ما الذي تغيَّر يا بلال عبدالغني السالمي؟
(ما الذي تغيَّر يا بلال عبدالغني السالمي؟)
السؤال : مئتان وتسعة وثمانون:
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
كيف حالك شيخنا الحبيب؟
أنا وجدت هذا المنشور على صفحة ( سعيد الكردي) اليوم:
فكيف نرد على هذه الشبهة التي عرضها؟
الجواب بعون الملك الوهاب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
حيَّاكم الله، وبارك الله فيكم، وأسأل الله أن يرزقنا وإياكم الثبات على الحق حتى نلقاه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن مما يُؤسف له أن بعض الناس إذا أعوزه الجواب عن الحجة لجأ إلى إثارة الشبهات، وإحياء كلام قديم قيل في ظرف معين، يريد أن يجعله معارضًا لما استقر عليه الحكم بعد ظهور ما يوجب تغييره، وهذه ليست طريقة أهل الحديث، وإنما هي طريقة أهل الخصومات الذين يتعلقون بالمتشابه، ويتركون المحكم.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
أولًا: لا تناقض بين الثناء السابق والتحذير اللاحق إذا تغير موجب الحكم.
فإن أهل السُّنَّة لا يوالون الرجال لذواتهم، ولا يجعلون أحدًا معصومًا بعد رسول الله ﷺ، وإنما يوالون ويعادون بحسب ما يظهر من موافقة الحق أو مخالفته.
وقد أثنيتُ في ذلك الوقت على الشيخ عبد الله البخاري – عفا الله عنه – بحسب ما ظهر لي آنذاك، ولم أزكِّه تزكيةً مطلقة، ولم أدَّع له العصمة، بل نصصتُ في المقال نفسه على خلاف ذلك، فقلت: «ولا يُفهم من كلامي ادعاء العصمة له، أو أنه لا يخطئ». وهذا تصريحٌ بيِّنٌ بأن الثناء كان مقيدًا بما ظهر من حاله، لا شهادةً بعصمةٍ، ولا حكمًا مؤبدًا لا يقبل المراجعة.
فكيف يُجعل هذا الثناء بعد ذلك حجةً على امتناع الرجوع عنه إذا ظهر ما يوجب إعادة النظر، أو بان من الأقوال أو المواقف أو التصرفات ما لم يكن معلومًا حينئذ؟! فإن الرجوع إلى الحق بعد ظهور الدليل ليس تناقضًا ولا اضطرابًا، بل هو من تمام الإنصاف، ومن علامات اتباع الحق، وقد كان هذا دأب أئمة الإسلام في الجرح والتعديل، يثنون على الرجل ما استقام، ويحذرون منه إذا ظهر لهم ما يوجب التحذير، لا يحابون في دين الله أحدًا.
وهذا هو مقتضى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: 152]. فالعدل الذي أمر الله به يقتضي أن يُعطى كلُّ ذي حقٍّ حقَّه؛ فيُثنى على من استحق الثناء، ويُحذَّر ممن استحق التحذير، ولا يحمل المسلمَ ثناءٌ سابقٌ على الإصرار عليه بعد ظهور ما يوجب خلافه، فإن الحق أحق أن يُتَّبع، والأشخاص يُعرفون بالحق، ولا يُعرف الحق بالأشخاص.
السؤال : مئتان وتسعة وثمانون:
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
كيف حالك شيخنا الحبيب؟
أنا وجدت هذا المنشور على صفحة ( سعيد الكردي) اليوم:
(ما الذي تغيَّر يا # بلال _ عبدالغني _السالمي؟).
والذي أُشهد الله عليه وأَدين الله به: أن من أبرز من يُنتظر لحمل هذا اللواء بعد الإمام ربيع رحمه الله؛ هو: الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحيم البخاري – حفظه الله، فهو من أقرب الناس في هذا الباب إلى طريقة الإمام ربيع رحمه الله؛ فهو من العلماء السلفيين المعروفين بالتأصيل المنهجي الراسخ، والدقة في البيان، والعدل في الحكم، مع متانة علمية وورع يشهد به من عرفه، كما يتميز بتقعيد علمي رصين؛ قائم على طريقة أهل الحديث الكبار، وكثيرًا ما كان يرجع إليه طلابُ العلم في مسائل الجرح والتعديل وبعض المستجدات في الساحة الدعوية أثناء حياة الإمام، فلم نسمع من شيخنا الإمام ربيع رحمه الله إنكاراً عليه، بل سمعنا منه كثير الثناء عليه والإحالة إليه، ومات وهو عنه راض.
