الحلقة الثالثة: من (سلسلة التربية والأخلاق السلفية)
الحلقة الثالثة: من (سلسلة التربية والأخلاق السلفية)
النقرة الثانية: (نقرة هَتْكِ السِّتْر):
يا لَلعارِ في زمنٍ صارت فيهِ الأستارُ أضغاثَ حروفٍ تُنقَرُ نقراً، وتُسفَكُ بها الأعراضُ كما تُسفَكُ الدماءُ في الميدان!
نقرةٌ واحدةٌ، تخرج من إصبعٍ لا يخشع، كفيلةٌ أن تُريق ماء وجهِ مسلمٍ كان بالأمس يُذكَر بخير، وأن تُبذر الفتنةَ في مجالسٍ كانت عامرةً بالألفةِ والسكينة.
ما أسرعَ ما تحوَّلت (الستائرُ) التي كانت تَحجُبُ العورات إلى (شاشاتٍ) تُعرَضُ عليها الفضيحةُ في بثٍّ مباشرٍ، وتُصفَّقُ لها الجموعُ في نشوةٍ مريضةٍ لا تعرفُ من الحياءِ إلا اسمه!
أيُّ داءٍ عضالٍ أصابَ القلوبَ حتى غدت تتلذَّذُ بهتكِ السِّتر كما تتلذذُ الأفاعي بسُمِّها؟
وأيُّ خُبثٍ هذا الذي جعلَ العيونَ تستعذبُ منظرَ العثرة، وتَفرحُ بالزلَّة، وتُشيعُها في الآفاق كأنها فتحٌ مبين؟
لقد نَسُوا قولَ نبيِّهم ﷺ: «يا مَعْشَرَ مَن آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ» رواه أحمد وأبو داود وغيرهما وصححه الألباني في (صحيح الجامع) [2/1322 رقم: 7984].
أين ذهبتْ أنفاسُ السترِ التي كانت تملأ صدورَ المؤمنين وقارًا؟ وأين تلكَ المروءةُ التي كانت تجعلُ العربيَّ الحرَّ يستحيي أن يُقالَ عنه: فَضَحَ أخاه ولو كان له عليه ألفُ مأخذٍ ومأتم؟
إنه زمنُ (النَّقْرات) التي تُهلكُ صاحبَها، وتَستدرجُهُ إلى كتابةِ سطرٍ يُغضِبُ ربَّه، وسطرٍ آخرَ يُشقيهِ في قبره، وسطرٍ ثالثٍ يُطفئُ نورَه بين الخلائق يومَ تُعرضُ الكتب.
كأنَّ القومَ نسُوا أنَّ الكلمةَ إذا انطلقتْ من غيرِ ورعٍ صارتْ سَهمًا مسمومًا لا يُخطئُ قلبًا ، وأنَّ سترَ المؤمنِ أحبُّ إلى الرحمنِ من إنفاق الذهب والفضة.
فيا ويحَ من جعلَ قلمهُ خنجرًا، ولسانهُ قاذفةً، وإعجابهُ وقودًا لنارِ الفضائح، ثم يزعمُ أنه (داعية خير)!
ألا فاعلموا أنَّ السِّترَ حِرزُ الكِرامِ، ومن فقدهُ فقدَ إنسانيتهُ قبل كمالِ إيمانه، ومن استسهلَ الخوضَ في أعراضِ الناسِ أهانَ اللهُ ذِكرَهُ بين الخلائق، ومن جعلَ من زلَّاتِ إخوانِه سلَّمًا لمجدهِ هَدَمَ اللهُ مجدَهُ على رؤوسِ الأشهاد، ومن غلبتْ عليهِ لذَّةُ الفضيحةِ عُوقبَ بحرمانِ لذَّةِ المناجاةِ في الخلوات - نعوذ بالله من الخذلان - فطوبى لِمَن صانَ لسانَهُ عن عورةِ أخيه، واحتسبَ سترَهُ عندَ من لا يَخْفَى عليهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماء.
أيها المتتبِّعُ للعورات، ويا من نشرتَ الفضيحةَ بنقرةٍ واحدةٍ، مهلاً؛ فلعلَّ تلك النَّقْرةَ تُسطَّرُ عليكَ في صحيفةٍ لا تُمحى، وتُتلى عليكَ على رؤوسِ الخلائقِ يومَ يقالُ: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14].
فما أحوجَنا إلى أن نعودَ إلى مبدأِ النُّبلِ الأوّل؛ إلى تلك السَّجيَّةِ التي كان بها المرءُ يُعَدُّ من أهلِ المروءة، فيستحيي أن يُرى مُعربًا عن عيبِ أخيه، ما أحوجَنا إلى أن نُعلي سترَ المؤمنِ فوقَ كلِّ شيءٍ يُشاع، ونُقدِّمهُ على كلِّ شهرةٍ تُباع، ونراهُ أكرمَ عندَ اللهِ من رضا الخلقِ أجمعين.
وكتب: أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
27 / ربيع الآخر / 1447 هـ.
