أنا وجدتي نريد أن ندعو لعائلتنا مرة واحدة في الأسبوع. هل يجوز أن نجعل من لا يحضر المحاضرة يدفع مبلغاً من المال كصدقة إذا لم يحضر بدون عذر؟
السؤال: مئة وأربعة وثمانون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أنا وجدتي نريد أن ندعو لعائلتنا مرة واحدة في الأسبوع. هل يجوز أن نجعل من لا يحضر المحاضرة يدفع مبلغاً من المال كصدقة إذا لم يحضر بدون عذر؟
الحمد لله:
الجواب المختصر :
لا يجوز إلزام من يتخلَّف عن حضور الدعوة العائلية بدفع مبلغٍ من المال، لأن مالَ المسلم محترمٌ لا يُؤخذ إلا بحق، وفرضُ هذا المبلغ نوعٌ من العقوبة المالية (التعزير بالمال) التي لا يملكها إلا وليُّ الأمر أو من ينوب عنه، فإن جُعل دفع المال إلزامًا كان تعزيرًا ماليًا محرَّمًا، أمَّا إن جُعل تبرعًا تطوعيًا من غير إلزام، فهو جائز، وتركه أولى.
الجواب المفصَّل:
الأصل المستقر في الشريعة تحريم أخذ مال المسلم بغير حق، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 188]. وقال أيضا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 29].
وجه الدلالة من الآية:
أن الله تعالى نهى عن أخذ أموال الناس بغير وجهٍ مشروع، وقصر الجواز على التجارة القائمة على التراضي، فدلَّ على أن كل تصرفٍ في أموال المسلمين بغير إذنٍ شرعيٍّ أو رضا صحيحٍ هو من أكل المال بالباطل، وهو محرَّم.
وعقوبة التعزير بأخذ المال ليست قائمةً على سببٍ شرعيٍّ في ذاتها، لأنها نوعُ إتلافٍ أو استيفاءٍ ماليٍّ لا يملكه إلا وليُّ الأمر لمصلحةٍ معتبرةٍ، ولذلك عُدَّت من أكل المال بالباطل إذا استُعملت من غير وجهها.
وكما قال النبي ﷺ في خطبة الوداع: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» متفق عليه. وقال أيضًا ﷺ: « كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ » رواه مسلم في (صحيحه) [8/10 رقم: 2564].
ووجه الاستدلال من الحديث:
أن النبي ﷺ جعل حرمة المال كحرمة الدم والعرض، فدلَّ على أنه لا يجوز المساس به بغير حقٍّ بيّن، وعقوبة التعزير المالي بغير إذنٍ من الإمام أو القضاء تُعدّ أخذًا بغير حقٍّ، فتدخل في عموم التحريم الوارد في النصوص.
وعليه:
فجمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة، يرون أن التعزير بأخذ المال لا يجوز، لأنه قد يكون وسيلة لظلم الناس وأكل أموالهم بغير حق.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى جوازه إذا كان بيد وليِّ الأمر، ورأى فيه مصلحةً عامة وردعًا للظلمة، لا أن يكون بيد الأفراد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (الفتاوى الكبرى) [5/530]: (والتعزير بالمال سائغ إتلافا وأخذا وهو جار على أصل أحمد لأنه لم يختلف أصحابه أن العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها)هـ.
ولهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (22/217):
« لا مانع من أخذ المصلحة (أي: مصلحة المياه) للغرامة المذكورة من باب التعزير بالمال؛ لتحقيق المصلحة العامة، وذلك لا بأس به شرعاً في أصح قولي العلماء، سدا لذريعة التلاعب بالحقوق العامة.
فالراجح – والله أعلم – أن التعزير المالي مقيدٌ بسلطة الإمام الشرعية أو من يُنيبه؛ إذ هو من حقوق الولاية العامة، ولا مدخل لآحاد الناس أو القبائل أو الأسر فيه، لأن في إطلاقه فتحَ بابٍ للتعدي على أموال الناس بغير حق.
أمَّا إن كان ما يُدفع تبرعًا اختياريًا ترغيبيًا، لا يُلزم به أحد، ولا يُقصَد به العقوبة أو الكفارة، بل يُجعل من باب التعاون على البر والتشجيع على الخير، فذلك جائزٌ لا حرج فيه، ما دام منضبطًا بالرضا، وبعيدًا عن صورة الإلزام أو الجزاء.
