المحبة في الله.. أنس الأرواح وبهجة القلوب
(المحبة في الله.. أنس الأرواح وبهجة القلوب)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فما أجمل أن تتصافح الأرواح قبل الأيدي، وأن تتآلف القلوب قبل أن تتلاقى الأجساد!
فالمحبة في الله ليست عاطفةً عابرة، ولا صحبةَ مصلحةٍ زائلة، بل هي سموٌّ روحيٌّ يُشرق في القلب بنور الإيمان، فتتآخى الأرواح على طاعة الله، وتلتقي القلوب على مرضاته.
والمتحابون في الله قومٌ طهَّرت محبتهم من شوائب الدنيا، فلا يجمعهم نسبٌ ولا مال، ولا مصلحةٌ ولا جاه، وإنما يجمعهم رباط العقيدة وقوة الإيمان، يتواصون بالحق، ويتناصحون بالرحمة، ويعذر بعضهم بعضًا، ويغفر أحدهم للآخر كما يحب أن يُغفر له.
وقد قال النبي ﷺ: «قال اللهُ عزَّ وجلَّ المتحابُّونَ في جلالي لهم منابرُ من نورٍ يَغبِطُهم النَّبيونَ والشُّهداءُ» رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني في (صحيح الترغيب والترهيب) [رقم: ٣٠١٩].
فما أعظمها منزلةً، وما أكرمها صحبة!
بالأمس، سعدتُ بلقاءٍ لا يُنسى، فيه من أنس الإيمان ما يُبهج القلب، ومن دفء الإخوة ما يُنسي التعب والهمّ.
لبّيتُ الدعوة الكريمة من أخي وصديقي فضيلة الشيخ سمير بن سعيد القاهري – حفظه الله – فكان اللقاء به لقاءَ ودٍّ ووفاء، ووصلاً بعد شوق، وعلماً بعد انتظار.
وما إن وطئتُ رحاب بيته العامر، حتى استقبلنا الشيخ بوجهٍ مشرقٍ بالبِشر، ولسانٍ يقطر ترحيبًا، وقلبٍ يفيض مودةً وسخاءً.
أكرم الوفادة، وأحسن الاستقبال، حتى شعرنا أن قلوبنا دخلت بيته قبل أقدامنا.
لقد جمع بين كرم الضيافة وحفاوة اللقاء، كأنه يترجم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه».
فكان مجلسه عامرًا بالبِشر والبِرّ، تُظلُّه السكينة، وتُعطره أنفاس الإيمان.
وكانت الجلسة زاخرةً بوجوهٍ مشرقةٍ من خيرة مشايخ مصر، تتلألأ بالسكينة وتفيض بالرحمة:
فضيلة الشيخ شهاب الدين بن حسن بن عبد الوهاب البنا، وفضيلة الشيخ مجدي الشحري، وفضيلة الشيخ محمود بن عبد الله المصري، وفضيلة الشيخ محمد بن سعيد القاهري، وأخويَّ الفاضلين الشيخ ياسر حجازي والشيخ كمال علم – حفظهم الله جميعًا –.
كان مجلسًا يجمع بين العلم والأدب، والمزاح الرقيق والجدّ الرصين، يبتسم فيه العلمُ كما تبتسمُ الورود، وتتهامس فيه القلوب بذكر الله، حتى شعرنا كأننا في روضةٍ من رياض الجنة.
تدارسنا فيه مسائل العلم، وتذاكرنا أحوال الدعوة، وتصافحت فيه القلوب قبل الأيدي، ولا غرابة فبيننا صِلَةَ رحمٍ من النور والهدى، يشدّ أحدُنا إلى الآخر بحبلٍ من المودّة الصادقة.
وما إن انقضى المجلس حتى أضافنا أخونا الفاضل الشيخ ياسر حجازي – جزاه الله خيرًا – بدعوةٍ رقيقةٍ تفيض كرمًا وأخوةً، إلى جلسةٍ لطيفةٍ في مقهى الطالب الذي يملكه، وهناك اجتمعنا على فنجان قهوةٍ تعبق رائحته بالمودّة، وتُقدَّم معه كعكةٌ لذيذةٌ تُغري الذائق وتُبهج القلب.
كانت لحظاتٍ من البساطة الراقية والأنس الصادق، اختلط فيها طيب القهوة بعطر الأخوة، حتى شعرنا أن تلك الجلسة تتمّةٌ لحديث المحبة الأول، وكأنها توقيعٌ جميلٌ على صفحةٍ من الوفاء وجمالُ التزاور في الله.
