الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

الحق يعلو ولا يُعلى عليه

٣ جمادى الأولى ١٤٤٧ هـ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٥
المقالاتولاة الأمر والسمع والطاعةالرقائق والآداب
مقال الأسبوع:

(الحق يعلو ولا يُعلى عليه)
ردٌّ على الدكتور محمود بن عبد الرازق الرضواني– هداه الله – وتكفيره لولاة أمر المملكة وطعنه في سماحة المفتي الشيخ الإمام صالح بن فوزان بن عبدالله الفوزان حفظه الله:

الحمد لله الذي رفع منار العلم، وأطفأ بضيائه ظلمة الجهل، وجعل العلماء حُرَّاسَ الدين وحُماةَ الملة، والصلاة والسلام على من قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا! ‌وَيَعْرِفْ ‌لِعَالِمِنَا ‌حَقَّهُ» رواه أحمد وغيره وحسنه الألباني في (صحيح الجامع) [رقم: 5443].

أما بعد:
لقد فُجِعَت الأسماع، واهتزَّت القلوبُ أسىً حين تفوَّه محمود الرضواني بكلماتٍ يترفع عنها الجُهَّال فضلًا عمَّن انتسب إلى العلم وكان دكتوراً فيه؛ إذ تطاول على ولاة أمرٍ مسلمين، ورماهم بالكفر والإلحاد، ثم تجاوز الحدَّ وتعدَّى الطورَ فطعن في إمامٍ من أئمة الهدى، وعَلَمٍ من أعلام الملَّة، سماحة المفتي الشيخ العلامة الإمام صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله، فأنَّى لِلأقزام أن يبلغوا رؤوسَ الجبال؟!

