موتُ الأكابر وندِّيَّةُ الطبقة الواحدة
(موتُ الأكابر وندِّيَّةُ الطبقة الواحدة)
الحمد لله الذي زيَّن الأرض بأهل العلم كما زيَّن السماء بالكواكب والنجوم، وجعل العلماء مصابيح هدى، وسفن نجاة، وأوتاد ثبات، إذا ارتجّ الزمان كانوا له أمانًا، وإذا أظلمت الليالي كانوا للأمة سُرجًا وضياءً وإشعاعًا. بهم تُحفظ الشريعة، وتُصان العقيدة، وتُرفع الراية، ويستبين النهج، فهم للأمة كالنجوم في سمائها، إن خبت أُبهتت الأفلاك، وضلّت السفن في بحارها.
أحمده سبحانه حمدًا يليق بجلاله، وأشكره شكرًا يُوافي نعمه ويكافئ مزيد فضله، هو الذي رفع ذكر العلماء، وأبقى آثارهم، فجعل في حياتهم عزًّا ووقارًا، وفي موتهم موعظة وادِّكارًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكبير المتعال، الذي يُميت العالم ويُحيي ذكر العلم، ويقبض روحه ويُبقي أثره، ويُغيّب الأكابر في الثرى ليبقى نورهم في الورى. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام العلماء، وقدوة الأتقياء، الذي خلّف في أمته ميراث النبوّة، وأورث أصحابه مشاعل الهدى، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، الذين كانوا كالأقمار النيّرة في ليل مظلم، كلما أفِل واحد أشرق آخر، فظلّوا للأمة هداةً، وللتاريخ أعلامًا، وللأجيال منارات.
أما بعد:
فإن موت الأكابر ليس حدثًا عابرًا، ولا فَقْدًا عاديًا، بل هو انكسار ركن، وانطفاء مصباح، واضطراب سفينة في لُجّة بحر إذا فقدت رُبّانها. الأمة بغير أكابرها كقافلةٍ في صحراء مقفرة بلا دليل، أو كسفينةٍ في بحر لُجّي بلا قائدٍ ولا هادي. فإذا تقارب موتهم، وتتابع رحيلهم، وتوالت الثُّلَم في بنيان الأمة، علت صرخات أهل الأهواء، واضطرب نباح المغرضين، وارتفع قدر من لا قدر له، وخفت صوت من هو أهل للصدارة والريادة. فموت العالم ليس موت فرد، بل ثلمة أمة، ولا غياب شخص، بل غياب ركن وأصْل أصيل.
فمن سنن الله الماضية في خلقه أن يرحل الأكابر واحدًا إثر واحد، فينطفئ برحيلهم سراجٌ، ويُطوى بفقدهم لواء، وتخلو المجالس من بهائهم، وتفقد الأمة بغيابهم الركن الركين، والميزان المتين، والسدّ الحصين. إنهم الأكابر الذين كانوا حُرّاس الملّة، ومصابيح الأمّة، وموازين القلوب والعقول، فإذا رحلوا نُقص من الأرض طرف، وخسرت الأمة شرف، وتحقق قول الله جلّ وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.
قال غير واحد من السلف: هو موت العلماء. وجاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «إنَّ اللهَ لا يقبضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعُهُ منَ النَّاسِ ، ولَكن يقبضُ العلمَ بقبضِ العُلماءِ ، حتَّى إذا لم يترُك عالمًا اتَّخذَ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالًا ، فسُئلوا فأفتوا بغيرِ عِلمٍ فضلُّوا وأضلُّوا».
وموت العالم الواحد ثُلمة، فكيف إذا كانت الثُّلَم متتابعة، والفراغات متلاحقة؟! قال الحسن البصري رحمه الله: «موت العالم ثلمة في الإسلام، لا يسدّها شيء ما اختلف الليل والنهار». فإذا انهدّ في عام واحد أو أعوام يسيرة بنيانٌ بعد بنيان، ورُفع علمٌ بعد علم، كانت المصيبة جللًا، والبليّة عظيمة، والجرح غائرًا لا يندمل.
وليس هذا من باب التشاؤم، بل من باب التبصّر والتنبه؛ فإن فقد الأكابر لا يُعوّض إلا بصدق الطلب، وصبر التربية، وحسن الوفاء بما تركوا من ميراث نبوّي وسَنَدٍ سلفي. والموت لا يميت الحق، وإنما يورّثه لأهله، لكن الأمة هي التي قد تفرّط في حمل الأمانة، أو تضيع معالم السلسلة الصحيحة.