وحقاً...
إن التزاور في الله دواءٌ للقلوب المتعبة، وتطهيرٌ للنفوس من غبار الغفلة.
حين تزور أخاك في الله لا تسعى لمصلحةٍ، ولا تطلب جزاءً، بل تذهب لأن قلبك لا يأنس إلا بالقرب من أهل الإيمان، ولا يطمئن إلا في مجالس الذكر والصفاء.
وكما قال الحبيب ﷺ قولًا يُكتب بماءِ الذهب: «زارَ رجُلٌ أخًا لَهُ في قريَةٍ فأرْصَدَ اللهُ لَهُ ملَكًا علَى مَدْرَجَتِه ، فقال : أينَ تُرِيدُ ؟ قال : أخًا لِي في هذِهِ القرْيَةِ ، فقال : هل لَّهُ عليكَ مِنْ نعمةٍ ترُبُّها ؟ قال : لَا ؛ إلَّا أنِّي أُحِبُّه فِي اللهِ ، قال : فإِنَّي رسولُ اللهِ إليكَ أنَّ اللهَ أحبَّكَ كمَا أَحْبَبْتَهُ». متفق عليه
فيا لها من منزلةٍ عاليةٍ! أن يحبك الله لأنك أحببت عبدًا من عباده فيه!
وهل بعد هذا الشرفِ شرف؟ وهل بعد هذا الفضلِ كرامة؟!
ولقد خرجتُ من ذلك اللقاء وقلبي يفيض سرورًا، ولساني يلهج بالحمد، أن جمع الله بيننا على طاعته، وألَّف بين قلوبنا بمحبتِه.
فما أجمل الصحبةَ في الله! وما أطيب المجالسَ التي يُذكر فيها الله، ويُرفع فيها العلم، وتُروى فيها القلوب بماءِ المودّة.
اللهم اجعلنا من المتحابين فيك، والمتزاورين فيك، والمتجالسين على ذكرك،
واجمعنا يوم القيامة في ظلِّ عرشك، كما جمعتنا في الدنيا على طاعتك ورضاك.
والحمد لله رب العالمين
وكتب أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي
ليلة الاثنين: ١٩ / جمادى الأولى / ١٤٤٧ هجرية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فما أجمل أن تتصافح الأرواح قبل الأيدي، وأن تتآلف القلوب قبل أن تتلاقى الأجساد!
فالمحبة في الله ليست عاطفةً عابرة، ولا صحبةَ مصلحةٍ زائلة، بل هي سموٌّ روحيٌّ يُشرق في القلب بنور الإيمان، فتتآخى الأرواح على طاعة الله، وتلتقي القلوب على مرضاته.
والمتحابون في الله قومٌ طهَّرت محبتهم من شوائب الدنيا، فلا يجمعهم نسبٌ ولا مال، ولا مصلحةٌ ولا جاه، وإنما يجمعهم رباط العقيدة وقوة الإيمان، يتواصون بالحق، ويتناصحون بالرحمة، ويعذر بعضهم بعضًا، ويغفر أحدهم للآخر كما يحب أن يُغفر له.
وقد قال النبي ﷺ: «قال اللهُ عزَّ وجلَّ المتحابُّونَ في جلالي لهم منابرُ من نورٍ يَغبِطُهم النَّبيونَ والشُّهداءُ» رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني في (صحيح الترغيب والترهيب) [رقم: ٣٠١٩].
فما أعظمها منزلةً، وما أكرمها صحبة!
بالأمس، سعدتُ بلقاءٍ لا يُنسى، فيه من أنس الإيمان ما يُبهج القلب، ومن دفء الإخوة ما يُنسي التعب والهمّ.
لبّيتُ الدعوة الكريمة من أخي وصديقي فضيلة الشيخ سمير بن سعيد القاهري – حفظه الله – فكان اللقاء به لقاءَ ودٍّ ووفاء، ووصلاً بعد شوق، وعلماً بعد انتظار.
وما إن وطئتُ رحاب بيته العامر، حتى استقبلنا الشيخ بوجهٍ مشرقٍ بالبِشر، ولسانٍ يقطر ترحيبًا، وقلبٍ يفيض مودةً وسخاءً.
أكرم الوفادة، وأحسن الاستقبال، حتى شعرنا أن قلوبنا دخلت بيته قبل أقدامنا.
