الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

نهى النبي صلى الله عليه وسلم الخروج على السلطان قال: (إلا أن تروا كفراً بواح لكم فيه من الله برهان) السؤال: لماذا لم يأمر الإمام أحمد…

١٩ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ١١ أكتوبر ٢٠٢٥
الفتاوىالعقيدة والتوحيدولاة الأمر والسمع والطاعةالأسرة والمرأةالفقه والأحكام
السؤال: مئة وثمانون وواحد وثمانون:

السلام عليكم يا شيخ:
نهى النبي صلى الله عليه وسلم الخروج على السلطان قال: (إلا أن تروا كفراً بواح لكم فيه من الله برهان) السؤال: لماذا لم يأمر الإمام أحمد بالخروج على السلطان حين قال بخلق القرآن أليس هذا كفر؟
الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
والجواب على هذه الشبهة وتفنيدها على تفصيل:
أولًا:
إنَّ القول بأن القرآن مخلوقٌ قولٌ كفريٌّ باطل، لأنه تكذيبٌ لصريح القرآن والسنة، وتنقيصٌ من مقام الله تعالى، وتشبيهٌ له بالمخلوقين، قال تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) [النساء:164]، وقال تعالى: (تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الواقعة:80]، فمن زعم أن كلام الله مخلوق فقد كذَّب هذه النصوص، وكذَّب الله تعالى، ومن كذَّب الله فقد كفر كفرًا بواحًا.
لكن مع ذلك، لا يُكفَّر المعيَّن إلا بعد إقامة الحجة وزوال الشبهة؛ لأن كثيرًا من القائلين بهذه المقالة وقعوا فيها عن تأويلٍ وجهلٍ لا عن عنادٍ ومكابرة.
فإنَّ المأمون حين قال بخلق القرآن لم يكن قصده الجحود الصريح لصفات الله أو التكذيب بالقرآن، بل تأوَّل آياتٍ من كتاب الله مثل قوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الزمر: 62]، فظنَّ أن القرآن داخل في عموم (كُلِّ شَيْءٍ)، فعدَّه مخلوقًا.
قال الذهبي في (السير) [8/383]: (وكتب المأمون إلى نائبه على العراق إسحاق بن إبراهيم الخزاعي كتابًا يمتحن العلماء يقول فيه: وقد عرفنا أن الجمهور الأعظم والسواد من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر لهم، ولا روية أهل جهالة وعمى عن أن يعرفوا الله كنه معرفته ويقدروه حتى قدره، ويفرقوا بينه وبين خلقه فساووا بين الله، وبين خلقه، وأطبقوا علي أن القرآن قديم لم يخترعه الله، وقد قال: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا) [الزخرف: 3]، فكل ما جعله فقد خلقه كما قال: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور) [الأنعام: 1]، وقال: (نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَق) [طه: 99] فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها. وقال: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} [هود: 1] والله محكم له ‌فهو ‌خالقه ‌ومبدعه) اهـ
وهذا التأويل - وإن كان باطلًا ومردودًا عند أهل السنة - إلا أنه شبهةٌ دخلت عليه من باب الاجتهاد الفاسد لا من باب العناد والتكذيب. ولذلك عدَّ العلماء هذا من موانع تكفيره بعينه، لأن الخطأ في باب الأسماء والصفات قد يقع فيه من عنده تأويل أو جهل.
وأخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي، عن يونس بن عبد الأعلى، سمعت الشافعي يقول: (لله أسماء وصفات لا يسع أحدا ردها، ‌ومن ‌خالف ‌بعد ‌ثبوت ‌الحجة ‌عليه ‌فقد ‌كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر) اهـ كما في (فتح الباري) [13/407].
ثانيًا:
الإمام أحمد رحمه الله راعى في فتنة القول بخلق القرآن مآلات الأمور، فمع بدعة السلطان وجوره لم يأمر بالخروج عليه، لأن الخروج له شروط، منها ظهور الكفر البواح الذي لا يحتمل التأويل، ومنها القدرة على التغيير دون مفسدة أعظم. أما في تلك الظروف فكان العجز ظاهرًا، والخروج لا يجر إلا فتنة عظيمة وسفك دماء المسلمين.

وقد دلَّ على هذا الأصل ما ثبت في حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه وفيه: (فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ. قَالَ: إِلَّا أَنْ ‌تَرَوْا ‌كُفْرًا ‌بَوَاحًا ‌عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» متفق عليه.
فدل الحديث على أن مجرد الظلم أو البدعة لا يبرر منازعة السلطان، حتى يُرى كفرٌ صريح ظاهر، مع القدرة على إزالته دون مفسدة أعظم.

ولذلك قال الإمام أحمد - كما نقل عنه عبدوس بن مالك القطان -: «ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمِّي أمير المؤمنين، فدفع الصدقات إليه جائز، برًّا كان أو فاجرًا». اهـ كما في (منهاج السنة) [1/ 529].
فهو يرى وجوب السمع والطاعة للإمام في المعروف، والصبر على ظلمه وبدعته، ما لم يظهر الكفر البواح وتتحقق القدرة على التغيير، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة في باب الإمامة، القائم على الحكمة، ودفع الفتنة، وحفظ الجماعة. والله أعلم.