وإن كان هناك إلزاماتٌ أخرى غير مالية – كترتيب المكان، أو إعداد بعض الضيافة، أو تكليفه بنظافةٍ معينة ونحو ذلك – فذلك أولى وأحسن، لأنه يحقق المقصود من التحفيز والمشاركة، دون أن يُدخل في باب المال المحرَّم أو العقوبة الممنوعة. والله أعلم
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أنا وجدتي نريد أن ندعو لعائلتنا مرة واحدة في الأسبوع. هل يجوز أن نجعل من لا يحضر المحاضرة يدفع مبلغاً من المال كصدقة إذا لم يحضر بدون عذر؟
الحمد لله:
الجواب المختصر :
لا يجوز إلزام من يتخلَّف عن حضور الدعوة العائلية بدفع مبلغٍ من المال، لأن مالَ المسلم محترمٌ لا يُؤخذ إلا بحق، وفرضُ هذا المبلغ نوعٌ من العقوبة المالية (التعزير بالمال) التي لا يملكها إلا وليُّ الأمر أو من ينوب عنه، فإن جُعل دفع المال إلزامًا كان تعزيرًا ماليًا محرَّمًا، أمَّا إن جُعل تبرعًا تطوعيًا من غير إلزام، فهو جائز، وتركه أولى.
الجواب المفصَّل:
الأصل المستقر في الشريعة تحريم أخذ مال المسلم بغير حق، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 188]. وقال أيضا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 29].
وجه الدلالة من الآية:
أن الله تعالى نهى عن أخذ أموال الناس بغير وجهٍ مشروع، وقصر الجواز على التجارة القائمة على التراضي، فدلَّ على أن كل تصرفٍ في أموال المسلمين بغير إذنٍ شرعيٍّ أو رضا صحيحٍ هو من أكل المال بالباطل، وهو محرَّم.
وعقوبة التعزير بأخذ المال ليست قائمةً على سببٍ شرعيٍّ في ذاتها، لأنها نوعُ إتلافٍ أو استيفاءٍ ماليٍّ لا يملكه إلا وليُّ الأمر لمصلحةٍ معتبرةٍ، ولذلك عُدَّت من أكل المال بالباطل إذا استُعملت من غير وجهها.
وكما قال النبي ﷺ في خطبة الوداع: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» متفق عليه. وقال أيضًا ﷺ: « كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ » رواه مسلم في (صحيحه) [8/10 رقم: 2564].
ووجه الاستدلال من الحديث:
أن النبي ﷺ جعل حرمة المال كحرمة الدم والعرض، فدلَّ على أنه لا يجوز المساس به بغير حقٍّ بيّن، وعقوبة التعزير المالي بغير إذنٍ من الإمام أو القضاء تُعدّ أخذًا بغير حقٍّ، فتدخل في عموم التحريم الوارد في النصوص.
وعليه:
فجمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة، يرون أن التعزير بأخذ المال لا يجوز، لأنه قد يكون وسيلة لظلم الناس وأكل أموالهم بغير حق.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى جوازه إذا كان بيد وليِّ الأمر، ورأى فيه مصلحةً عامة وردعًا للظلمة، لا أن يكون بيد الأفراد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (الفتاوى الكبرى) [5/530]: (والتعزير بالمال سائغ إتلافا وأخذا وهو جار على أصل أحمد لأنه لم يختلف أصحابه أن العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها)هـ.
ولهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (22/217):
« لا مانع من أخذ المصلحة (أي: مصلحة المياه) للغرامة المذكورة من باب التعزير بالمال؛ لتحقيق المصلحة العامة، وذلك لا بأس به شرعاً في أصح قولي العلماء، سدا لذريعة التلاعب بالحقوق العامة.
فالراجح – والله أعلم – أن التعزير المالي مقيدٌ بسلطة الإمام الشرعية أو من يُنيبه؛ إذ هو من حقوق الولاية العامة، ولا مدخل لآحاد الناس أو القبائل أو الأسر فيه، لأن في إطلاقه فتحَ بابٍ للتعدي على أموال الناس بغير حق.
أمَّا إن كان ما يُدفع تبرعًا اختياريًا ترغيبيًا، لا يُلزم به أحد، ولا يُقصَد به العقوبة أو الكفارة، بل يُجعل من باب التعاون على البر والتشجيع على الخير، فذلك جائزٌ لا حرج فيه، ما دام منضبطًا بالرضا، وبعيدًا عن صورة الإلزام أو الجزاء.
وإن كان هناك إلزاماتٌ أخرى غير مالية – كترتيب المكان، أو إعداد بعض الضيافة، أو تكليفه بنظافةٍ معينة ونحو ذلك – فذلك أولى وأحسن، لأنه يحقق المقصود من التحفيز والمشاركة، دون أن يُدخل في باب المال المحرَّم أو العقوبة الممنوعة. والله أعلم
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)