الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

هناك من يقول لعب الورق جائز، وإذا كان حرام فالنزهة حرام؛ لأنها أيضا فيها ضياع وقت، نرجو بيان الحق في ذلك، جزاك الله خيراً.

٢٣ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ١٥ أكتوبر ٢٠٢٥
الفتاوىالصلاة والطهارةالفقه والأحكاممصرالنوازل والأحداث
السؤال: مئة وواحد وتسعون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا:
هناك من يقول لعب الورق جائز، وإذا كان حرام فالنزهة حرام؛ لأنها أيضا فيها ضياع وقت، نرجو بيان الحق في ذلك، جزاك الله خيراً.
الحمد لله:
الجواب المختصر:
لعب الورق (الكوتشينة) [بالعاميَّة المصرية] محرَّم إذا اشتمل على قمار، أو تضمن ألفاظًا بذيئة، أو نزاعًا وخصامًا، أو أضاع الصلوات، أو صار عادة تشغل عن الطاعة.
أما إذا خلا من ذلك، وكان يسيرًا يُقصد به الترويح عن النفس، فهو من اللهو المباح الذي يُكره الإكثار منه؛ إذ لا نفع فيه سوى التسلية، فلا يُقاس على النزهة، لأن النزهة تُجدد النشاط وتنفع البدن، بخلاف الورق فهو لهوٌ صرف لا ثمرة له.
الجواب المفصَّل:
أوّلًا: الأصل في اللعب واللهو:
الأصل في اللهو واللعب هو الإباحة، ما لم يتضمّن أمرًا محرَّمًا أو يكون وسيلةً تؤدّي إليه، واستدل العلماء بحديث الحبشة الذين كانوا يلعبون بالحراب في مسجد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأقرَّهم على ذلك، فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى ‌الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ ‌فِي ‌الْمَسْجِدِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أَسْأَمُ) (متفق عليه). قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) [/549: رقم: 454]: (وفي الحديث جواز النظر إلى ‌اللهو ‌المباح، وفيه حسن خلقه صلى الله عليه وسلم مع أهله، وكرم معاشرته، وفضل عائشة وعظيم محلها عنده) اهـ.
وقال ابن قدامة في (المغني) [14/157]: (‌وسائِرُ ‌اللَّعِبِ، ‌إذا ‌لم ‌يَتضمَّنْ ‌ضررًا، ‌ولا ‌شَغْلًا ‌عن ‌فَرْضٍ، فالأصلُ إباحتُه) اهـ.

