًا يرفع الناس ولا يهدمهم، منارة وسبيلًا للحق، وجسرًا يصل بين العلم والعمل، وبين المعرفة والتطبيق، وبين الحق والعدل في كل زمان ومكان.
وإن توجيه الشباب وطلاب العلم إلى الحق يجب أن يتم على أطر واضحة، وبأساليب متناسبة مع الأحوال والقلوب: بالرفق واللين حيث يُلائم النفوس، وبالحب والموعظة الحسنة حيث يكون أثرها أعظم، وبالخوف من الله في النفوس حين يقتضي الموقف، وبالخشونة الصارمة إذا استدعى الإصلاح حزمًا لحماية المنهج وصيانة الساحة الدعوية. فكل أسلوب يُوظف في مكانه، ما دام الهدف واحدًا: إصلاح النفس والمجتمع وصيانة المنهج.
وعلماؤنا ومشايخنا – حفظهم الله وبارك في أعمارهم وأعمالهم – هم أدرى الناس بمداخل النفوس، وأخبرهم بمسالك التربية، وأحكمهم في تهذيب الخطاب وتقويم الاعوجاج؛ فهم بعد الله صمَّام الأمان، وحملة ميراث النبوة، وميزان العدل والاتزان في زمن اشتدَّ فيه الاضطراب، وخرجت فيه الألسنة عن جادة الرشد.
وإنما هذه الكلمات نافذةُ رأيٍ لا تتجاوز قدر صاحبها، ومحاولةٌ يرجو صاحبُها أن تلحق بركب جهود أهل العلم، وأن تكون إضاءةً يسيرةً في طريقٍ طالما أناره الراسخون ببيانهم وحكمتهم.
وإن هذا الملف – ملف ضبط الخطاب، وردِّ الانفلات الأخلاقي، وإحياء السمت السلفي في التعامل والنصيحة – أحوج ما يكون اليوم إلى أن يُثار من قبل العلماء الراسخين، والمشايخ المعتبرين، وطلاب العلم المتمكنين.
فهم أهل النظر المحكم، والتأصيل المتين، والقدرة على جمع الشتات، وردِّ الفروع إلى أصولها، وتسديد الناس في القول والعمل؛ فإذا تكلَّموا أطفؤوا الفتنة، وإذا وجَّهوا سكنت القلوب، وإذا أصلحوا انجبر الخلل.
ولعل في جمع كلماتهم، وإحياء بحوثهم، وفتح هذا الباب للحوار المنضبط – على أصول السلف وآدابهم – ما يطفئ كثيرًا من نيران الخصومات، ويردُّ الناس إلى الرشد والعدل والرفق.
واللهُ المسؤولُ أن يبارك في علمائنا وفي علمهم، وأن ينفع بجهودهم، وأن يجعل هذه الرؤية لبنةً في صرحٍ هم بُناته وحماته؛ وهو المستعان، وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وكتب حامدا مصلياً:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري
الثغر السكندري – حرسه الله – من الديار المصرية – حفظها الله من كل مكروه وسوء وسائر بلاد المسلمين -.
الأربعاء: 19 / جمادى الآخر / 1447 هـ.