وليس يفهم من كلامي ادعاء العصمة للشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحيم البخاري حفظه الله تعالى وسدده، أو أنه لا يخطئ، حاشا وكلا فـ «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» ولا يفهم من كلامي أيضا حصر حمل لواء الجرح والتعديل عليه وحده، ولكن يوجد آخرون يُنتفع بعلمهم ويُرجع إليهم بقدر علمهم وورعهم، ولكنْ – حدُّ علمي - أنه من أبرز وأقوى من يمثل هذا الباب اليوم، من حيث:
1- التأصيل المنهجي المتين.
2- التخرج على كبار أهل السنة، وعلى رأسهم العلامة الإمام ربيع رحمه الله.
3- الإنصاف في الجرح، والبعد عن الغلو والتساهل.
4- تزكية كبار العلماء له، كشيخنا الإمام ربيع والعلامة عبيد الجابري رحمهما الله وغيرهما.
5- وقد حظي بقبول واسع بين المشايخ وطلاب العلم في العالم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
هذا... والله من وراء القصد وهو أعلى وأعلم.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
وكتب: أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري
الثغر السكندري – السبت: 24 / محرم / 1427هـ.
والآن يحذر من الشيخ عبدالله البخاري، الله المستعان ونسأل الله الثبات والعافية.
فكيف نرد على هذه الشبهة التي عرضها؟
الجواب بعون الملك الوهاب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
حيَّاكم الله، وبارك الله فيكم، وأسأل الله أن يرزقنا وإياكم الثبات على الحق حتى نلقاه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن مما يُؤسف له أن بعض الناس إذا أعوزه الجواب عن الحجة لجأ إلى إثارة الشبهات، وإحياء كلام قديم قيل في ظرف معين، يريد أن يجعله معارضًا لما استقر عليه الحكم بعد ظهور ما يوجب تغييره، وهذه ليست طريقة أهل الحديث، وإنما هي طريقة أهل الخصومات الذين يتعلقون بالمتشابه، ويتركون المحكم.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
أولًا: لا تناقض بين الثناء السابق والتحذير اللاحق إذا تغير موجب الحكم.
فإن أهل السُّنَّة لا يوالون الرجال لذواتهم، ولا يجعلون أحدًا معصومًا بعد رسول الله ﷺ، وإنما يوالون ويعادون بحسب ما يظهر من موافقة الحق أو مخالفته.
وقد أثنيتُ في ذلك الوقت على الشيخ عبد الله البخاري – عفا الله عنه – بحسب ما ظهر لي آنذاك، ولم أزكِّه تزكيةً مطلقة، ولم أدَّع له العصمة، بل نصصتُ في المقال نفسه على خلاف ذلك، فقلت: «ولا يُفهم من كلامي ادعاء العصمة له، أو أنه لا يخطئ». وهذا تصريحٌ بيِّنٌ بأن الثناء كان مقيدًا بما ظهر من حاله، لا شهادةً بعصمةٍ، ولا حكمًا مؤبدًا لا يقبل المراجعة.
فكيف يُجعل هذا الثناء بعد ذلك حجةً على امتناع الرجوع عنه إذا ظهر ما يوجب إعادة النظر، أو بان من الأقوال أو المواقف أو التصرفات ما لم يكن معلومًا حينئذ؟! فإن الرجوع إلى الحق بعد ظهور الدليل ليس تناقضًا ولا اضطرابًا، بل هو من تمام الإنصاف، ومن علامات اتباع الحق، وقد كان هذا دأب أئمة الإسلام في الجرح والتعديل، يثنون على الرجل ما استقام، ويحذرون منه إذا ظهر لهم ما يوجب التحذير، لا يحابون في دين الله أحدًا.
