أخي الأكبر دفع لي مبلغَاً صغيرًا من المال لقضية دراسية وقلت له: "سأحوِّله لك حالما يصلني مالي إن شاء الله"، مع أنَّه لم يطلب مني ذلك ولم…
السؤال: مئة وثمانية وثمانون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أخي الأكبر دفع لي مبلغَاً صغيرًا من المال لقضية دراسية وقلت له: "سأحوِّله لك حالما يصلني مالي إن شاء الله"، مع أنَّه لم يطلب مني ذلك ولم يتحدث عن استرجاعه. المبلغ 25€ فقط، وأنا متأكد أنَّه لا يمانع إذا لم أعِدْه، ولم يتحدث معي حتى عن هذا المال، ولم يسأل.
هل يُعتبر هذا دَيْنًا إسلاميًا؟ وهل يكون من المعصية إذا لم أعِد المال رغم أن نيتي الأصلية كانت أن أعود المال؟
الحمد لله:
الجواب المختصر:
نعم، يُعدُّ هذا المال دينًا لأنك التزمت بإرجاعه، ولو لم يطلبه أخوك، فقولك: (سأحوِّله لك حالما يصلني مالي) يُعتبر وعدًا بردِّه، فيأخذ حكم القرض.
لكن إن كان أخوك في قرارة نفسه وهبك المال أو لا يريد استرجاعه، فلا إثم عليك إن سامحك. والأفضل أن تُعيده إليه ما دمت وعدتَه، وفاءً بالعهد، وحفاظًا على صفاء القلوب.
الجواب المفصل:
أولًا: تكييف المسألة فقهياً:
إذا أعطى شخصٌ مالًا لغيره وقال له: خذ هذا المال وانتفع به، ولم يُبيِّن هل هو قرض أم هبة، فالأظهر عند أهل العلم أنه قرضٌ لا هبة.
وذلك لأن الأصل بقاء ملك المعطي، ولا يُزال إلا بيقين، ولأن القرض والهبة كلاهما من باب التبرع، وأقلهما القرض، فيُحمل اللفظ عليه لأنه المتيقن.
قال الروياني في (بحر المذهب) [5/ 66]: (إذا قال: خذ هذه الدراهم وتصرف فيه، أو قال: خذ هذا البزر وازرعه لنفسك فيه وجهان: أحدهما: يجعل هبة لأنه لم يوجد شرط القرض لا بنطق ولا بدلالة.
والثاني: يكون قرضًا؛ لأن اللفظ يحتمل كلاهما فلا يقطع حقه عن ملكه إلا بيقين) اهـ.
فبما أنك قلت لأخيك: «سأحوِّله لك حالما يصلني مالي»، فهذا اللفظ يدل على الالتزام بالرد، فيأخذ المال حكم القرض الشرعي، وإن لم يُصرِّح المعطي بطلبه.
ثانيًا: الأصل في الدَّين لزوم الرد:
القرض يوجب في ذمة المقترض رد المثل، وهو من عقود المعاوضة المالية التي يُثاب عليها عند أدائها امتثالاً، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].
فهذا نصٌّ صريحٌ في وجوب ردِّ ما أخذ الإنسان من مال الغير، ولو كان يسيرًا، ما لم يُبرِّئه صاحب المال.
ثالثًا: هل يعتبر القول بالردِّ وعدًا أم التزامًا؟
إن قولك: «سأحوِّله لك حالما يصلني مالي» ليس وعدًا مجردًا، بل إقرار بالاستدانة متبوعٌ بوعدٍ بالوفاء، لأن ظاهر اللفظ أنك قبلت المال على أنه مالٌ مؤقت في ذمتك.
أما الوعد المجرد فهو أن يقول: «إن أعنتني فسأردُّ لك لاحقًا» دون أخذٍ فعليٍّ للمال، فهذا لا يُنشئ التزامًا شرعيًا.