أولًا: بلاءُ الرضواني وغرورُ اللسان:
يا دكتور محمود، لقد أوغلتَ في التِّيه حتى حسبتَ الغلوَّ غَيرةً، والجهلَ بصيرةً، والتهوُّرَ شجاعةً!
نَفَخَتُك الأضواءُ حتى خُيِّل إليك أنك رافعٌ لواء الدين، وما رفعتَ إلا رايةَ الفتنة والتمزيق.
أزعجتك مكانةُ العلماء، فرفعتَ عقيرتك نباحًا عليهم، وغاظك تمكينُ ولاةِ الأمر، فنصبتَ نفسك خصمًا وحكمًا، كأنك الوارثُ الوحيدُ لشريعة السماء، والمفوَّضُ بفصل الخلق إلى مؤمنٍ وكافرٍ بلسانك الأعوج وسوء فهمك!
تتكلَّم عن الكفر ولسانُك أولى بالاستتابة، وتخوض في عقائد الرجال وقلبُك لم يتطهَّر من دخن العُجب ورياء الشهرة وحقدٍ دفينٍ يوشك أن يرديك. ولو أنك قرأت في سِيَرِ الأئمة الربانيين، لعلمتَ أن النور لا يشرق من قلبٍ مظلم، ولا يخرج الحقُّ من فمٍ مفعمٍ بالغرور، وأن من اسودَّ باطنُه لا يُثمر لسانُه إلا شوكًا ومراءً.
إنك تتزيَّا بزيِّ النُّصح، وفي طيَّات كلماتك سمُّ الفُرقة والازدراء؛ وما خرجتَ اليوم بقولك هذا إلا لتستدرَّ أنظار الناس إليك بعدما انفضُّوا عنك وملُّوا تكرارك، فصرتَ تتسوَّل الأضواء ولو باللَّعنات، وتبتغي الذكر ولو على أنقاض العلماء وولاة الأمر. لقد خَبَتْ نارُ شهرتك، فأردتَ أن تُشعلها بفتيل الفتنة، فما أتعسَ من باع دينه ليشتري به دقائق بثٍّ زائلة! أو إعجاباتٍ زائفة!
وهل بعد هذا من خُسرانٍ أفدح؟! رجلٌ يبيعُ دينه بثمن البهرجة، ويشتري تصفيق الجُهَّال، ويُلب حماس الشباب الأهوج التائه، بتكفير الحكام وهتك حُرمة العلماء = ليقتات من رماد الشهرة، ويستعيد بريقًا زائفًا في دنيا زائلةٍ لا تزن عند الله جناح بعوضة!
يا هذا، أما تخجل أن ترفع إصبع الاتهام إلى من علَّمك معنى التوحيد وبيَّن لك طريق السلف؟ أما استحييت من نفسك حين رميت إمامًا من أئمة الهدى بأنه يداهن في دين الله ويمرِّر الكفر؟
أجهلتَ – يا هذا – أنَّ الشيخَ الإمامَ الفوزانَ حفظه الله قد وقفَ دهورًا في وجه البدع، وأطفأ بفقهه فتنًا ماجت بها الأمة؟! فمن أنت حتى تُحاكمَ الجبال، وتُنازعَ الأئمةَ في مقامهم؟! اهدأ، واغسل قلبك من درن الحقد والغِلِّ، فإن النارَ التي تُوقِدها ستأكلك قبل غيرك، ولسانك الذي رميتَ به الأكابرَ سيُخاصمك يومَ تُبلى السرائر، وتُكشفُ الضمائر.
ثانيًا: في الدفاع عن الإمام الجبل:
أما شيخُنا سماحةُ المفتي العلَّامةُ الإمامُ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله، فحسبُه أنه ثبت على السُّنَّة يوم اضطربتِ الموازين، وصدع بالحق حين خنستِ الألسن، فكان جبلًا لا تزعزعه الأعاصير، ومنارًا يهتدي به الحائرون.
عرفه العلماء والطلبةُ في مشارق الأرض ومغاربها إمامًا في العلم، صادقَ اللهجة، صلبَ الموقف، لا تأخذه في الله لومةُ لائم، ولا يلتفت إلى زخرفٍ أو جاهٍ زائل.
لسانه لا ينطق إلا بالحق، وقلبُه معلَّقٌ بالتوحيد، يقرِّرُه في كل مقام، ويدعو إليه في كل محفل، ويردُّ عن حياض الدين تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين.
فما لانَ لحاكمٍ، ولا داهنَ لمخلوقٍ، وإنما كان ناصحًا أمينًا، قامعًا للبدع، حارسًا لعقيدة الإسلام من عبث المارقين، ومفزعًا للسُّنَّة عند الفتن، متينَ العزيمة، صافيَ المنهج، يُذكِّرُ الناس بالله في زمن الغفلة، ويُقيمُ الحجةَ بالعلم في وجه الباطل مهما اشتدَّت عواصفه.
كم أطفأ الله على يديه من فتنٍ ماجت بالأمة، وكم أنقذ بعلمه عقولًا كادت أن تغرق في مستنقع الأهواء، فكان بحقٍّ وريثَ منهج النبوة، ورايةً خفَّاقةً للسلفية في هذا العصر.
فأيُّ عقلٍ راشدٍ أو قلبٍ سليمٍ يصدِّق أن من أفنى عمره في الذبِّ عن التوحيد، وكشفِ أوكار الشرك والبدع، سيكون جسرًا يمرِّرُ الكفر؟!
كلا والله! ولكنها العماية حين تُلبس الغيرةَ مسوحَ الغلِّ والحقد، فينقلب صاحبها على أولياء الله!
هيهات هيهات! ما هذا إلا بهتانٌ مبين، ونَفَسُ حاقدٍ على المنهج السلفي، ناقمٍ على أئمة الهدى، ضاق صدرُه بثباتهم، فأطلق لسانه افتياتًا على الله وافتراءً على أوليائه.
فدونك الفوزان، فإنك لن تبلغَ غباره، ولا تدركَ مداه، هو إمامٌ في علمه، عابدٌ في خلوته، ناصحٌ لأمته، لا تضرُّه سهامُ حاسدٍ ولا صياحُ مغرورٍ؛ لأن الله رفع أهل العلم وهو رأس فيه، وألقى له القبول في الأرض، نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدا.
ثالثًا: الرضواني… من منبر البصيرة إلى غياهب الفتنة:
يا دكتور محمود، كانت لك قناةٌ تُسمَّى البصيرة، فغدت – ويا للأسف – منبرًا للعمى والافتراء، لا يُرى من نورها إلا حروفُ الاسم، كقنديلٍ أُطفئ زيته وبقي شكله!
فمن ميدان الدعوة إلى التوحيد، انحدرتَ إلى وحل التشغيب والتأليب، ومن نصرة السُّنَّة صرتَ سوطًا يلهب ظهورَ أهلها، ولسانًا يلوك أعراضَ علمائها.
تبدَّلتَ كما تتبدَّل العواصف، وتقلبت كما تموج الأمواج، لا يثبت لك أصلٌ ولا قرار، كلُّ يومٍ لك وجهٌ، ولكل وجهٍ قناع!
لقد غلبك الهوى حتى صار دليلك، وأعماك الغرورُ حتى ظننتَ أن الصياح علمٌ، وأن الطعنَ في الأكابر شجاعة!
فيا ليتك علمتَ أن البصيرة لا تُنال بالصوت المرتفع، بل بالقلب الخاشع، ولا تُستمدُّ من ضجيج المنابر، بل من صفاء المنهج ونقاء السريرة.
إنَّ الأمة اليوم أحوج إلى من يُطفئ نار الفتنة، لا إلى من يُذكيها، وإلى من يجمع الصفَّ على العلم والهدى، لا من يفرِّق الناس بتصنيفاتٍ رعناء، يطعن بها في أئمة الإسلام؛ فحسبُك ما أفسدتَه من عقول الشباب، وما بدَّدتَه من هيبة العلم وأهله.