وهذا هو مقتضى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: 152]. فالعدل الذي أمر الله به يقتضي أن يُعطى كلُّ ذي حقٍّ حقَّه؛ فيُثنى على من استحق الثناء، ويُحذَّر ممن استحق التحذير، ولا يحمل المسلمَ ثناءٌ سابقٌ على الإصرار عليه بعد ظهور ما يوجب خلافه، فإن الحق أحق أن يُتَّبع، والأشخاص يُعرفون بالحق، ولا يُعرف الحق بالأشخاص.
ثانيًا: هذا الذي وقع ليس بدعًا من القول، بل هو عين منهج أئمة الجرح والتعديل قاطبة.
فإن أئمة هذا الشأن لم يكونوا يجعلون التعديل حكمًا مؤبدًا لا يقبل المراجعة، ولا التزكية صكًّا بالعصمة، بل كانت أحكامهم تدور مع ما يظهر لهم من حال الرجال، وجودًا وعدمًا؛ فيعدلون الرجل ما استقام أمره، ويجرحونه إذا تغير حفظه، أو ظهرت بدعته، أو تبين لهم من أمره ما يوجب جرحه، وربما اختلفت أقوال الإمام نفسه في الرجل الواحد بحسب ما تجدد له من علمٍ بحاله.
ولو كان الرجوع عن التعديل تناقضًا، أو كان الثناء الأول مانعًا من الجرح بعده، لما استقام علم الجرح والتعديل، ولا بقي له أصل، ولأصبحت أحكام الأئمة جامدةً لا تتغير، وهذا مما لم يقل به أحد من أهل العلم.
ولهذا كان الأئمة ينهون عن تقليدهم، ويأمرون باتباع الدليل؛ فقال الإمام أحمد رحمه الله: «لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا». وقال الإمام مالك رحمه الله: «كلٌّ يؤخذ من قوله ويُترك إلا صاحب هذا القبر ﷺ».
فمن فهم هذا الأصل علم أن العبرة ليست بثناءٍ قيل في زمنٍ مضى، وإنما العبرة بما يقتضيه الدليل عند النظر في الحال بعد اكتمالها. فالأحكام الشرعية لا تُبنى على الأشخاص، وإنما تُبنى على الأسباب والعلل، فإذا وُجد سبب الثناء أُثني، وإذا وُجد سبب التحذير حُذِّر، تحقيقًا للعدل الذي أمر الله به، وإنزالًا للناس منازلهم بلا إفراط ولا تفريط، ولا محاباة ولا هوى.
ثالثًا: الاحتجاج بكلامٍ قديم ليس جوابًا عن التحذير الحالي، وإنما هو عدولٌ عن محل النزاع.
فإن محل البحث اليوم ليس: لقد سبق أن أثنيتَ على الشيخ عبد الله البخاري قبل سنوات فما الذي غيرك؟
أقول: هذا أمر لا أنكره، وهو ثابت منشور، وإنما محل النزاع الذي ينبغي أن يتوجه إليه البحث هو: هل الأسباب التي بُني عليها التحذير اليوم صحيحة ثابتة، وموجبة لهذا الحكم، أم لا؟
فمن أراد إبطال التحذير، فليتفضل بمناقشة أسبابه وأدلته مناقشةً علمية مؤصلة، يبين فيها فسادها أو عدم صلاحيتها للاحتجاج، أما الاكتفاء بإحياء كلام قديم قيل في ظرفٍ مغاير، ثم جعله معارضًا للحكم اللاحق، مع الإعراض عن مناقشة مستنده؛ فليس هذا من طرائق أهل العلم، وإنما هو صرفٌ للأنظار عن محل النزاع، وإيهامٌ للعامة بأن مجرد الثناء السابق يبطل كل حكم لاحق، وهذا باطل عقلًا وشرعًا.
ولهذا لو نقل ناقلٌ عن الإمام أحمد رحمه الله ثناءه على رجل في مرحلة من المراحل، ثم كتم كلامه المتأخر الذي حذر فيه منه بعد أن ظهر له ما يوجب التحذير، لعدَّ أهل الحديث صنيعه من التدليس وبتر كلام العلماء، لأنه أخفى ما استقر عليه اجتهاد الإمام، وأظهر ما تقدمه، فأوهم القارئ خلاف الحقيقة.
