هل الذين يسيرون على منهج يخالف منهج السلف الصالح يعلمون أنهم منحرفون عن الحق؟ أم يظنون ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً ؟؟ أم أن الأمر يختلف…
السؤال الثاني والسبعون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا الفاضل حياك الله، عندي سؤال لو تسمح لي
هل الذين يسيرون على منهج يخالف منهج السلف الصالح يعلمون أنهم منحرفون عن الحق؟ أم يظنون ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً ؟؟ أم أن الأمر يختلف حسب الرؤوس والأتباع؟ الرؤوس يعرفون أنهم على ضلال بينما الأتباع يسيرون خلفهم حسب جهلهم؟؟ بارك الله فيك شيخنا.
الحمد لله:
الجواب: الأمر يختلف باختلاف الأشخاص، وأحوالهم، وعلمهم، ونيّاتهم، ولا يُحكم عليهم بحكم واحد، بل هم درجات:
أولًا: الرؤوس (القادة والمنظّرون والدعاة إلى البدعة)؛ هؤلاء في الغالب:
1- إما أنهم يعلمون الحق ويكتمونه عمدًا: وهذه حال كثير من أهل الأهواء الذين غلّبوا مصالحهم وأهواءهم، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146]، وقال سبحانه عن بني إسرائيل: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14]، وهذا النوع هم أئمة الضلال، وهم أشد الناس خطرًا، لأنهم لا يطلبون الحق، بل يطلبون الهوى والسلطة والمكانة، ويكذبون على الناس باسم الدين.
2- أو أنهم مغترون بأنفسهم، يظنون أنهم على هدى، لكن في قلوبهم كبر أو هوى: وهؤلاء قال الله فيهم: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [فاطر: 8]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 11-12] وقال النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم في الخوارج: (يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) متفق عليه؛ وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204] وهذا وصف دقيق لهؤلاء الذين يتكلمون بكلامٍ معسولٍ ظاهرُه الخير والإصلاح، وباطنُه الفتنة والإفساد.
ثانيًا: الأتباع والعوام:
هؤلاء في الغالب لا يعلمون أن ما هم عليه بدعة، وإنما نشأوا على تقليد، أو وثقوا في أشخاص، أو لم يتعلموا الحق، فظنوا أن ما هم عليه هو الإسلام؛ وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 23]، وأحيانًا يكون فيهم من يحسن الظن بشيخه أو طائفته، ويرى أن غيرهم على انحراف، وهو معذور بجهله أو نقص علمه، لكن إذا بُيِّن له الحق بالوضوح، وأقيمت عليه الحجة ثم أعرض عنه عنادًا، فحينئذٍ يلحق بالمبتدعة.
ونصيحتي؛ أن لا نتسرع في تبديع أو تفسيق كل مخالف، بل ننظر في حاله: هل قامت عليه الحجة؟ هل بلغته السنة؟ هل يعلم ما يخالفه؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في (مجموع الفتاوى) [12/501]: (مع أن بعض هذه البدعة أشد من بعض وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض فليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة. ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة. وهذا الجواب لا يحتمل أكثر من هذا. والله المسئول أن يوفقنا وسائر إخواننا لما يحبه ويرضاه والله سبحانه أعلم انتهى قلت: اللهم آمين والله أعلم، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا الفاضل حياك الله، عندي سؤال لو تسمح لي
هل الذين يسيرون على منهج يخالف منهج السلف الصالح يعلمون أنهم منحرفون عن الحق؟ أم يظنون ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً ؟؟ أم أن الأمر يختلف حسب الرؤوس والأتباع؟ الرؤوس يعرفون أنهم على ضلال بينما الأتباع يسيرون خلفهم حسب جهلهم؟؟ بارك الله فيك شيخنا.
الحمد لله:
الجواب: الأمر يختلف باختلاف الأشخاص، وأحوالهم، وعلمهم، ونيّاتهم، ولا يُحكم عليهم بحكم واحد، بل هم درجات:
أولًا: الرؤوس (القادة والمنظّرون والدعاة إلى البدعة)؛ هؤلاء في الغالب:
1- إما أنهم يعلمون الحق ويكتمونه عمدًا: وهذه حال كثير من أهل الأهواء الذين غلّبوا مصالحهم وأهواءهم، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146]، وقال سبحانه عن بني إسرائيل: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14]، وهذا النوع هم أئمة الضلال، وهم أشد الناس خطرًا، لأنهم لا يطلبون الحق، بل يطلبون الهوى والسلطة والمكانة، ويكذبون على الناس باسم الدين.
2- أو أنهم مغترون بأنفسهم، يظنون أنهم على هدى، لكن في قلوبهم كبر أو هوى: وهؤلاء قال الله فيهم: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [فاطر: 8]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 11-12] وقال النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم في الخوارج: (يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) متفق عليه؛ وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204] وهذا وصف دقيق لهؤلاء الذين يتكلمون بكلامٍ معسولٍ ظاهرُه الخير والإصلاح، وباطنُه الفتنة والإفساد.
ثانيًا: الأتباع والعوام:
هؤلاء في الغالب لا يعلمون أن ما هم عليه بدعة، وإنما نشأوا على تقليد، أو وثقوا في أشخاص، أو لم يتعلموا الحق، فظنوا أن ما هم عليه هو الإسلام؛ وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 23]، وأحيانًا يكون فيهم من يحسن الظن بشيخه أو طائفته، ويرى أن غيرهم على انحراف، وهو معذور بجهله أو نقص علمه، لكن إذا بُيِّن له الحق بالوضوح، وأقيمت عليه الحجة ثم أعرض عنه عنادًا، فحينئذٍ يلحق بالمبتدعة.
ونصيحتي؛ أن لا نتسرع في تبديع أو تفسيق كل مخالف، بل ننظر في حاله: هل قامت عليه الحجة؟ هل بلغته السنة؟ هل يعلم ما يخالفه؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في (مجموع الفتاوى) [12/501]: (مع أن بعض هذه البدعة أشد من بعض وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض فليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة. ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة. وهذا الجواب لا يحتمل أكثر من هذا. والله المسئول أن يوفقنا وسائر إخواننا لما يحبه ويرضاه والله سبحانه أعلم انتهى قلت: اللهم آمين والله أعلم، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)