الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

(خفافيش الظلام... بين الفتنة ورعاتها) ... ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾

٢٩ جمادى الأولى ١٤٤٧ هـ٢٠ نوفمبر ٢٠٢٥
المقالاتولاة الأمر والسمع والطاعة
مقال: (خفافيش الظلام... بين الفتنة ورعاتها) ... ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾

الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فإنَّ من أعظم ما جاءت به الشريعة: حفظ جماعة المسلمين، وصيانة دمائهم، وسدُّ ذرائع الفتن والاضطرابات. ولذلك قرر أهل العلم – وعلى رأسهم أئمة السلف – أنَّ الخروج على ولاة الأمر باب شرٍّ محض، ما فتح في أمَّةٍ قط إلا جرَّ عليهم من البلاء أضعاف ما ظنَّ أصحابه أنهم يدفعونه.

وقد اتفق العلماء على أن البُغاة: هم الخارجون على الإمام بتأويلٍ فاسد أو شبهةٍ مردودة، وأن الشرع لم يُسَمِّهم كفارًا، ولم يُخرِجهم من الملة، ولكنه شدَّد في التحذير من خطرهم وبيَّن قبح فعلهم، وجعلهم أهلَ بغيٍ وعدوان، لما يترتب على خروجهم من سفكٍ للدماء، وتعطيل للحدود، وإضعاف لسلطان الأمة.

وإذا كان هذا الحكم موجَّهًا إلى الأفراد والجماعات، فإنَّ الأمر – من باب أولى – أشدُّ إذا وقعت دولةٌ من الدول في هذا الوحل، فمدَّت يدها إلى متمردين يقاتلون سلطانًا مسلمًا، أو موَّلت خوارج يعبثون بالأمن ويشقُّون عصا الطاعة.
فهذا الفعل – شرعًا – هو من باب إعانة البُغاة، وتعظيم شوكتهم، وتوسيع دائرة الفتنة.
وما كان سببًا لتمكين البغي، فهو في معناه، وله حكمه، ولو لم يباشر الفاعلُ القتال بنفسه، فالوسائل تأخذ حكم المقاصد، وقد نصَّ الفقهاءُ على قاعدةٍ - أخرى - عظيمة وهي:
«إيقاعُ السَّبَبِ بمَنزِلةِ إيقاعِ المُسَبَّبِ، قُصِدَ ذلك المُسَبَّبُ أو لا» كما في (الموافقات) للشاطبي [1/335]، ويُعَبَّرُ عنها أيضًا بـ « ما نَشَأَ عنِ الأسبابِ مِنَ المُسَبَّباتِ فمَنسوبٌ إلى المُكَلَّفِ حُكمُه مِن جِهةِ التَّسَبُّبِ» كما في (الموافقات) للشاطبي [2/480]
ومعنى القاعدة إجمالًا:
جعل اللهُ تعالى نظام هذا الكون قائمًا على ارتباط الأسباب بمسبَّباتها؛ خيرًا كانت أو شرًا. فمَن أحدث سببًا ترتبت عليه آثاره، فهو مسؤول شرعًا عن تلك النتائج، علم تفاصيلها أو جهلها؛ لأنَّ الشريعة إنما أمرت بما فيه مصلحة ونهت عمَّا فيه مفسدة، ومن باشر السبب فقد التزم تبعة ما تحته من خير أو شر، ولا يُعذر بجهل مقدار ما ينتج عنه.

ومن أدلة هذه القاعدة:
1- من القرآن:
قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: 12]، قال العلامة السعدي رحمه الله في (تفسيره) [ص: 692]: ({إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} أي: نبعثهم بعد موتهم لنجازيهم على الأعمال، {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} من الخير والشر، وهو أعمالهم التي عملوها وباشروها في حال حياتهم، {وَآثَارَهُمْ} وهي آثار الخير وآثار الشر، التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فكل خير عمل به أحد من الناس، بسبب علم العبد وتعليمه ونصحه، أو أمره بالمعروف، أو نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيرا، من صلاة أو زكاة أو صدقة أو إحسان، فاقتدى به غيره، أو عمل مسجدا، أو محلا من المحال التي يرتفق بها الناس، وما أشبه ذلك، ‌فإنها ‌من ‌آثاره ‌التي ‌تكتب ‌له، وكذلك عمل الشر) اهـ.

2- من السُّنَّة:
أ‌- قوله ﷺ: « قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «‌لَيْسَ ‌مِنْ ‌نَفْسٍ ‌تُقْتَلُ ‌ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ:- مِنْ دَمِهَا لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ أَوَّلًا» رواه البخاري في (صحيحه) [9/103 رقم: ٧٣٢١]، قال الكشميري في (فيض الباري على صحيح البخاري ) [6/530 رقم: ٧٣١٩]: (وتلك من سُنَّة الله عز وجل: أن من سَنَّ سُنَّةً لم تَكُنْ من قبل فابتدعها للناس، أنه لا يَزَالُ يَقَعُ على مبدعها كِفْلٌ منها من أجرٍ، أو وزرِ ما دام يَفْعَلُهَا الناسُ) اهـ. قلت: ودلَّ على أن من سنَّ سببًا للشر أُلحق به وزر آثاره، وإن لم يقصد كل صورة تقع بعده.