والوعد لا ينعقد به التزامٌ ما لم يقترن بعقدٍ أو سببٍ يدل على اللزوم، ففي حالتك، المال قد قبضته، وصدرت منك عبارة توحي بالرد، فينعقد به دينٌ شرعيٌّ لازم.
رابعًا: إن ظهرت قرائن الهبة:
إن كانت هناك قرائن قوية تدل على أن أخاك قصد الإعانة لا الاسترداد، كأن يكون المبلغ يسيرًا (25€) ولم يطلبه مطلقًا، ولا يُعرف عنه التشديد في مثل هذا، فيجوز أن تُحمَل المعاملة على الهبة لا القرض، بشرط أن يحصل اليقين برضاه وتركه للمطالبة.
قال ابن تيمية رحمه الله: « ونكتة هذا: أن مقصود النيات معتبرة في العقود، كاعتبارها في العبادات، فإن الأعمال بالنيات» كما في (الفتاوى الكبرى) [6/262].
فإن غلب على ظنك رضاه بإبرائك، فلا حرج، وإلا فذمتك لا تبرأ إلا بالرد أو الإبراء الصريح.
خامسًا: الوفاء بالوعد والورع في التعامل:
حتى لو لم يكن المال دينًا لازمًا، فقولك «سأحوِّله لك» يُعد وعدًا بالخير، والوفاء بالوعد من مكارم الأخلاق ومن شيم المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 34]. وقال صلى الله عليه وسلم:
« آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ » متفق عليه.
فترك الوفاء مع القدرة ينافي كمال الواجب في الأخلاق، وإن لم يكن معصية صريحة متى رضي صاحب الحق.
سادسًا: الورع والخروج من الخلاف:
الأحوط والأكمل في حق طالب العلم أن يخرج من الشبهة بردِّ المال أو الاستئذان الصريح، إذ لا يُنقصك شيء إن رددته، بل يزيدك بركة وطمأنينة.
قال صلى الله عليه وسلم: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ » رواه الترمذي والنسائي وغيرهما وصححه الإمام الألباني رحمه الله في (الإرواء) [4/ رقم: 2074].، وكن على ثقة واطمئنان بأن الله سيعوضك خيرا على أدائك الحقوق ورد هذا المال والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أخي الأكبر دفع لي مبلغَاً صغيرًا من المال لقضية دراسية وقلت له: "سأحوِّله لك حالما يصلني مالي إن شاء الله"، مع أنَّه لم يطلب مني ذلك ولم يتحدث عن استرجاعه. المبلغ 25€ فقط، وأنا متأكد أنَّه لا يمانع إذا لم أعِدْه، ولم يتحدث معي حتى عن هذا المال، ولم يسأل.
هل يُعتبر هذا دَيْنًا إسلاميًا؟ وهل يكون من المعصية إذا لم أعِد المال رغم أن نيتي الأصلية كانت أن أعود المال؟
الحمد لله:
الجواب المختصر:
نعم، يُعدُّ هذا المال دينًا لأنك التزمت بإرجاعه، ولو لم يطلبه أخوك، فقولك: (سأحوِّله لك حالما يصلني مالي) يُعتبر وعدًا بردِّه، فيأخذ حكم القرض.
لكن إن كان أخوك في قرارة نفسه وهبك المال أو لا يريد استرجاعه، فلا إثم عليك إن سامحك. والأفضل أن تُعيده إليه ما دمت وعدتَه، وفاءً بالعهد، وحفاظًا على صفاء القلوب.
الجواب المفصل:
أولًا: تكييف المسألة فقهياً:
إذا أعطى شخصٌ مالًا لغيره وقال له: خذ هذا المال وانتفع به، ولم يُبيِّن هل هو قرض أم هبة، فالأظهر عند أهل العلم أنه قرضٌ لا هبة.
وذلك لأن الأصل بقاء ملك المعطي، ولا يُزال إلا بيقين، ولأن القرض والهبة كلاهما من باب التبرع، وأقلهما القرض، فيُحمل اللفظ عليه لأنه المتيقن.