وإلى لقاء في النقرة الثالثة:
النقرة الثانية: (نقرة هَتْكِ السِّتْر):
يا لَلعارِ في زمنٍ صارت فيهِ الأستارُ أضغاثَ حروفٍ تُنقَرُ نقراً، وتُسفَكُ بها الأعراضُ كما تُسفَكُ الدماءُ في الميدان!
نقرةٌ واحدةٌ، تخرج من إصبعٍ لا يخشع، كفيلةٌ أن تُريق ماء وجهِ مسلمٍ كان بالأمس يُذكَر بخير، وأن تُبذر الفتنةَ في مجالسٍ كانت عامرةً بالألفةِ والسكينة.
ما أسرعَ ما تحوَّلت (الستائرُ) التي كانت تَحجُبُ العورات إلى (شاشاتٍ) تُعرَضُ عليها الفضيحةُ في بثٍّ مباشرٍ، وتُصفَّقُ لها الجموعُ في نشوةٍ مريضةٍ لا تعرفُ من الحياءِ إلا اسمه!
أيُّ داءٍ عضالٍ أصابَ القلوبَ حتى غدت تتلذَّذُ بهتكِ السِّتر كما تتلذذُ الأفاعي بسُمِّها؟
وأيُّ خُبثٍ هذا الذي جعلَ العيونَ تستعذبُ منظرَ العثرة، وتَفرحُ بالزلَّة، وتُشيعُها في الآفاق كأنها فتحٌ مبين؟
لقد نَسُوا قولَ نبيِّهم ﷺ: «يا مَعْشَرَ مَن آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ» رواه أحمد وأبو داود وغيرهما وصححه الألباني في (صحيح الجامع) [2/1322 رقم: 7984].
أين ذهبتْ أنفاسُ السترِ التي كانت تملأ صدورَ المؤمنين وقارًا؟ وأين تلكَ المروءةُ التي كانت تجعلُ العربيَّ الحرَّ يستحيي أن يُقالَ عنه: فَضَحَ أخاه ولو كان له عليه ألفُ مأخذٍ ومأتم؟
إنه زمنُ (النَّقْرات) التي تُهلكُ صاحبَها، وتَستدرجُهُ إلى كتابةِ سطرٍ يُغضِبُ ربَّه، وسطرٍ آخرَ يُشقيهِ في قبره، وسطرٍ ثالثٍ يُطفئُ نورَه بين الخلائق يومَ تُعرضُ الكتب.
كأنَّ القومَ نسُوا أنَّ الكلمةَ إذا انطلقتْ من غيرِ ورعٍ صارتْ سَهمًا مسمومًا لا يُخطئُ قلبًا ، وأنَّ سترَ المؤمنِ أحبُّ إلى الرحمنِ من إنفاق الذهب والفضة.
فيا ويحَ من جعلَ قلمهُ خنجرًا، ولسانهُ قاذفةً، وإعجابهُ وقودًا لنارِ الفضائح، ثم يزعمُ أنه (داعية خير)!
ألا فاعلموا أنَّ السِّترَ حِرزُ الكِرامِ، ومن فقدهُ فقدَ إنسانيتهُ قبل كمالِ إيمانه، ومن استسهلَ الخوضَ في أعراضِ الناسِ أهانَ اللهُ ذِكرَهُ بين الخلائق، ومن جعلَ من زلَّاتِ إخوانِه سلَّمًا لمجدهِ هَدَمَ اللهُ مجدَهُ على رؤوسِ الأشهاد، ومن غلبتْ عليهِ لذَّةُ الفضيحةِ عُوقبَ بحرمانِ لذَّةِ المناجاةِ في الخلوات - نعوذ بالله من الخذلان - فطوبى لِمَن صانَ لسانَهُ عن عورةِ أخيه، واحتسبَ سترَهُ عندَ من لا يَخْفَى عليهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماء.
أيها المتتبِّعُ للعورات، ويا من نشرتَ الفضيحةَ بنقرةٍ واحدةٍ، مهلاً؛ فلعلَّ تلك النَّقْرةَ تُسطَّرُ عليكَ في صحيفةٍ لا تُمحى، وتُتلى عليكَ على رؤوسِ الخلائقِ يومَ يقالُ: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14].
فما أحوجَنا إلى أن نعودَ إلى مبدأِ النُّبلِ الأوّل؛ إلى تلك السَّجيَّةِ التي كان بها المرءُ يُعَدُّ من أهلِ المروءة، فيستحيي أن يُرى مُعربًا عن عيبِ أخيه، ما أحوجَنا إلى أن نُعلي سترَ المؤمنِ فوقَ كلِّ شيءٍ يُشاع، ونُقدِّمهُ على كلِّ شهرةٍ تُباع، ونراهُ أكرمَ عندَ اللهِ من رضا الخلقِ أجمعين.
وكتب: أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
27 / ربيع الآخر / 1447 هـ.
وإلى لقاء في النقرة الثالثة:
