أنا أعرف منهج شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله حق المعرفة وأعرف كلامه وفتاويه ومؤلفاته حول التوسل بغير الله وغيره من أمور التوحيد ومحاربة…
السؤال: مئة وسبعة وسبعون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الفاضل حياك الله عندي سؤال لو تكرمت
أنا أعرف منهج شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله حق المعرفة وأعرف كلامه وفتاويه ومؤلفاته حول التوسل بغير الله وغيره من أمور التوحيد ومحاربة الشرك، ولكن عندنا قروب عائلي في الفيس أجاز فيه أحد الاقرباء التوسل والتبرك وغيرها من وسائل قد تؤدي إلى الشرك الأكبر أو في أقل الأحوال أنها بدع، وعندما أنكرت عليه قال لي بأن شيخنا ابن تيمية - يقولها باستهزاء - أجاز ذلك في كتاب اسمه قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، والحقيقة أني لم أقرأ هذا الكتاب ولم أقف عليه، وأريد منكم التوضيح في هذه المسألة بارك الله فيك،،
علماً بأنه يا شيخ أنا لا أناقش ولا أجادل لأنه ليس لدي علم يكفي وأنا غير مؤهل للنقاشات، ولكن أحيانا ألجأ إليها اضطرارا خصوصاً عندما أرى الصوفية ينشرون أباطيلهم لتنطلي على العوام ومن لا علم عندهم، فأناقشهم بما عندي من علم ولو بسيط حمية وغيرة لجناب التوحيد وحتى لا يغشوا العوام من الناس. بارك الله فيك شيخنا.
الحمد لله:
أولًا: ما ذكرتَه عن منهج شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو الحق، من أنه من أعظم من بيَّن مسائل التوحيد، وهدم أصول الشرك والبدع، وردَّ على الغلاة والمتوسلين بالأموات والمخلوقين، وبيَّن بوضوح أن التوسل المشروع هو ما كان بأسماء الله وصفاته، أو بالإيمان والعمل الصالح، أو بدعاء الرجل الصالح الحي الحاضر، أما التوسل بالذوات، أو بجاه النبي صلى الله عليه وسلم، أو بحق فلان، فذلك مما منعه وعدَّه من البدع المحدثة، وإن لم يصل بصاحبه إلى الشرك الأكبر إلا إذا صاحبه دعاء أو استغاثة بغير الله.
ثانيًا:
كتاب «القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة» من أهم ما ألَّفه شيخ الإسلام في هذا الباب، وهو من أوضح ما كُتب في بيان بطلان التوسل المبتدع، ومن قرأه بإنصاف علم أنه لم يُجز التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم ولا بجاهه، وإنما بيَّن أن السلف لم يعرفوا هذا النوع من التوسل، وأن الأحاديث التي يُستدل بها عليه إما موضوعة أو مؤولة على وجهٍ آخر، وسيأتي نص كلامه.
ثالثاً: أنواع التوسل:
ينقسم التوسل إلى نوعين: مشروع و غير مشروع، بحسب موافقته لما ورد في نصوص الشرع أو مخالفته لها.
أولًا: التوسل المشروع:
وهو ما ثبت في نصوص الكتاب والسنة، ودلت عليه أقوال السلف الصالح، وهو من جملة وسائل الدعاء المشروعة التي يُرجى معها حصول الإجابة، إذا تحققت شروط الدعاء العامة من الإخلاص، وأكل الحلال، وترك الإثم وقطيعة الرحم، وحضور القلب، وغير ذلك.
1- التوسل بأسماء الله وصفاته:
وهو أن يدعو العبد ربَّه متوسلًا إليه بأسمائه الحسنى أو صفاته العليا، كقوله:
«اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، أن ترحمني» أو قوله: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث». وهذا النوع هو أصل التوسل المشروع لقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [الأعراف: 180].
2- التوسُّلُ إلى اللهِ تعالى بسابقِ إحسانِه:
قال تعالى حاكياً عن زكريا عليه السلامُ: (وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) [مريم: 4]. قال ابنُ القيمِ رحمه الله كما في (بدائع التفسير) [2 /222]: فقد قيلَ: إنَّه دعاءُ المسألةِ والمعنى: إنَّك عودتَنِي إجابتَك، وإسعافَك، ولم تشقِنِي بالردِّ والحرمانِ، فهو توسلٌ إليه تعالى بما سلفَ من إجابتِه وإحسانِه. انتهى
3- التوسل بالعمل الصالح:
وهو أن يجعل الداعي بين يدي دعائه عملًا صالحًا خالصًا لله تعالى، فيسأله ببركة ذلك العمل، كإيمانه به، أو محبته لنبيه صلى الله عليه وسلم، أو إحسانه إلى الناس، ونحو ذلك.
ودليله حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، فدعوا الله تعالى بصالح أعمالهم، ففرَّج الله عنهم، والحديث متفق عليه.
قال العلماء: هذا النوع مشروع، لأنه توسُّل بعملٍ مشروعٍ مقبولٍ عند الله تعالى، بخلاف التوسل بما لم يأذن الله به من الذوات أو الجاه.
4- التوسل بدعاء الصالحين الأحياء:
وهو أن يطلب المسلم من رجلٍ يُظن صلاحه وتقواه أن يدعو له، رجاء أن يكون أقرب إلى الإجابة، كما قال إخوة يوسف: ﴿ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ [يوسف: 97].
وكما في حديث عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ: كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: « اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ». رواه البخاري في (صحيحه) [1/342 رقم: 964]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية عقب إيراده هذا الحديث في (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) [1/123]: « يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته؛ إذ لو كان هذا مشروعا لم يعدل عمر والمهاجرون والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال بالعباس» اهـ .
ثانيًا: التوسل غير المشروع:
وهو ما لم يرد به دليل صحيح من كتابٍ أو سنةٍ، بل هو وسيلة إلى الغلو والبدعة، وقد ينتهي بصاحبه إلى الشرك الأكبر.
1- التوسل بالذوات أو بالجاه أو بالحق:
كقول بعضهم: اللهم بجاه نبيك، أو بحق فلان، أو بذات الولي الفلاني، اغفر لي.
فهذا لم يثبت في الشرع، ولم يفعله الصحابة مع شدة محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم واعترافهم بفضله.
وقد بيَّن العلماء أن جاه النبي صلى الله عليه وسلم عظيم، لكنه لا يُتوسل به لأنه لم يَؤمر بذلك، ولا نُقل عن أحد من السلف الصالح فعله.
وكل ما ورد من أحاديث في هذا الباب، كحديث «إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي» فهو موضوع لا أصل له.
2- التوسل عند القبور أو التبرك بها:
كمن يدعو الله عند قبر نبي أو ولي، أو يجعل القبر وسيلة لطلب الحاجات، ظنًّا أن الدعاء عنده أرجى للإجابة.
وهذا مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد» [أحمد: 7352]. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» [أبو داود: 1796].
ولم يُنقل عن أحد من الصحابة أنه قصد قبر النبي صلى الله عليه وسلم للدعاء عنده، بل عدل عمر رضي الله عنه إلى التوسل بدعاء العباس كما تقدم، ولو كان التوسل عند القبر مشروعًا لسبقهم إليه.
رابعاً: التحقيق في مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التوسل والتبرك (مهم جداً):
أنَّه لا يُجيز التوسل بذوات الأنبياء ولا الصالحين، ولا التبرك بهم بعد وفاتهم، لأنَّ ذلك ليس من أسباب الإجابة، ولأنَّه ذريعة إلى الغلوِّ والشرك.
وما نُقل عنه من جوازٍ إنما هو في التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته في حياته، لا بمجرد ذاته بعد موته، فابن تيمية يفرِّق بين التوسل بدعائه الحي المشروع، وبين التوسل بذاته الممنوع.
وقد نصّ نصًّا صريحًا في (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) [1/299]، وكما في (مجموع الفتاوى) [1/336] قال: (والسائل لله بغير الله إما أن يكون مقسماً عليه، وأما أن يكون طالباً بذلك السبب: كما توسل الثلاثة في الغار بأعمالهم، وكما يتوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين. فإذا كان إقساماً على الله بغيره فهذا لا يجوز، وإن كان سؤالاً بسبب يقتضي المطلوب كالسؤال بالأعمال التي فيها طاعة الله ورسوله، مثل السؤال بالإيمان بالرسول، ومحبته، وموالاته ونحو ذلك فهذا جائز.
وإن كان سؤالاً بمجرد ذات الأنبياء والصالحين فهذا غير مشروع، وقد نهى عنه غير واحد من العلماء وقالوا: إنه لا يجوز، ورخص فيه بعضهم، والأول أرجح كما تقدم، وهو سؤال بسبب لا يقتضي حصول المطلوب.
بخلاف من كان طالباً بالسبب المقتضي لحصول المطلوب، كالطلب منه سبحانه بدعاء الصالحين، وبالأعمال الصالحة، فهذا جائز؛ لأن دعاء الصالحين سبب لحصول مطلوبنا الذي دعوا به، وكذلك الأعمال الصالحة سبب لثواب الله لنا، وإذا توسلنا بدعائهم وأعمالنا كنا متوسلين إليه تعالى بوسيلة، كما قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) [المائدة: 35] ، والوسيلة هي الأعمال الصالحة، وقال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) [الإسراء: 57]، وأما إذا لم نتوسل إليه سبحانه بدعائهم، ولا بأعمالنا، ولكن توسلنا بنفس ذواتهم لم تكن نفس ذواتهم سبباً يقتضي إجابة دعائنا، فكنا متوسلين بغير وسيلة، ولهذا لم يكن هذا منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلاً صحيحاً، ولا مشهوراً عن السلف) اهـ.
وبهذا يتبيَّن أن ما يُروِّج عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأن له قولًا ثانيًا بجواز التوسل بالذوات دعوى باطلة منشؤها بتر كلامه عن سياقه، لأن كلامه واضح في المنع.
فمذهب شيخ الإسلام ابن تيمية – وهو مذهب السلف – أن التوسل المشروع ما كان بالأسماء الحسنى والصفات العُلى، أو بالأعمال الصالحة، أو بدعاء الحي الصالح، وأما التوسل بالذوات أو الجاه أو الحق فبدعة محدثة غير مشروعة، وهي من وسائل الشرك، وإن لم تكن شركًا أكبر في نفسها، والواجب سدُّ الذرائع الموصلة إلى الغلو في الأنبياء والصالحين.
ولفظُ التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم يُراد به ثلاثةُ معانٍ
1- التوسل بطاعته: وهذا فرضٌ لا يتم الإيمان إلا به.
2- التوسل بدعائه وشفاعته: وهذا كان في حياته ﷺ، ويكون يوم القيامة بشفاعته.
3- التوسل بذاته، بمعنى الإقسام على الله أو السؤال بذاته: فهذا لم تفعله الصحابة لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غيره، ولم يرد في الأدعية الصحيحة، وإنما في أحاديث ضعيفة أو عن غير حجة. كما قاله بتوسع شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة) [1/87]، والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الفاضل حياك الله عندي سؤال لو تكرمت
أنا أعرف منهج شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله حق المعرفة وأعرف كلامه وفتاويه ومؤلفاته حول التوسل بغير الله وغيره من أمور التوحيد ومحاربة الشرك، ولكن عندنا قروب عائلي في الفيس أجاز فيه أحد الاقرباء التوسل والتبرك وغيرها من وسائل قد تؤدي إلى الشرك الأكبر أو في أقل الأحوال أنها بدع، وعندما أنكرت عليه قال لي بأن شيخنا ابن تيمية - يقولها باستهزاء - أجاز ذلك في كتاب اسمه قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، والحقيقة أني لم أقرأ هذا الكتاب ولم أقف عليه، وأريد منكم التوضيح في هذه المسألة بارك الله فيك،،
علماً بأنه يا شيخ أنا لا أناقش ولا أجادل لأنه ليس لدي علم يكفي وأنا غير مؤهل للنقاشات، ولكن أحيانا ألجأ إليها اضطرارا خصوصاً عندما أرى الصوفية ينشرون أباطيلهم لتنطلي على العوام ومن لا علم عندهم، فأناقشهم بما عندي من علم ولو بسيط حمية وغيرة لجناب التوحيد وحتى لا يغشوا العوام من الناس. بارك الله فيك شيخنا.
الحمد لله:
أولًا: ما ذكرتَه عن منهج شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو الحق، من أنه من أعظم من بيَّن مسائل التوحيد، وهدم أصول الشرك والبدع، وردَّ على الغلاة والمتوسلين بالأموات والمخلوقين، وبيَّن بوضوح أن التوسل المشروع هو ما كان بأسماء الله وصفاته، أو بالإيمان والعمل الصالح، أو بدعاء الرجل الصالح الحي الحاضر، أما التوسل بالذوات، أو بجاه النبي صلى الله عليه وسلم، أو بحق فلان، فذلك مما منعه وعدَّه من البدع المحدثة، وإن لم يصل بصاحبه إلى الشرك الأكبر إلا إذا صاحبه دعاء أو استغاثة بغير الله.
ثانيًا:
كتاب «القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة» من أهم ما ألَّفه شيخ الإسلام في هذا الباب، وهو من أوضح ما كُتب في بيان بطلان التوسل المبتدع، ومن قرأه بإنصاف علم أنه لم يُجز التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم ولا بجاهه، وإنما بيَّن أن السلف لم يعرفوا هذا النوع من التوسل، وأن الأحاديث التي يُستدل بها عليه إما موضوعة أو مؤولة على وجهٍ آخر، وسيأتي نص كلامه.
ثالثاً: أنواع التوسل:
ينقسم التوسل إلى نوعين: مشروع و غير مشروع، بحسب موافقته لما ورد في نصوص الشرع أو مخالفته لها.
أولًا: التوسل المشروع:
وهو ما ثبت في نصوص الكتاب والسنة، ودلت عليه أقوال السلف الصالح، وهو من جملة وسائل الدعاء المشروعة التي يُرجى معها حصول الإجابة، إذا تحققت شروط الدعاء العامة من الإخلاص، وأكل الحلال، وترك الإثم وقطيعة الرحم، وحضور القلب، وغير ذلك.
1- التوسل بأسماء الله وصفاته:
وهو أن يدعو العبد ربَّه متوسلًا إليه بأسمائه الحسنى أو صفاته العليا، كقوله:
«اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، أن ترحمني» أو قوله: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث». وهذا النوع هو أصل التوسل المشروع لقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [الأعراف: 180].
2- التوسُّلُ إلى اللهِ تعالى بسابقِ إحسانِه:
قال تعالى حاكياً عن زكريا عليه السلامُ: (وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) [مريم: 4]. قال ابنُ القيمِ رحمه الله كما في (بدائع التفسير) [2 /222]: فقد قيلَ: إنَّه دعاءُ المسألةِ والمعنى: إنَّك عودتَنِي إجابتَك، وإسعافَك، ولم تشقِنِي بالردِّ والحرمانِ، فهو توسلٌ إليه تعالى بما سلفَ من إجابتِه وإحسانِه. انتهى
3- التوسل بالعمل الصالح:
وهو أن يجعل الداعي بين يدي دعائه عملًا صالحًا خالصًا لله تعالى، فيسأله ببركة ذلك العمل، كإيمانه به، أو محبته لنبيه صلى الله عليه وسلم، أو إحسانه إلى الناس، ونحو ذلك.
ودليله حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، فدعوا الله تعالى بصالح أعمالهم، ففرَّج الله عنهم، والحديث متفق عليه.
قال العلماء: هذا النوع مشروع، لأنه توسُّل بعملٍ مشروعٍ مقبولٍ عند الله تعالى، بخلاف التوسل بما لم يأذن الله به من الذوات أو الجاه.
4- التوسل بدعاء الصالحين الأحياء:
وهو أن يطلب المسلم من رجلٍ يُظن صلاحه وتقواه أن يدعو له، رجاء أن يكون أقرب إلى الإجابة، كما قال إخوة يوسف: ﴿ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ [يوسف: 97].
وكما في حديث عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ: كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: « اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ». رواه البخاري في (صحيحه) [1/342 رقم: 964]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية عقب إيراده هذا الحديث في (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) [1/123]: « يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته؛ إذ لو كان هذا مشروعا لم يعدل عمر والمهاجرون والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال بالعباس» اهـ .
ثانيًا: التوسل غير المشروع:
وهو ما لم يرد به دليل صحيح من كتابٍ أو سنةٍ، بل هو وسيلة إلى الغلو والبدعة، وقد ينتهي بصاحبه إلى الشرك الأكبر.
1- التوسل بالذوات أو بالجاه أو بالحق:
كقول بعضهم: اللهم بجاه نبيك، أو بحق فلان، أو بذات الولي الفلاني، اغفر لي.
فهذا لم يثبت في الشرع، ولم يفعله الصحابة مع شدة محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم واعترافهم بفضله.
وقد بيَّن العلماء أن جاه النبي صلى الله عليه وسلم عظيم، لكنه لا يُتوسل به لأنه لم يَؤمر بذلك، ولا نُقل عن أحد من السلف الصالح فعله.
وكل ما ورد من أحاديث في هذا الباب، كحديث «إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي» فهو موضوع لا أصل له.
2- التوسل عند القبور أو التبرك بها:
كمن يدعو الله عند قبر نبي أو ولي، أو يجعل القبر وسيلة لطلب الحاجات، ظنًّا أن الدعاء عنده أرجى للإجابة.