غير أن البلاء لا يقف عند حدّ موت الأكابر، بل يليه بلاء أشدّ مرارة: أن تنشأ نابتة سوء، تظن نفسها في طبقة واحدة مع كبار التلامذة، بحجة أنهم جميعًا تخرّجوا على أيدي الشيوخ الأكابر أنفسهم، فيتجاهلون الفوارق الراسخة التي أقامها طول الملازمة، وتفاوت المدارك، ونضج التجارب، فيقعون في داء الندية، ومرض المكابرة، فإذا بالساحة تفرغ من مرجعيتها، وتُقصى الوصايا المودعة في صدور الكبار، ويُفتح الباب لتصدّر الصغار، وتجرّؤ الجهّال، فيجتمع على الأمة فَقْدانان:
فقدان بموت الأكابر، وفقدان بإقصاء كبار التلامذة (المشايخ).
وما العلاج؟
لقد سبقنا أئمة الحديث إلى معالجة هذه القضية بمصطلح دقيق هو الطبقات(أعني: الطبقات في منهج المحدثين)؛ فميّزوا بين الرواة بقدر قربهم من الشيخ، وطول ملازمتهم له، وقوة ضبطهم لما أخذوا عنه واعتبارت أخرى؛ فليس سواءً من صحب الإمام أحمد أعوامًا طويلة كابنه عبد الله وأبي داود، ومن لم يزد سماعه على مجالس معدودة.
وكذلك في مدرسة الشافعي الإمام: فالمزني والربيع وأضرابهم ليسوا كمن اقتصر على أخذ فتيا أو سماع مسألة. فالكبار هم الأوتاد، وأصحابهم(المشايخ) تبع لهم في الرسوخ، وبهذا استقام النقل، وحُفظت المذاهب، وصينت السلسلة الصحيحةالشريفة.
فأين من يساوي اليوم بين من لازم الأكابر عقودًا، ووعى دقائقهم، وحفظ وصاياهم، وبين من لم يجاوز حضوره بعض الدروس أو سماع بعض المقاطع؟! إنها غفلة عن منهج السلف، وقطع لحبل الامتداد، وإفساد لميزان الطبقات.
وداء الندية دواؤه في زماننا هو: التربية السلفية:
إن هذا الداء لا يبرأ إلا بدواء واحد: التربية السلفية الصادقة، التي تُحيي العلم مع العمل، وتجمع بين التلقي والتزكية، والتأصيل والتربية، وتبني الرجال كما تبني المقال. ومن معالمها:
1. تعظيم حق العلماء: بمعرفة الفضل لأهله، وإجلال من أمرنا الشرع بإجلالهم، والبعد عن الجرأة والوقيعة، فإن من لم يعرف للكبار قدرهم لم يُوفَّق في دربه، ومن استهان بتراثهم عاش غريبًا بلا ميراث ولا سند.
2. ترسيخ مفهوم الطبقات: بتعليم الطلبة أن الاشتراك في الحضور للأكابر لا يُسوّي بين التلامذة، وأن للملازمة أثرًا، وللرسوخ منزلة، لا ينالها المتعجلون، ولا يدركها المتطفلون.
3. تهذيب النفوس: بغرس التواضع، وإشعار القلوب بالورع، حتى لا يحمل الصغير نفسه على مصادمة الكبير؛ وقد قال المصطفى ﷺ: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه».
4. إحياء سنة الملازمة: فالعلم لا يُنال من بطون الكتب وحدها، ولا من (مقاطع) متفرقة، وإنما يؤخذ من صدور الكبار ومجالسهم، بمكابدة وصبر، وتدرج وتربية ( فمن لم ينفعك لحظه لن ينفعك وعظه).
5. تربية الجيل على السمع والطاعة للكبار (أولي أمر) في المعروف: فإن الأمة لا تجتمع إلا باحترام سلسلة الأكابر، ولا تصفو إلا بتقدير الأئمة، ومن شذّ عن الجماعة شذّ في النار.
6. إحياء سير الأكابر ومواقفهم: بذكر أخبارهم، ونشر آثارهم، لتبقى حاضرةً في النفوس، نابضةً في العقول، تُذكّر الأمة بمقامهم، وتغرس في القلوب حبّهم واتباعهم.
7. تحذير الناشئة من داء الندية: ببيان عواقبه، وضرب أمثلة من التاريخ والواقع على ما جرّه من فساد وضياع، حتى يدرك الشاب أن التجرؤ على الأكابر هو بداية الانكسار، وأن الندية مع الكبار جسرٌ إلى الضلال والانحدار.
8. ربط الطلبة بالمنهج السلفي في التلقي: إذ لا يكفي حفظ المتون ولا قراءة الكتب، ما لم يكن ذلك مقرونًا بالتلقي عن الشيوخ، والتأدب بآدابهم، والتدرج في مدارجهم.
9. بثّ روح الدعاء للأكابر: في حياتهم وبعد مماتهم؛ فالقلوب إذا دعت لهم عرفت فضلهم، وإذا ترحمت عليهم لم تغفل آثارهم، وإذا حفظت لهم الجميل سلكت سبيلهم.
10. إقامة ميزان العدل في النقد:
الواجب أن يُعطى كلُّ ذي فضلٍ فضله، فلا تُنسف محاسنُ العلماء بزلة، ولا تُرفَع الهفوةُ إلى منزلة، بل يُبيَّن الخطأ من غير جفاء، ويُحفظ الحق من غير اعتداء؛ فبذلك استقام منهج السلف، وسلمت الموازين، وحُفظ الدين من الغلو والتمييع معًا.
أيها الأحبّة...
اللهَ اللهَ في أكابرنا وفي صاياهم، اللهَ اللهَ في آثارهم، اللهَ اللهَ في كبار تلامذتهم؛ فهم بقية السلسلة، وحملة الأمانة، وسدنة الميراث.
إيّاكم ومرض الندية، فإنه يورث القلوب قسوة، والصدور غلظة، والساحة فراغًا، والزمان تيهًا. وإيّاكم وازدراء الطبقات، فإنها ميزان عدل، وسلّم فضل، وسبب بقاء هذا الدين غضًّا طريًّا كما نزل.
عودوا إلى التربية السلفية الصافية؛ فهي المصل الواقي، والدّواء الشافي، والحصن الباقي. فيها توقير الأكابر، وتعليم الأصاغر، وربط الأمة بسندها المتين، وحبلها المتصل المبين.
فمن رام العز بغيرها ذلّ، ومن التمس الهداية سواها ضلّ.
اللهم اجعلنا من الحافظين لوصيّة نبيك: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله»، ووفّقنا لأن نكون من حملة هذا النور، وأن نُحسن تسليمه لمن بعدنا، غير مبدّلين ولا مفرّطين.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري عفا الله عنه الثغر السكندري
صباح الجمعة: ٤ / ربيع الآخر/ ١٤٤٧ هجرية
الحمد لله الذي زيَّن الأرض بأهل العلم كما زيَّن السماء بالكواكب والنجوم، وجعل العلماء مصابيح هدى، وسفن نجاة، وأوتاد ثبات، إذا ارتجّ الزمان كانوا له أمانًا، وإذا أظلمت الليالي كانوا للأمة سُرجًا وضياءً وإشعاعًا. بهم تُحفظ الشريعة، وتُصان العقيدة، وتُرفع الراية، ويستبين النهج، فهم للأمة كالنجوم في سمائها، إن خبت أُبهتت الأفلاك، وضلّت السفن في بحارها.
أحمده سبحانه حمدًا يليق بجلاله، وأشكره شكرًا يُوافي نعمه ويكافئ مزيد فضله، هو الذي رفع ذكر العلماء، وأبقى آثارهم، فجعل في حياتهم عزًّا ووقارًا، وفي موتهم موعظة وادِّكارًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكبير المتعال، الذي يُميت العالم ويُحيي ذكر العلم، ويقبض روحه ويُبقي أثره، ويُغيّب الأكابر في الثرى ليبقى نورهم في الورى. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام العلماء، وقدوة الأتقياء، الذي خلّف في أمته ميراث النبوّة، وأورث أصحابه مشاعل الهدى، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، الذين كانوا كالأقمار النيّرة في ليل مظلم، كلما أفِل واحد أشرق آخر، فظلّوا للأمة هداةً، وللتاريخ أعلامًا، وللأجيال منارات.
أما بعد:
فإن موت الأكابر ليس حدثًا عابرًا، ولا فَقْدًا عاديًا، بل هو انكسار ركن، وانطفاء مصباح، واضطراب سفينة في لُجّة بحر إذا فقدت رُبّانها. الأمة بغير أكابرها كقافلةٍ في صحراء مقفرة بلا دليل، أو كسفينةٍ في بحر لُجّي بلا قائدٍ ولا هادي. فإذا تقارب موتهم، وتتابع رحيلهم، وتوالت الثُّلَم في بنيان الأمة، علت صرخات أهل الأهواء، واضطرب نباح المغرضين، وارتفع قدر من لا قدر له، وخفت صوت من هو أهل للصدارة والريادة. فموت العالم ليس موت فرد، بل ثلمة أمة، ولا غياب شخص، بل غياب ركن وأصْل أصيل.
فمن سنن الله الماضية في خلقه أن يرحل الأكابر واحدًا إثر واحد، فينطفئ برحيلهم سراجٌ، ويُطوى بفقدهم لواء، وتخلو المجالس من بهائهم، وتفقد الأمة بغيابهم الركن الركين، والميزان المتين، والسدّ الحصين. إنهم الأكابر الذين كانوا حُرّاس الملّة، ومصابيح الأمّة، وموازين القلوب والعقول، فإذا رحلوا نُقص من الأرض طرف، وخسرت الأمة شرف، وتحقق قول الله جلّ وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.
قال غير واحد من السلف: هو موت العلماء. وجاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «إنَّ اللهَ لا يقبضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعُهُ منَ النَّاسِ ، ولَكن يقبضُ العلمَ بقبضِ العُلماءِ ، حتَّى إذا لم يترُك عالمًا اتَّخذَ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالًا ، فسُئلوا فأفتوا بغيرِ عِلمٍ فضلُّوا وأضلُّوا».
وموت العالم الواحد ثُلمة، فكيف إذا كانت الثُّلَم متتابعة، والفراغات متلاحقة؟! قال الحسن البصري رحمه الله: «موت العالم ثلمة في الإسلام، لا يسدّها شيء ما اختلف الليل والنهار». فإذا انهدّ في عام واحد أو أعوام يسيرة بنيانٌ بعد بنيان، ورُفع علمٌ بعد علم، كانت المصيبة جللًا، والبليّة عظيمة، والجرح غائرًا لا يندمل.
وليس هذا من باب التشاؤم، بل من باب التبصّر والتنبه؛ فإن فقد الأكابر لا يُعوّض إلا بصدق الطلب، وصبر التربية، وحسن الوفاء بما تركوا من ميراث نبوّي وسَنَدٍ سلفي. والموت لا يميت الحق، وإنما يورّثه لأهله، لكن الأمة هي التي قد تفرّط في حمل الأمانة، أو تضيع معالم السلسلة الصحيحة.
غير أن البلاء لا يقف عند حدّ موت الأكابر، بل يليه بلاء أشدّ مرارة: أن تنشأ نابتة سوء، تظن نفسها في طبقة واحدة مع كبار التلامذة، بحجة أنهم جميعًا تخرّجوا على أيدي الشيوخ الأكابر أنفسهم، فيتجاهلون الفوارق الراسخة التي أقامها طول الملازمة، وتفاوت المدارك، ونضج التجارب، فيقعون في داء الندية، ومرض المكابرة، فإذا بالساحة تفرغ من مرجعيتها، وتُقصى الوصايا المودعة في صدور الكبار، ويُفتح الباب لتصدّر الصغار، وتجرّؤ الجهّال، فيجتمع على الأمة فَقْدانان:
فقدان بموت الأكابر، وفقدان بإقصاء كبار التلامذة (المشايخ).
وما العلاج؟
لقد سبقنا أئمة الحديث إلى معالجة هذه القضية بمصطلح دقيق هو الطبقات(أعني: الطبقات في منهج المحدثين)؛ فميّزوا بين الرواة بقدر قربهم من الشيخ، وطول ملازمتهم له، وقوة ضبطهم لما أخذوا عنه واعتبارت أخرى؛ فليس سواءً من صحب الإمام أحمد أعوامًا طويلة كابنه عبد الله وأبي داود، ومن لم يزد سماعه على مجالس معدودة.
وكذلك في مدرسة الشافعي الإمام: فالمزني والربيع وأضرابهم ليسوا كمن اقتصر على أخذ فتيا أو سماع مسألة. فالكبار هم الأوتاد، وأصحابهم(المشايخ) تبع لهم في الرسوخ، وبهذا استقام النقل، وحُفظت المذاهب، وصينت السلسلة الصحيحةالشريفة.
فأين من يساوي اليوم بين من لازم الأكابر عقودًا، ووعى دقائقهم، وحفظ وصاياهم، وبين من لم يجاوز حضوره بعض الدروس أو سماع بعض المقاطع؟! إنها غفلة عن منهج السلف، وقطع لحبل الامتداد، وإفساد لميزان الطبقات.