رابعًا: في الثناء على ولاة أمر هذه البلاد المباركة:
أما ما تفوَّه به الرضواني من رمي ولاة أمر المملكة بالكفر والإلحاد، فذلك قولٌ لا يصدر إلا عن قلبٍ أعمى، وجهلٍ مطبقٍ، وغيٍّ قد ران عليه الهوى، فإنَّ المنصف إذا نظر بعين الحق لا بعين الحقد، علم يقينًا أنَّ آل سعود – ملوكًا وأمراء – هم حصنُ الإسلام الحصين، وحماةُ التوحيد والسنة، وخُدَّامُ الحرمين الشريفين.
بأيديهم رُفعت راية العقيدة نقيةً صافيةً، وبسياستهم استقام ميزانُ الأمن والعدل، وعلى أكتافهم قام منبرُ الدعوة السلفية شامخًا يُسمع صوته في الآفاق.
هم الذين عمَّروا المساجد، وطبعوا كتبَ أهل العلم، ونصروا العلماء، وأكرموا الدعاة، وجعلوا من مؤسسات دولتهم درعًا واقيةً للعقيدة من عبث المبتدعين وإلحاد المفسدين؛ فهم بعدلهم وأمانتهم صاروا ملاذًا للمستضعفين، ونصيرًا لقضايا المسلمين، وسيفًا مسلولًا في وجه من أراد بالإسلام وأهله سوءًا.

ورحم الله شيخ الإسلام ابن باز رحمة واسعة حيث قال: (السعودية أفضل دَولَةٍ سلفيَّة من ألف سنة، لا يُوجد دولة بعد القرون المفضلة نشرت التوحيد والعقيدة السلفية أفضل من السعودية، السعودية بلاد الحرمين ومأرز التوحيد، ومنطلق الدعوة السلفية، العداء للدولة السعودية عداء للدين) كما في (مجموع الفتاوى) [١ /٣٨٠].

وإن كنت – أيها الرضواني – تراهم بعينك المريضة ونظارتك السوداء العمياء، وترميهم بالكفر لأجل ما يقع في بعض المهرجانات من منكراتٍ ومعاصٍ، فاعلم أن تلك ذنوبٌ لا يخلو منها بلدٌ ولا زمان، وهي لا تخرِج فاعلَها من الإسلام، فضلًا عن أن تُكفِّر بها حاكمًا مسلمًا يُقيم الدين ويحكم بالشرع ويذبُّ عن التوحيد!
فهَبْ أنَّ في «مهرجان الرياض» من المعاصي والآثام ما يُستنكر ويُستقبح، أفتكفِّرُ بالمعاصي كالخوارج؟!
الله أكبر! لقد أبنتَ عن اعتقادك، وكشفتَ سترَ منهجك، فإذا بك خارجيٌّ جلد، يكسو غلوَّه بثوب الغيرة، ويُخفي سُمَّه في وعظٍ مسمومٍ يُقطِّع أوصال الأمة!
ما أبينَ سفهك، إذ جعلتَ من الزلات كُفرًا، ومن المَعاصي نِفاقًا، ومن النُّصح طعنًا، ومن الغيرة على الدين مطيَّةً للطعن في ولاة الأمر والعلماء العاملين! فأيُّ إنصافٍ بقي بعد هذا؟! وأيُّ بصيرةٍ لمن يعمى عن هذا النور الساطع؟!
إنها والله دولةٌ قامت على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وولاةُ أمرٍ شُهد لهم بحبِّ العلماء، والذبِّ عن الدين، ونصرةِ الشريعة، فخاب من رماهم بالكفر، وضلَّ من ناوأهم بعد أن ظهرت حجتهم كالشمس في رابعة النهار.

خامسًا: وأخيرًا:
يا دكتور محمود، إن عدتَ إلى رشدك وتبتَ إلى ربك، فباب التوبة مفتوح، وربُّك واسع المغفرة، لا يُغلق بوجه من أناب، ولا يردُّ من رجع بقلبٍ صادقٍ نادمٍ خاشع.
لكن إن مضيتَ في غيِّك، وجعلتَ لسانك سيفًا على العلماء وولاة الأمر، فاعلم أن للسلفيين عِزَّةً لا تُنال، ووفاءً لا يُشترى؛ لا يبيعون علماءهم، ولا يسكتون على من ينال من أئمتهم الذين هم مناراتُ الهدى وحصونُ العقيدة.
العلماءُ عندنا تيجانُ الأمة، وذُخرُها في الملمات، من رفع فيهم صوته أخرسه الله، ومن تطاول على تاجهم قصمته سننُ الله في الطغاة وأهل الافتراء، فإنَّ لحوم العلماء مسمومة، وسُننَ الله فيمن نال منهم معلومة، (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، ‌وَاللَّهُ ‌وَلِيُّ ‌الْمُتَّقِينَ) [الجاثية: 16].
واعلم أن الحقَّ لا تكسِره الألسن، ولا يطفئ نوره عواءُ المتهورين، وأن سهامك التي رميتَ بها الأكابر ستعود إلى نحرك، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43].
نسأل الله أن يردَّك إلى سواء السبيل، وأن يحفظ بلاد الحرمين وولاة أمرها وعلماءها من كيد الكائدين وغلوِّ الغالين، وأن يبقيها منارةَ التوحيد ومهوى أفئدة الموحدين.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيراً
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري – عفا الله عنه –
الثغر السكندري – حرسه الله – من الديار المصرية – حفظها الله من كل سوء وسائر بلاد المسلمين – اللهم آمين.
السبت: 3 / جمادى الأولى / 1447 هـ.

مواد ذات صلة