ثانيًا: الفرق بين اللهو المباح واللهو المحرَّم:
العمدة في هذا الباب ما رواه النسائي وغيره؛ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ وَجَابِرَ بْنَ عُمَيْرٍ الْأَنْصَارِيَّيْنِ يَرْمِيَانِ، فَمَلَّ أَحَدُهُمَا فَجَلَسَ فَقَالَ الْآخَرُ: «كَسِلْتَ؟» سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: « ‌كُلُّ ‌شَيْءٍ ‌لَيْسَ ‌مِنْ ‌ذِكْرِ ‌اللهِ فَهُوَ لَغْوٌ وَلَهْوٌ إِلَّا أَرْبَعَةَ خِصَالٍ: مَشْيٌ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ، وَتَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ أَهْلَهُ، وَتَعْلِيمُ السَّبَّاحَةِ». وصححه الإمام الألباني رحمه الله في (الصحيحة) [1/625 رقم: ٣١٥]، وروى أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ بَاطِلٌ، إِلَّا رَمْيَةَ الرَّجُلِ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ»، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) [32/223]: (قوله: « من الباطل » ‌أي ‌مما ‌لا ‌ينفع، ‌فإن ‌الباطل ‌ضد ‌الحق: والحق يراد به الحق الموجود اعتقاده والخبر عنه، ويراد به الحق المقصود الذي ينبغي أن يقصد، وهو الأمر النافع، فما ليس من هذا فهو باطل ليس بنافع. وقد يرخص في بعض ذلك إذا لم يكن فيه مضرة راجحة لكن لا يؤكل به المال، ولهذا جاز السباق بالأقدام، والمصارعة، وغير ذلك، وإن نهي عن أكل المال به. وكذلك رخص في الضرب بالدف في الأفراح، وإن نهي عن أكل المال به...) اهـ.
وقال في (الاستقامة) [2/ 154 - 157]: (وأما اللَّذَّة الَّتِي لَا تعقب لَذَّة فِي دَار الْقَرار وَلَا ألماً وَلَا تمنع لَذَّة دَار الْقَرار فَهَذِهِ لَذَّة بَاطِلَة إذ لَا مَنْفَعَة فِيهَا وَلَا مضرَّة وزمانها يسير لَيْسَ لتمتع النَّفس بهَا قدر وَهِي لَا بُد أن تشغل عَمَّا هُوَ خير مِنْهَا فِي الآخرة وإن لم تشغل عَن أصل اللَّذَّة فِي الآخرة.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي عناه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: (كل لَهو يلهو بِهِ الرجل فَهُوَ بَاطِل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امْرَأَته فإنهن من الْحق) رَوَاهُ مُسلم وَكَقَوْلِه لعمر لما دخل عَلَيْهِ وَعِنْده جواري يضربن بالدف فأسكتهن لدُخُوله وَقَالَ: (إن هَذَا رجل لَا يحب الْبَاطِل) فَإِن هَذَا اللَّهْو فِيهِ لَذَّة وَلَوْلَا ذَلِك لما طلبته النُّفُوس.
وَلَكِن مَا أعان على اللَّذَّة الْمَقْصُودَة من الْجِهَاد وَالنِّكَاح فَهُوَ حق وأما مَا لم يعن على ذَلِك فَهُوَ بَاطِل لَا فَائِدَة فِيهِ وَلَكِن إذا لم يكن فِيهِ مضرَّة راجحة لم يحرم وَلم ينْه عَنهُ وَلَكِن قد يكون فعله مَكْرُوها لِأَنَّهُ يصد عَن اللَّذَّة الْمَطْلُوبَة إذ لَو اشْتغل اللاهي حِين لهوه بِمَا يَنْفَعهُ وَيطْلب لَهُ اللَّذَّة الْمَقْصُودَة لَكَانَ خيرا لَهُ والنفوس الضعيفة ‌كنفوس ‌الصِّبيان ‌وَالنِّسَاء ‌قد ‌لَا ‌تشتغل إذا ‌تركته بِمَا هُوَ خير مِنْهَا لَهَا بل قد تشتغل بِمَا هُوَ شَرّ مِنْهُ أَوْ بِمَا يكون التَّقَرُّب إلى الله بِتَرْكِهِ فَيكون تمكينها من ذَلِك من بَاب الإحسان إليها وَالصَّدَََقَة عَلَيْهَا كإطعامها وإسقائها فَلهَذَا قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم إن بعض أنواع اللَّهْو من الْحق، وَكَانَ الْجَوَارِي الصغيرات يضربن بالدف عِنْده، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم يمكنهن من عمل هَذَا الْبَاطِل بِحَضْرَتِهِ؛ إحسانا إليهن وَرَحْمَة بِهن وَكَانَ هَذَا الأمر فِي حَقه من الْحق الْمُسْتَحبّ الْمَأْمُور بِهِ وإن كَانَ هُوَ فِي حقهن من الْبَاطِل الَّذِي لَا يُؤمر اُحْدُ سواهن بِهِ كَمَا كَانَ إعطاؤه الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم مَأْمُوراً بِهِ فِي حَقه وجوبا أَو استجابا، وَإِن لم مَأْمُور بِهِ لأحد كَمَا كَانَ مزاحه مَعَ من يمزح مَعَه من الأعراب وَالنِّسَاء وَالصبيان تطييباً لقُلُوبِهِمْ وتفريحاً لَهُم مُسْتَحباً فِي حَقه يُثَاب عَلَيْهِ وإن لم يكن أولئك مأمورين بالمزح مَعَه وَلَا منهيين عَن ذَلِك
فالنبي صلى الله عليه وسلم يبْذل للنفوس من الأموال وَالْمَنَافِع مَا يتألفها بِهِ على الْحق الْمَأْمُور وَيكون المبذول مِمَّا يلتذ فِيهِ الأخذ وَيُحِبهُ لَأن ذَلِك وَسِيلَة إلى غَيره وَلَا يفعل صلى الله عليه وسلم ذَلِك مَعَ من لَا يحْتَاج إلى ذَلِك كالمهاجرين والأنصار بل بذل لَهُم أنواعا آخر من الإحسان وَالْمَنَافِع فِي دينهم ودنياهم، وَعمر رضي الله عنه لَا يحب هَذَا الْبَاطِل، وَلَا يحب سَمَاعه، وَلَيْسَ هُوَ مَأْمُوراً إذ ذَاك من التَّأْلِيف بِمَا أمْر بِهِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم حَتَّى تصبر نَفسه على سَمَاعه، فَكَانَ إعراض عمر عَن الْبَاطِل كمالاً فِي حَقه وَحَال النَّبِي صلى الله عليه وسلم أكمل.
ومحبة النُّفُوس للباطل نقص لَكِن لَيْسَ كل الْخلق مأمورين بالكمال وَلَا يُمكن ذَلِك فيهم فَإِذا فعلوا مَا بِهِ يدْخلُونَ الْجنَّة لم يحرم عَلَيْهِم مَا لَا يمنعهُم من دُخُولهَا، وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: «‌كَمُلَ ‌مِنَ ‌الرِّجَالِ ‌كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا أَرْبَعَة » هَذَا مَعَ الْعلم بِأَن الْجنَّة يدخلهَا كثير من النِّسَاء وَالرِّجَال أكثر من الَّذين كملوا من الطَّائِفَتَيْنِ) اهـ.
وقال العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني في كتابه الماتع: (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل) [2/804]: (وفي الحديث: «‌كل ‌شيء ‌يلهو ‌به ‌الرجل ‌باطل عدا رمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امراته فإنهن من الحق»، ومعلوم أن فيما يلهو به الرجل غير هذه الثلاث ما هو مباح إجماعاً) اهـ.
قلت: هذا الكلام النفيس يُبيِّن دقَّة الشريعة في ميزان اللهو والجدِّ، فهي لا تحرِّم كل متعةٍ أو راحةٍ، لكنها تزن الأمور بميزان النفع والمفسدة؛ فما كان معينًا على الطاعة أو راحةً للنفس تُقوِّيها على العبادة فهو من الحقِّ، وما شغل عن الخير أو أوقع في لغوٍ لا ثمرة له فهو باطلٌ لا نفع فيه. وليس الباطل دائمًا حرامًا، بل قد يكون مكروهًا أو مباحًا إذا خلت عواقبه من الضرر، غير أن الأكمل تركه لمن أراد رفعة الهمة وصفاء القلب، كما سبق من قول شيخ الإسلام ابن تيمية: محبة النفوس للباطل نقص، ولكن ليس كل الخلق مأمورين بالكمال.
ثالثًا: في حكم لعب الورق (الكوتشينة):
لعب الورق من اللعب المستحدث، وقد بحثه العلماء المعاصرون، فرأوا أنه يتنازع بين اللهو المباح واللهو المحرم، بحسب ما يشتمل عليه من أمور:
أولاً: إن كان على مالٍ أو جائزةٍ:
فهو قمار صريح، يدخل في الميسر الذي حرّمه الله بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]. ولا خلاف بين العلماء في تحريمه.
ثانياً: وإن خلا من القمار، لكن صاحبه سبابٌ أو خصومة، أو تضييعٌ للصلوات، أو سهرٌ ولغوٌ مفرط، فهو حرامٌ أيضًا من جهة ما يجرُّ إليه من المفاسد.
ثالثاً: وإن خلا من ذلك كله، وكان يسيرًا: فهو من اللغو المباح، وقد يكره لما فيه من تضييعٍ للوقت بلا نفع، ولا يُثاب عليه، بل ينقص الأجر ويضعف الهمة.

