الوسائل تتغير والأصول ثابتة: #دعاةٌ في زمن الإنترنت لا شيوخ إنترنت
|[ الوسائل تتغير والأصول ثابتة: #دعاةٌ في زمن الإنترنت لا شيوخ إنترنت❗ ]|
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بُعث رحمة للعالمين. أما بعد:
كلما عجز الخصم عن رد الدليل ذهب إلى لمز الوسيلة.
فسمّوا دعاة الحق اليوم "شيوخ الإنترنت" تنقصاً، كأنّ الهدى يُوزن بالمكان لا بالبرهان!!
إنّ رمي أهل العلم والدعوة اليوم بوصف "شيوخ إنترنت" تنقصاً، هو لفظٌ محدثٌ في مبناه قديمٌ في معناه، ما هو إلا تجديدٌ لقديمٍ من سجن العلم في قالب واحد، وحبسه في جدرانٍ بعينها. وما درى قائله أنّ الوسائل تتغيّر والأصول ثابتة، وأنّ الحكم للغايات لا للآلات.
إنّ الدعوة إلى الله فريضةٌ ماضيةٌ إلى يوم القيامة، وقد أمر الله بها مطلقةً فقال: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.
فلم يقيّدها بمكان ولا زمان ولا صحيفة ولا منبر. فمن حصرها في المسجد وحده فقد ضيّق ما وسّعه الله. كان النبي صلى الله عليه وسلم يبلّغ بالخطبة على المنبر، وبالرسالة إلى الملوك، وبإرسال المعلمين إلى القبائل، فأيُّ فرقٍ بين حبرٍ على ورقٍ وبين حرفٍ على شاشة؟
العبرة بالبلاغ لا بالأداة، فالإنترنت وعاءٌ كالورق، وكالمذياع، وكالمجلس، فإن كان ما فيه حقٌ وهدى فهو نور، وإن كان باطلاً فهو ظلام، والعيب في المحتوى لا في الوعاء.
ثم إنّ هذا اللمز فيه تزكيةٌ للنفس وتعالٍ مذموم، كأنّ قائله يرى أنّ العلم لا يكون إلا إذا خرج من فمه هو، وفي حلقته هو، وباسم جماعته هو. وهذا هو عين الحزبية التي ذمّها السلف. صار ميزانهم: من وافقنا فهو الشيخ العلامة ولو زلّ، ومن خالفنا فهو شيخ الشاشة ولو أصاب. وما هكذا كان العلماء، بل كانوا أحرص الناس على بث العلم في كل وادٍ، وما منعهم البحر أن يركبوه، ولا القفر أن يقطعوه لأجل حديث.
أما كثرة الدورات والدروس التي يُحتج بها، فالعبرة ليست بكثرة المجالس ولا بطول الشهادات المعلقة على الجدران.
كم من درسٍ أُلقي فلم يُفهم، وكم من كتابٍ طُبع فلم يُقرأ.
والعبرة بالأثر: بقلبٍ تاب، وبجاهلٍ تعلّم، وبغافلٍ استيقظ. وربّ كلمةٍ خرجت من عالمٍ صادقٍ عبر بثٍّ بسيطٍ فبلغت الآفاق، فهدى الله بها من لم تبلغه مئات المحاضرات. أليس هذا هو المطلوب؟
إنّ العالم يُعرف بضبطه ونقله ودليله واتباعه للأثر، لا بمكان جلوسه. فالإمام المبجل أحمد بن حنبل -رحمه الله- كان يُملي في المسجد وفي بيته، و الإمام البخاري -رحمه الله- كان يحدّث في السفر والحضر. فهل يُقال عن أحدهم شيخ الطريق؟!
إنّ الميزان ميزان علمٍ وورعٍ واتباع، لا ميزان مكانٍ وزمان.
فنحن لسنا "شيوخ إنترنت" كما يريدون أن يلمزونا، بل نحن دعاةٌ -بعون الله- ابتلينا بزمانٍ صار فيه أكثر الناس يطلبون العلم من شاشة. فإما أن نتركهم للجهال المتحزبة الضلال وأهل الأهواء يعبثون بعقولهم، وإما أن ننزل إلى الميدان ونبلغ. وقد اخترنا البلاغ.
فاثبتوا على الثغرة التي نصّبكم الله فيها، فإنّ أقواماً أيقنوا أن لا سبيل لهم على العلم وأهله بالحجة فذهبوا إلى لمز الألقاب. وما "شيوخ الإنترنت" إلا اسمٌ جديدٌ لقديمِ قولهم "ساحرٌ كذاب" حين عجزوا عن ردّ البيان بالبيان.
واعلموا أنّ الميزان عند الله لا يقوم على عدد الحلق والقاعات ولا على فخامة الشهادات، وإنما يقوم على ميزانٍ واحد:
من وافق الكتاب والسنة بفهم السلف فهو الإمام وإن كان وحده، ومن خالفهما فهو الجاهل المتعالم وإن اجتمع عليه أهل الأرض.
لا تلتفتوا إلى الصدى، وامضوا في البيان. علّموا الناس الأصول قبل الفروع، والدليل قبل القول، والتجرد قبل التعصب. فإنّ كلمة صدقٍ تخرج من قلبٍ موقنٍ تبلغ ما لا تبلغه مئة دورةٍ جوفاء.
والناس اليوم ظمأى، فإن لم يسقهم دعاة الحق من مشايخ واضحين فضلاء وطلاب علم أتقياء من معين الوحي سقاهم غيرهم من آسن الآراء.
فكونوا أنتم السابقين إلى الخير، ودعوا عنكم نباح من رضي لنفسه أن يكون حارساً لبابٍ أضاع مفتاحه.
والله غالبٌ على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
---
كتبه
جلال أبي زيد الحريزي
٦ صفر ١٤٤٨
20 يوليو 2026
ما شاء الله، اللهم بارك.
مقالٌ رائعٌ ماتع، جمع فيه الكاتب بين حسن التأصيل، وقوة الاستدلال، وسلامة المنهج، وجمال العرض، فجزاه الله خير الجزاء، ونفع به الإسلام والمسلمين، وبارك في علمه وعمله، وزاده توفيقًا وسدادًا أخانا الشيخ جلال أبي زيد الحريزي الحبيب.
فضيلة الشيخ بلال بن عبد الغني السالمي حفظه الله