وداء الندية دواؤه في زماننا هو: التربية السلفية:
إن هذا الداء لا يبرأ إلا بدواء واحد: التربية السلفية الصادقة، التي تُحيي العلم مع العمل، وتجمع بين التلقي والتزكية، والتأصيل والتربية، وتبني الرجال كما تبني المقال. ومن معالمها:
1. تعظيم حق العلماء: بمعرفة الفضل لأهله، وإجلال من أمرنا الشرع بإجلالهم، والبعد عن الجرأة والوقيعة، فإن من لم يعرف للكبار قدرهم لم يُوفَّق في دربه، ومن استهان بتراثهم عاش غريبًا بلا ميراث ولا سند.
2. ترسيخ مفهوم الطبقات: بتعليم الطلبة أن الاشتراك في الحضور للأكابر لا يُسوّي بين التلامذة، وأن للملازمة أثرًا، وللرسوخ منزلة، لا ينالها المتعجلون، ولا يدركها المتطفلون.
3. تهذيب النفوس: بغرس التواضع، وإشعار القلوب بالورع، حتى لا يحمل الصغير نفسه على مصادمة الكبير؛ وقد قال المصطفى ﷺ: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه».
4. إحياء سنة الملازمة: فالعلم لا يُنال من بطون الكتب وحدها، ولا من (مقاطع) متفرقة، وإنما يؤخذ من صدور الكبار ومجالسهم، بمكابدة وصبر، وتدرج وتربية ( فمن لم ينفعك لحظه لن ينفعك وعظه).
5. تربية الجيل على السمع والطاعة للكبار (أولي أمر) في المعروف: فإن الأمة لا تجتمع إلا باحترام سلسلة الأكابر، ولا تصفو إلا بتقدير الأئمة، ومن شذّ عن الجماعة شذّ في النار.
6. إحياء سير الأكابر ومواقفهم: بذكر أخبارهم، ونشر آثارهم، لتبقى حاضرةً في النفوس، نابضةً في العقول، تُذكّر الأمة بمقامهم، وتغرس في القلوب حبّهم واتباعهم.
7. تحذير الناشئة من داء الندية: ببيان عواقبه، وضرب أمثلة من التاريخ والواقع على ما جرّه من فساد وضياع، حتى يدرك الشاب أن التجرؤ على الأكابر هو بداية الانكسار، وأن الندية مع الكبار جسرٌ إلى الضلال والانحدار.
8. ربط الطلبة بالمنهج السلفي في التلقي: إذ لا يكفي حفظ المتون ولا قراءة الكتب، ما لم يكن ذلك مقرونًا بالتلقي عن الشيوخ، والتأدب بآدابهم، والتدرج في مدارجهم.
9. بثّ روح الدعاء للأكابر: في حياتهم وبعد مماتهم؛ فالقلوب إذا دعت لهم عرفت فضلهم، وإذا ترحمت عليهم لم تغفل آثارهم، وإذا حفظت لهم الجميل سلكت سبيلهم.
10. إقامة ميزان العدل في النقد:
الواجب أن يُعطى كلُّ ذي فضلٍ فضله، فلا تُنسف محاسنُ العلماء بزلة، ولا تُرفَع الهفوةُ إلى منزلة، بل يُبيَّن الخطأ من غير جفاء، ويُحفظ الحق من غير اعتداء؛ فبذلك استقام منهج السلف، وسلمت الموازين، وحُفظ الدين من الغلو والتمييع معًا.
أيها الأحبّة...
اللهَ اللهَ في أكابرنا وفي صاياهم، اللهَ اللهَ في آثارهم، اللهَ اللهَ في كبار تلامذتهم؛ فهم بقية السلسلة، وحملة الأمانة، وسدنة الميراث.
إيّاكم ومرض الندية، فإنه يورث القلوب قسوة، والصدور غلظة، والساحة فراغًا، والزمان تيهًا. وإيّاكم وازدراء الطبقات، فإنها ميزان عدل، وسلّم فضل، وسبب بقاء هذا الدين غضًّا طريًّا كما نزل.
عودوا إلى التربية السلفية الصافية؛ فهي المصل الواقي، والدّواء الشافي، والحصن الباقي. فيها توقير الأكابر، وتعليم الأصاغر، وربط الأمة بسندها المتين، وحبلها المتصل المبين.
فمن رام العز بغيرها ذلّ، ومن التمس الهداية سواها ضلّ.
اللهم اجعلنا من الحافظين لوصيّة نبيك: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله»، ووفّقنا لأن نكون من حملة هذا النور، وأن نُحسن تسليمه لمن بعدنا، غير مبدّلين ولا مفرّطين.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري عفا الله عنه الثغر السكندري
صباح الجمعة: ٤ / ربيع الآخر/ ١٤٤٧ هجرية