لقد جمع بين كرم الضيافة وحفاوة اللقاء، كأنه يترجم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه».
فكان مجلسه عامرًا بالبِشر والبِرّ، تُظلُّه السكينة، وتُعطره أنفاس الإيمان.
وكانت الجلسة زاخرةً بوجوهٍ مشرقةٍ من خيرة مشايخ مصر، تتلألأ بالسكينة وتفيض بالرحمة:
فضيلة الشيخ شهاب الدين بن حسن بن عبد الوهاب البنا، وفضيلة الشيخ مجدي الشحري، وفضيلة الشيخ محمود بن عبد الله المصري، وفضيلة الشيخ محمد بن سعيد القاهري، وأخويَّ الفاضلين الشيخ ياسر حجازي والشيخ كمال علم – حفظهم الله جميعًا –.
كان مجلسًا يجمع بين العلم والأدب، والمزاح الرقيق والجدّ الرصين، يبتسم فيه العلمُ كما تبتسمُ الورود، وتتهامس فيه القلوب بذكر الله، حتى شعرنا كأننا في روضةٍ من رياض الجنة.
تدارسنا فيه مسائل العلم، وتذاكرنا أحوال الدعوة، وتصافحت فيه القلوب قبل الأيدي، ولا غرابة فبيننا صِلَةَ رحمٍ من النور والهدى، يشدّ أحدُنا إلى الآخر بحبلٍ من المودّة الصادقة.
وما إن انقضى المجلس حتى أضافنا أخونا الفاضل الشيخ ياسر حجازي – جزاه الله خيرًا – بدعوةٍ رقيقةٍ تفيض كرمًا وأخوةً، إلى جلسةٍ لطيفةٍ في مقهى الطالب الذي يملكه، وهناك اجتمعنا على فنجان قهوةٍ تعبق رائحته بالمودّة، وتُقدَّم معه كعكةٌ لذيذةٌ تُغري الذائق وتُبهج القلب.
كانت لحظاتٍ من البساطة الراقية والأنس الصادق، اختلط فيها طيب القهوة بعطر الأخوة، حتى شعرنا أن تلك الجلسة تتمّةٌ لحديث المحبة الأول، وكأنها توقيعٌ جميلٌ على صفحةٍ من الوفاء وجمالُ التزاور في الله.
وحقاً...
إن التزاور في الله دواءٌ للقلوب المتعبة، وتطهيرٌ للنفوس من غبار الغفلة.
حين تزور أخاك في الله لا تسعى لمصلحةٍ، ولا تطلب جزاءً، بل تذهب لأن قلبك لا يأنس إلا بالقرب من أهل الإيمان، ولا يطمئن إلا في مجالس الذكر والصفاء.
وكما قال الحبيب ﷺ قولًا يُكتب بماءِ الذهب: «زارَ رجُلٌ أخًا لَهُ في قريَةٍ فأرْصَدَ اللهُ لَهُ ملَكًا علَى مَدْرَجَتِه ، فقال : أينَ تُرِيدُ ؟ قال : أخًا لِي في هذِهِ القرْيَةِ ، فقال : هل لَّهُ عليكَ مِنْ نعمةٍ ترُبُّها ؟ قال : لَا ؛ إلَّا أنِّي أُحِبُّه فِي اللهِ ، قال : فإِنَّي رسولُ اللهِ إليكَ أنَّ اللهَ أحبَّكَ كمَا أَحْبَبْتَهُ». متفق عليه
فيا لها من منزلةٍ عاليةٍ! أن يحبك الله لأنك أحببت عبدًا من عباده فيه!
وهل بعد هذا الشرفِ شرف؟ وهل بعد هذا الفضلِ كرامة؟!
ولقد خرجتُ من ذلك اللقاء وقلبي يفيض سرورًا، ولساني يلهج بالحمد، أن جمع الله بيننا على طاعته، وألَّف بين قلوبنا بمحبتِه.
فما أجمل الصحبةَ في الله! وما أطيب المجالسَ التي يُذكر فيها الله، ويُرفع فيها العلم، وتُروى فيها القلوب بماءِ المودّة.
اللهم اجعلنا من المتحابين فيك، والمتزاورين فيك، والمتجالسين على ذكرك،
واجمعنا يوم القيامة في ظلِّ عرشك، كما جمعتنا في الدنيا على طاعتك ورضاك.
والحمد لله رب العالمين
وكتب أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي
ليلة الاثنين: ١٩ / جمادى الأولى / ١٤٤٧ هجرية