قال الروياني في (بحر المذهب) [5/ 66]: (إذا قال: خذ هذه الدراهم وتصرف فيه، أو قال: خذ هذا البزر وازرعه لنفسك فيه وجهان: أحدهما: يجعل هبة لأنه لم يوجد شرط القرض لا بنطق ولا بدلالة.
والثاني: يكون قرضًا؛ لأن اللفظ يحتمل كلاهما فلا يقطع حقه عن ملكه إلا بيقين) اهـ.
فبما أنك قلت لأخيك: «سأحوِّله لك حالما يصلني مالي»، فهذا اللفظ يدل على الالتزام بالرد، فيأخذ المال حكم القرض الشرعي، وإن لم يُصرِّح المعطي بطلبه.
ثانيًا: الأصل في الدَّين لزوم الرد:
القرض يوجب في ذمة المقترض رد المثل، وهو من عقود المعاوضة المالية التي يُثاب عليها عند أدائها امتثالاً، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].
فهذا نصٌّ صريحٌ في وجوب ردِّ ما أخذ الإنسان من مال الغير، ولو كان يسيرًا، ما لم يُبرِّئه صاحب المال.
ثالثًا: هل يعتبر القول بالردِّ وعدًا أم التزامًا؟
إن قولك: «سأحوِّله لك حالما يصلني مالي» ليس وعدًا مجردًا، بل إقرار بالاستدانة متبوعٌ بوعدٍ بالوفاء، لأن ظاهر اللفظ أنك قبلت المال على أنه مالٌ مؤقت في ذمتك.
أما الوعد المجرد فهو أن يقول: «إن أعنتني فسأردُّ لك لاحقًا» دون أخذٍ فعليٍّ للمال، فهذا لا يُنشئ التزامًا شرعيًا.
والوعد لا ينعقد به التزامٌ ما لم يقترن بعقدٍ أو سببٍ يدل على اللزوم، ففي حالتك، المال قد قبضته، وصدرت منك عبارة توحي بالرد، فينعقد به دينٌ شرعيٌّ لازم.
رابعًا: إن ظهرت قرائن الهبة:
إن كانت هناك قرائن قوية تدل على أن أخاك قصد الإعانة لا الاسترداد، كأن يكون المبلغ يسيرًا (25€) ولم يطلبه مطلقًا، ولا يُعرف عنه التشديد في مثل هذا، فيجوز أن تُحمَل المعاملة على الهبة لا القرض، بشرط أن يحصل اليقين برضاه وتركه للمطالبة.
قال ابن تيمية رحمه الله: « ونكتة هذا: أن مقصود النيات معتبرة في العقود، كاعتبارها في العبادات، فإن الأعمال بالنيات» كما في (الفتاوى الكبرى) [6/262].
فإن غلب على ظنك رضاه بإبرائك، فلا حرج، وإلا فذمتك لا تبرأ إلا بالرد أو الإبراء الصريح.
خامسًا: الوفاء بالوعد والورع في التعامل:
حتى لو لم يكن المال دينًا لازمًا، فقولك «سأحوِّله لك» يُعد وعدًا بالخير، والوفاء بالوعد من مكارم الأخلاق ومن شيم المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 34]. وقال صلى الله عليه وسلم:
« آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ » متفق عليه.
فترك الوفاء مع القدرة ينافي كمال الواجب في الأخلاق، وإن لم يكن معصية صريحة متى رضي صاحب الحق.
سادسًا: الورع والخروج من الخلاف:
الأحوط والأكمل في حق طالب العلم أن يخرج من الشبهة بردِّ المال أو الاستئذان الصريح، إذ لا يُنقصك شيء إن رددته، بل يزيدك بركة وطمأنينة.
قال صلى الله عليه وسلم: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ » رواه الترمذي والنسائي وغيرهما وصححه الإمام الألباني رحمه الله في (الإرواء) [4/ رقم: 2074].، وكن على ثقة واطمئنان بأن الله سيعوضك خيرا على أدائك الحقوق ورد هذا المال والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)