رابعًا: الفرق بين لعب الورق والنزهة:
من شبَّه لعب الورق بالنزهة فقد قاس ما لا يُقاس؛ لأن النزهة المقصود بها تجديد النشاط والتأمل في خلق الله وصلة الأرحام، فهي راحةٌ تنفع القلب والجسد، بخلاف الورق الذي هو لهوٌ محض لا فائدة فيه، بل في الغالب يُلهي عن الطاعة ويُميت الوقت؛ قال صلى الله عليه وسلم: «‌نِعْمَتَانِ ‌مَغْبُونٌ ‌فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (رواه البخاري)،فالنزهة استثمار للفراغ، والورق إهدارٌ له؛ ورحم الله ابن القيم إذ يقول في (الوابل الصيب) [ص: 198]: (‌فهي ‌النفسُ ‌إن ‌لم ‌تَشْغَلْها ‌بالحق ‌وإلا ‌شَغَلَتْكَ بالباطل، وهو القلب إنْ لم تَسْكُنه محبةُ الله عز وجل، سَكَنَتْهُ محبة المخلوقين ولابُدَّ، وهو اللسان إنْ لم تشغله بالذكر شغلك باللغو، وهو عليك ولابُدَّ، فاختر لنفسك إحدى الخُطَّتين، وأَنْزِلْها في إحدى المنزلتين) اهـ. والله أعلم.

من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)

مواد ذات صلة