وهذا مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد» [أحمد: 7352]. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» [أبو داود: 1796].
ولم يُنقل عن أحد من الصحابة أنه قصد قبر النبي صلى الله عليه وسلم للدعاء عنده، بل عدل عمر رضي الله عنه إلى التوسل بدعاء العباس كما تقدم، ولو كان التوسل عند القبر مشروعًا لسبقهم إليه.
رابعاً: التحقيق في مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التوسل والتبرك (مهم جداً):
أنَّه لا يُجيز التوسل بذوات الأنبياء ولا الصالحين، ولا التبرك بهم بعد وفاتهم، لأنَّ ذلك ليس من أسباب الإجابة، ولأنَّه ذريعة إلى الغلوِّ والشرك.
وما نُقل عنه من جوازٍ إنما هو في التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته في حياته، لا بمجرد ذاته بعد موته، فابن تيمية يفرِّق بين التوسل بدعائه الحي المشروع، وبين التوسل بذاته الممنوع.
وقد نصّ نصًّا صريحًا في (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) [1/299]، وكما في (مجموع الفتاوى) [1/336] قال: (والسائل لله بغير الله إما أن يكون مقسماً عليه، وأما أن يكون طالباً بذلك السبب: كما توسل الثلاثة في الغار بأعمالهم، وكما يتوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين. فإذا كان إقساماً على الله بغيره فهذا لا يجوز، وإن كان سؤالاً بسبب يقتضي المطلوب كالسؤال بالأعمال التي فيها طاعة الله ورسوله، مثل السؤال بالإيمان بالرسول، ومحبته، وموالاته ونحو ذلك فهذا جائز.
وإن كان سؤالاً بمجرد ذات الأنبياء والصالحين فهذا غير مشروع، وقد نهى عنه غير واحد من العلماء وقالوا: إنه لا يجوز، ورخص فيه بعضهم، والأول أرجح كما تقدم، وهو سؤال بسبب لا يقتضي حصول المطلوب.
بخلاف من كان طالباً بالسبب المقتضي لحصول المطلوب، كالطلب منه سبحانه بدعاء الصالحين، وبالأعمال الصالحة، فهذا جائز؛ لأن دعاء الصالحين سبب لحصول مطلوبنا الذي دعوا به، وكذلك الأعمال الصالحة سبب لثواب الله لنا، وإذا توسلنا بدعائهم وأعمالنا كنا متوسلين إليه تعالى بوسيلة، كما قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) [المائدة: 35] ، والوسيلة هي الأعمال الصالحة، وقال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) [الإسراء: 57]، وأما إذا لم نتوسل إليه سبحانه بدعائهم، ولا بأعمالنا، ولكن توسلنا بنفس ذواتهم لم تكن نفس ذواتهم سبباً يقتضي إجابة دعائنا، فكنا متوسلين بغير وسيلة، ولهذا لم يكن هذا منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلاً صحيحاً، ولا مشهوراً عن السلف) اهـ.
وبهذا يتبيَّن أن ما يُروِّج عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأن له قولًا ثانيًا بجواز التوسل بالذوات دعوى باطلة منشؤها بتر كلامه عن سياقه، لأن كلامه واضح في المنع.
فمذهب شيخ الإسلام ابن تيمية – وهو مذهب السلف – أن التوسل المشروع ما كان بالأسماء الحسنى والصفات العُلى، أو بالأعمال الصالحة، أو بدعاء الحي الصالح، وأما التوسل بالذوات أو الجاه أو الحق فبدعة محدثة غير مشروعة، وهي من وسائل الشرك، وإن لم تكن شركًا أكبر في نفسها، والواجب سدُّ الذرائع الموصلة إلى الغلو في الأنبياء والصالحين.
ولفظُ التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم يُراد به ثلاثةُ معانٍ
1- التوسل بطاعته: وهذا فرضٌ لا يتم الإيمان إلا به.
2- التوسل بدعائه وشفاعته: وهذا كان في حياته ﷺ، ويكون يوم القيامة بشفاعته.
3- التوسل بذاته، بمعنى الإقسام على الله أو السؤال بذاته: فهذا لم تفعله الصحابة لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غيره، ولم يرد في الأدعية الصحيحة، وإنما في أحاديث ضعيفة أو عن غير حجة. كما قاله بتوسع شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة) [1/87]، والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)