والعبرة عند أهل العلم بآخر اجتهاد العالم إذا عُلم، وبما استقر عليه نظره بعد اكتمال البحث وظهور الحجة، لا بما قاله قبل ذلك إذا ثبت رجوعه عنه أو تغير اجتهاده. ولهذا كان السلف يقولون: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وكانوا يعدون الرجوع إلى الصواب فضيلةً تُحمد، لا نقيصةً تُذم.
رابعًا: العبرة بما استقر عليه الحكم بعد اكتمال النظر وظهور الحجة، لا بما قيل قبل ذلك.
فإن العالم قد يثني على الرجل اعتمادًا على ما ظهر له من حاله في ذلك الوقت، ثم تتكشف له بعد ذلك أمور لم تكن معلومة لديه، أو تصدر من الرجل أقوال أو مواقف توجب إعادة النظر في حكمه، فيرجع إلى ما أداه إليه اجتهاده بعد استيفاء النظر، وهذا ليس تناقضًا، بل هو مقتضى الأمانة العلمية والعدل الشرعي.
بل إن الإصرار على الحكم الأول بعد ظهور ما يوجب خلافه هو المذموم شرعًا، أما الرجوع إلى الحق بعد ظهوره فهو منقبة لأهله، ودليل على إخلاصهم وتجردهم للحق، إذ لا يأنفون أن يرجعوا إليه متى تبين لهم، لأن غايتهم اتباع الدليل لا الانتصار للنفس.
ولهذا كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه يقول: «ولا يمنعنك قضاءٌ قضيتَه بالأمس، ثم راجعتَ فيه نفسك، فهُديتَ فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم، والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل».
وهذا أصل جليل من أصول الشريعة، سار عليه أئمة الإسلام في فتاواهم وأحكامهم، بل وفي الجرح والتعديل خاصة؛ إذ كانوا يرجعون عن أقوالهم إذا ظهر لهم ما يقتضي الرجوع، ولم يروا في ذلك غضاضة، لأن ميزانهم هو الحق، لا الأشخاص، والدليل، لا مجرد السوابق. فمن جعل ثناءً قديمًا مانعًا من الرجوع عنه بعد ظهور موجبه، فقد ناقض هذا الأصل العظيم، وجعل الأحكام تابعةً للأشخاص لا للأدلة، وذلك خلاف سبيل أهل السنة والجماعة.
وأنا – ولله الحمد والمنة – لم أخرج في ذلك عن سبيل أئمة أهل السُّنَّة والجماعة، بل أسير على آثارهم، وأقتدي بمنهجهم في أن الأحكام تُبنى على الدليل، وتدور مع عللها وجودًا وعدمًا، فلا يحملني ثناءٌ سابق على الإصرار عليه إذا ظهر ما يوجب خلافه، كما لا يحملني خلافٌ لاحق على بخس الناس حقوقهم أو إنكار ما كان لهم من فضل.
فإن أئمة هذا الشأن لم يكونوا يجعلون التعديل حكمًا مؤبدًا لا يقبل المراجعة، ولا التزكية صكًّا بالعصمة، بل كانت أحكامهم تدور مع ما يظهر لهم من حال الرجال، وجودًا وعدمًا؛ فيعدلون الرجل ما استقام أمره، ويجرحونه إذا تغير حفظه، أو ظهرت بدعته، أو تبين لهم من أمره ما يوجب جرحه، وربما اختلفت أقوال الإمام نفسه في الرجل الواحد بحسب ما تجدد له من علمٍ بحاله.
ولو كان الرجوع عن التعديل تناقضًا، أو كان الثناء الأول مانعًا من الجرح بعده، لما استقام علم الجرح والتعديل، ولا بقي له أصل، ولأصبحت أحكام الأئمة جامدةً لا تتغير، وهذا مما لم يقل به أحد من أهل العلم.
