الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

السؤال: مئتان وثمانية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

١٢ جمادى الأولى ١٤٤٧ هـ٣ نوفمبر ٢٠٢٥
الفتاوىالسودانالنوازل والأحداثليبياالرقائق والآداب
السؤال: مئتان وثمانية:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا لدي سؤال أنا سوداني مقيم في ليبيا مع أمي و أبي و إخوتي هل أرجع للسودان لمقاتلة الدعم السريع مع الجيش أو أبقى هنا. وبارك الله فيك.
الحمد لله:
الجهاد نوعان:
1- جهاد طلبٍ، وهو فرض كفاية.
2- وجهاد دفعٍ، وهو فرض عينٍ عند هجوم العدو، أو استنفار الإمام.
ومفهوم الاستنفار: هو النداء العام الذي يخرِج الأمة إلى نِفرةٍ جامعةٍ أو هو ظهور سببٍ عامٍ يجعل دفع العدو فرضًا على الكافة (مثل دخول العدو البلد، استيلاؤه على ديار المسلمين، أو نداء الإمام/السلطة الشرعية).
وقد نصَّ العلماء على أنَّه إذا نزل العدو ببلاد المسلمين، أو استنفر الإمام الناس، صار الجهاد حينئذٍ فرضَ عينٍ على كل قادرٍ، لا يُستأذن فيه الوالدان.
قال الله تعالى: (إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبكُم عَذَابًا أَلِيمًا وَيَستَبدِل قَومًا غَيرَكُم) التوبة: 39]، ثم قال: (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَموَالِكُم وَأَنفُسِكُم فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [التوبة: 41].
فهاتان الآيتان نزلتا في غزوة تبوك حين استنفر النبي صلى الله عليه وسلم الناس كلهم، فكان النفير عامًّا. قال ابن كثير رحمه الله في (تفسيره) [4/295]: ‌(أمر ‌الله ‌تعالى ‌بالنفير ‌العام ‌مع ‌رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب، وحتَّم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال في المنشط والمكره والعسر واليسر فقال: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا).
وقال علي بن زيد، عن أنس، عن أبي طلحة: كهولًا وشبابًا ما سمع الله عذر أحد ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قتل. وفي رواية قرأ أبو طلحة سورة براءة فأتى على هذه الآية (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخًا وشبانًا جهزوني يا بني، فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فأبى فركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد تسعة أيام فلم يتغير فدفنوه فيها) انتهى.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا استُنفرتم فانفروا» (متفق عليه)، وشرح شيخنا الإمام ابن عثيمين رحمه الله هذا الحديث فقال: (يعني: إذا استنفركم ولي أمركم للجهاد في سبيل الله، فانفروا وجوباً، وحينئذ ‌يكون ‌الجهاد ‌فرض عين، إذا استنفر الناس للجهاد؛ وجب عليهم أن ينفروا، وألا يتخلف أحد إلا من عذره، لقول الله تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئا) (التوبة: من الآية38/39) ، وهذا أحد المواضع التي يكون فيها الجهاد فرض عين) انتهى من (شرح رياض الصالحين) [1/32].
لكن تحقيق مناط النفير هنا أمر يرجع إلى ولي الأمر الشرعي في السودان، وهو الجيش النظامي بقيادة الدولة، لا إلى الأفراد أو الجماعات.
فإن أعلن الإمام أو من يقوم مقامه النفير العام ضد الخوارج البغاة (الدعم السريع)، وجب النفير على أهل السودان القادرين.

وهل يستأذن الوالدان وقت النفير:
الأصل أنَّ الخروج للجهاد لا يكون إلا بإذن الوالدين في جهاد التطوع أو فرض الكفاية، كما دلَّ عليه حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: قَالَ: « جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: ‌فَفِيهِمَا ‌فَجَاهِدْ ». متفق عليه.
أمَّا إذا وقع النفير العام أو نزل العدو ببلاد المسلمين أو استنفر الإمام، فحينئذٍ يتعيَّن الجهاد على كلِّ قادرٍ، ولا يُشترط إذن الوالدين، لأن هذا من جهاد الدفع الذي يتقدم على حقِّ الأبوين.
قال ابن المنذر: (قوله: (فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ) ذلك ‌مَا ‌لم ‌يقع ‌النفير، فإذا وقع النفير فليس لأحد أن يتخلف) اهـ (الإقناع) [2/450 رقم: 150].
وقال البغوي: (هَذَا ‌فِي ‌جِهَادِ ‌التَّطَوُّعِ لَا يَخْرُجُ إِلا بِإِذْنِ الأَبَوَيْنِ إِذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْجِهَادُ فَرْضًا مُتَعَيِّنًا، فَلا حَاجَةَ إِلَى إِذْنِهِمَا، وَإِنْ مَنَعَاهُ عَصَاهُمَا وَخَرَجَ). في (شرح السنة) [10/378 رقم: ٢٦٣٩].
وقال النووي: (هَذَا ‌كُلُّهُ ‌إِذَا ‌لَمْ ‌يَحْضُرَ ‌الصَّفَّ ‌وَيَتَعَيَّنِ ‌الْقِتَالَ وَإِلَّا فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ بِغَيْرِ إِذْنٍ) اهـ . (شرح صحيح مسلم) [16/104].

وأما من كان خارج البلاد – مثلك – فلا يجب عليه النفير بعينه إلا إذا استُنفر شخصيًا أو كان له قدرة مميزة يحتاجها الجيش، ويُستأذن في ذلك من ولي أمره الشرعي، فإن أذن فذاك، وإلا فله أجر النية والولاء والنصرة بما يستطيع.
فمن كان مقيماً مع والديه وأهله في بلدٍ آخر، وتترتب على خروجه مفسدة أو ضرر عليهم، أو لم يُستنفَر بعينه، فبقاؤه معهم مع نصرة الجيش بالدعاء، والتأييد، والبيان، والمال إن أمكن، هو الواجب في حقه الآن.

الخلاصة:
إذا أعلن ولي أمر (القائد الأعلى للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان) النفير العام لقتال البغاة والخوارج الذين اعتدوا على البلاد والعباد، وجب على كل قادرٍ أن يشارك بما يستطيع من نفسٍ أو مالٍ أو رأيٍ أو إعلامٍ، ما لم يكن له عذر شرعي معتبر.
أما من كان يقيم في بلدٍ آخر (كليبيا)، ولم يُستنفَر بعينه = فالأصل أن يبقى حيث هو، وأن ينصر إخوانه بالدعاء، والدعم، والبيان، ونشر الحق، حتى يتبيَّن له وجوب النفير بعينه.
فالواجب اليوم نصرة الجيش الشرعي ضد الخوارج البغاة كلٌ على قدر الاستطاعة، تحت راية الإمام، ومن كان قادرا على الجهاد وقت استنفار الإمام ولم يخرج معه فهو واقع في السبع الموبقات كما في الحديث «اجتَنِبوا السَّبْعَ المُوبِقـاتِ» قالوا: «يا رسولَ اللهِ، وما هنّ؟» قال: «الشِّرْكُ باللهِ، والسِّحرُ، وقتلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إلاّ بالحقِّ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليَتيمِ، والتَّوَلِّي يومَ الزَّحْفِ، وقذفُ المُحصَناتِ المُؤمِناتِ الغافِلاتِ». فقال: (والتَّوَلِّي يومَ الزَّحْفِ) والله أعلم.

من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)

مواد ذات صلة