السؤال الثاني: هناك من يقول: إن الخوارج إخوان لنا والأشاعرة والماتريدية ويستدل بقول الله: (إنما المؤمنون إخوة) ويقول مادموا مسلمين فهم إخوة لنا كيف نرد على هذا جزاك الله خيرا؟
الحمد لله:
الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، خاصة بالمؤمنين الذين استقامت عقيدتهم وسَلِمَت جماعتهم، فهي أخوَّة إيمانية كاملة بين أهل الإيمان والسنة، لا تشمل أهل البدع الذين خالفوا أصول الدين وخطؤهم في العقيدة خطأً جسيمًا.
فالخوارج: قال فيهم النبي ﷺ: (‌يَمْرُقُونَ ‌مِنَ ‌الدِّينِ ‌كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) [متفق عليه]، ولم يَعُدَّهم من المؤمنين الكاملين الإيمان، بل أمر بقتالهم، ووصفهم بأنهم (هُمْ ‌شَرُّ ‌الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ) [ رواه مسلم]، فدل على أنهم ليسوا إخوةً في الدين الإخاء الكامل، بل يعاملون معاملة البغاة أو المارقين بحسب حالهم.

وأما الأشاعرة والماتريدية: فهؤلاء وإن كانوا من المسلمين في الجملة، لا يُخرِجهم خطؤهم من الإسلام، إلا أن بدعتهم في باب الأسماء والصفات والإيمان والقدر بدعةٌ كبرى، تُنقص من الإيمان وتوجب البراءة من طريقتهم، فلا يُعاملون معاملة أهل السنة في الموالاة الكاملة، ولا يُدخلون في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ إلا من حيث أصل الإسلام فقط، لا من حيث كمال الإيمان والسنة.

ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ‌ « فمن ‌كان ‌قائماً ‌بواجب ‌الإيمان ‌كان ‌أخا ‌لكل ‌مؤمن، ووجب على كل مؤمن أن يقوم بحقوقه، وإن لم يجر بينهما عقد خاص؛ فإن الله ورسوله قد عقدا الأخوة بينهما بقوله: (إنما المؤمنون إخوة) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (وددت أني قد رأيت إخواني) . ومن لم يكن خارجا عن حقوق الإيمان وجب أن يعامل بموجب ذلك، فيحمد على حسناته؛ ويوالى عليها، وينهى عن سيئاته، ويجانب عليها بحسب الإمكان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (انصر أخاك ظالما أو مظلوما قلت يا رسول الله أنصره مظلوما، فكيف أنصره ظالما قال: تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه). والواجب على كل مسلم أن يكون حبه وبغضه، وموالاته ومعاداته: تابعا لأمر الله ورسوله. فيحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي من يوالي الله ورسوله، ويعادي من يعادي الله ورسوله. ومن كان فيه ما يوالى عليه من حسنات وما يعادى عليه من سيئات عومل بموجب ذلك، كفساق أهل الملة؛ إذ هم مستحقون للثواب والعقاب، والموالاة والمعاداة، والحب والبغض؛ بحسب ما فيهم من البر والفجور، فإن (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) ‌وَمَنْ ‌يَعْمَلْ ‌مِثْقالَ ‌ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة: 7 - 8] وهذا مذهب أهل السنة والجماعة». انتهى كما في مجموع الفتاوى) [35/94 - 95]

فنجمع بين الأمرين:
نقرُّ بإسلامهم ما داموا لم يقعوا في ناقضٍ من نواقضه، ونتبرأ من بدعتهم ونحذر من طريقتهم، ولا نُثني عليهم، ولا نجعلهم إخوةً لنا في الإيمان الكامل، فالميزان هو ما جمعه شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله بجوابه على سؤال بنحو ما نحن بصدده: « إذا كانت عقيدتهم هي ما تقدم في الأسئلة مع موافقة أهل السنة في توحيد الله سبحانه وإخلاص العبادة لله وعدم الشرك به لا بأهل البيت ولا بغيرهم فلا مانع من تزويجهم والتزوج منهم وأكل ذبائحهم والمشاركة في ولائمهم وموادتهم على قدر ما معهم من الحق وبغضهم على قدر ما معهم من الباطل؛ لأنهم مسلمون قد اقترفوا أشياء من البدع والمعاصي لا تخرجهم من دائرة الإسلام، وتجب نصيحتهم وتوجيههم إلى السنة والحق وتحذيرهم من البدع والمعاصي فإن استقاموا وقبلوا النصيحة فالحمد لله وهذا هو المطلوب، أما إن أصروا على البدع المذكورة في الأسئلة فإنه يجب هجرهم وعدم المشاركة في ولائمهم حتى يتوبوا إلى الله ويتركوا البدع والمنكرات ». انتهى من (مجموع الفتاوى) [4/262].
فخلاصة الجواب:
الإخوة الإيمانية الكاملة لا تكون إلا بين أهل السنة المتمسكين بالكتاب والسنة، وأما المبتدعة كالأشاعرة والماتوريدية والخوارج فلهم أخوة الإسلام لا أخوة الإيمان، ويُحبَّون ويُبغضون بقدر ما عندهم من حق وباطل. والله أعلم.

من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)

مواد ذات صلة