ب‌- وقوله ﷺ: « ‌مَنْ ‌دَعَا ‌إِلَى ‌هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا .» رواه مسلم في (صحيحه) [8/62 رقم: ٢٦٧٤]، قال القاضي البيضاويُّ: أفعال العباد، وإن لم تكن موجبة للثواب والعقاب، إلا أن عادة الله سبحانه وتعالى جرت بربطها بها ارتباطَ المسبَّبات بالأسباب، وفِعل العبد ما له تأثير في صدوره بوجه، فكما يترتب الثواب والعقاب على ما يباشره يترتب أيضًا على ما هو مسبَّب عن فعله، كالإشارة إليه، والحثِّ عليه، وَلَمَّا كانت الجهة التي استوجب بها المتسبِّب الأجر غير الجهة ‌التي ‌استوجب ‌بها ‌المباشِر، لم ينقص أجره من أجره شيئًا. انتهى من شرح شيخنا العلامة المحدث محمد علي آدم الإتيوبي المسمى بـ (البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج) [41/699].

وخلاصة هذه القاعدة:
أن الشرع يلزم المكلَّف بحقائق الأسباب التي أحدثها، ويوجب عليه تبعاتها، سواء قصد نتائجها أو لم يقصدها؛ لأنها ناشئة عن فعله واختياره. ولهذا كان من أعان على البغي أو الفتنة أو الخروج داخلًا في حكم البغاة من جهة التسبُّب، لأن دعمه سببٌ مباشر في تقوية شوكتهم وترتيب آثار عدوانهم.
وهذه قاعدة عظيمة تُبنى عليها أحكام السياسة الشرعية وسدِّ ذرائع الفتن، لأن المقصود حماية جماعة المسلمين، ومنع انتشار الفتنة، وسدِّ أبواب الفوضى. ولهذا كان (الدعم) في ميزان الشريعة ليس أمرًا سياسيًا مجردًا، بل هو موقف شرعي، قد يكون بابًا إلى فوضى عارمة لا يُطفئ نارها إلا الله.
وما أشدُّ ما قاله العلماء في شأن من يؤجج الفتن أو يعين عليها، ولو بكلمة! فكيف بمن يصنعها دعمًا وتمويلًا وتخطيطًا؟!

إن الدول الإسلامية إذا أرادت أن تحفظ مكانتها، وأن تقوم بما أوجب الله عليها من إقامة الدين وسياسة الدنيا، وجب عليها أن تحترز من كل خطوةٍ تفتح باب الصراع الداخلي بين المسلمين، وأن يكون موقفها موقف الإصلاح، لا الإفساد؛ والبناء، لا الهدم؛ والجمع، لا التفريق.

أما الوقوف مع المتمردين، ودعم الخوارج، والتدخل في شؤون الدول بما يشقُّ عصا الطاعة ويُسقِط الهيبة: فهو من أعظم أبواب الفساد السياسي والشرعي، وهو إعانة على الإثم والعدوان، وإذكاء لنارِ الفتنة؛ ويكفي الأمة ما فيها من هوان وضعف.

وفي الختام:
فإذا ثبت بالدليل القاطع أن دولةً من الدول دعمت متمردين أو خوارج في دولة أخرى، فهي – في الحكم الشرعي – داخلةٌ في باب إعانة البغاة، ومشاركةٌ في تبعات هذا البغي عدوانًا وفتنة.
وإنَّ الواجبَ على وُلاةِ الأمر أن يسلكوا كلَّ سبيلٍ مشروعٍ في ردع هذه الدول المتورِّطة في سفكِ دماءِ المسلمين وإشعالِ الفتن في ديارهم؛ فيرفعوا أمرها إلى المحافل الدولية، ويطرقوا بابَ مجلس الأمن، ويُسمِعوا العالمَ صوتَ المظلومين؛ حتى يُكبَح عدوانُها، ويُوضَع حدٌّ لتجاوزاتها.

وعلى العلماءِ والدُّعاة – في المقابل – أن ينهضوا بواجب البيان، وأن يكشفوا للناس حقيقةَ هذا الاعتداء المستتر، ويعرِّوا أوجهَ الفساد الذي تخلِّفه هذه التدخلات، وأن يُبصِّروا الأمة بخطر الفتن وأثرها؛ فإن الجهلَ بحقيقتها بابٌ واسعٌ لتغلغل أهل الشرِّ وتمكين رعاة البغي من نفوس الناس وعقولهم.
فالفتنةُ إذا اشتعلت نارُها، لم تُبقِ لصاحب عقلٍ رُشدًا، ولا لصاحب حكمةٍ وقارًا؛ تسري في الديار سريان السمِّ في العروق، وتخمدُ الأصواتَ العاقلة، وتخرسُ النصحاءَ والحكماء. ومن هنا كان واجبُ التحذير منها واجبًا مضاعفًا، وعبءُ كبح جماحها أمانةً في أعناق الولاة والعلماء؛ إذ هم حصنُ الأمة، وسياجُها، ومن إليهم – بعد الله – تُرفع الأبصار عند كل نازلةٍ وحادثة.
نسأل الله أن يحفظ بلاد المسلمين من الفتن، وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأن يقيهم شرَّ المفسدين وأهل الأهواء.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي – عفا الله عنه –
الإسكندرية - حرسها الله وسائر بلاد المسلمين –
ليلة الجمعة: 30 / جمادى الأولى / 1447 هـ.

مواد ذات صلة