ولهذا كان الأئمة ينهون عن تقليدهم، ويأمرون باتباع الدليل؛ فقال الإمام أحمد رحمه الله: «لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا». وقال الإمام مالك رحمه الله: «كلٌّ يؤخذ من قوله ويُترك إلا صاحب هذا القبر ﷺ».
فمن فهم هذا الأصل علم أن العبرة ليست بثناءٍ قيل في زمنٍ مضى، وإنما العبرة بما يقتضيه الدليل عند النظر في الحال بعد اكتمالها. فالأحكام الشرعية لا تُبنى على الأشخاص، وإنما تُبنى على الأسباب والعلل، فإذا وُجد سبب الثناء أُثني، وإذا وُجد سبب التحذير حُذِّر، تحقيقًا للعدل الذي أمر الله به، وإنزالًا للناس منازلهم بلا إفراط ولا تفريط، ولا محاباة ولا هوى.
ثالثًا: الاحتجاج بكلامٍ قديم ليس جوابًا عن التحذير الحالي، وإنما هو عدولٌ عن محل النزاع.
فإن محل البحث اليوم ليس: لقد سبق أن أثنيتَ على الشيخ عبد الله البخاري قبل سنوات فما الذي غيرك؟
أقول: هذا أمر لا أنكره، وهو ثابت منشور، وإنما محل النزاع الذي ينبغي أن يتوجه إليه البحث هو: هل الأسباب التي بُني عليها التحذير اليوم صحيحة ثابتة، وموجبة لهذا الحكم، أم لا؟
فمن أراد إبطال التحذير، فليتفضل بمناقشة أسبابه وأدلته مناقشةً علمية مؤصلة، يبين فيها فسادها أو عدم صلاحيتها للاحتجاج، أما الاكتفاء بإحياء كلام قديم قيل في ظرفٍ مغاير، ثم جعله معارضًا للحكم اللاحق، مع الإعراض عن مناقشة مستنده؛ فليس هذا من طرائق أهل العلم، وإنما هو صرفٌ للأنظار عن محل النزاع، وإيهامٌ للعامة بأن مجرد الثناء السابق يبطل كل حكم لاحق، وهذا باطل عقلًا وشرعًا.
ولهذا لو نقل ناقلٌ عن الإمام أحمد رحمه الله ثناءه على رجل في مرحلة من المراحل، ثم كتم كلامه المتأخر الذي حذر فيه منه بعد أن ظهر له ما يوجب التحذير، لعدَّ أهل الحديث صنيعه من التدليس وبتر كلام العلماء، لأنه أخفى ما استقر عليه اجتهاد الإمام، وأظهر ما تقدمه، فأوهم القارئ خلاف الحقيقة.
والعبرة عند أهل العلم بآخر اجتهاد العالم إذا عُلم، وبما استقر عليه نظره بعد اكتمال البحث وظهور الحجة، لا بما قاله قبل ذلك إذا ثبت رجوعه عنه أو تغير اجتهاده. ولهذا كان السلف يقولون: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وكانوا يعدون الرجوع إلى الصواب فضيلةً تُحمد، لا نقيصةً تُذم.
رابعًا: العبرة بما استقر عليه الحكم بعد اكتمال النظر وظهور الحجة، لا بما قيل قبل ذلك.
فإن العالم قد يثني على الرجل اعتمادًا على ما ظهر له من حاله في ذلك الوقت، ثم تتكشف له بعد ذلك أمور لم تكن معلومة لديه، أو تصدر من الرجل أقوال أو مواقف توجب إعادة النظر في حكمه، فيرجع إلى ما أداه إليه اجتهاده بعد استيفاء النظر، وهذا ليس تناقضًا، بل هو مقتضى الأمانة العلمية والعدل الشرعي.
بل إن الإصرار على الحكم الأول بعد ظهور ما يوجب خلافه هو المذموم شرعًا، أما الرجوع إلى الحق بعد ظهوره فهو منقبة لأهله، ودليل على إخلاصهم وتجردهم للحق، إذ لا يأنفون أن يرجعوا إليه متى تبين لهم، لأن غايتهم اتباع الدليل لا الانتصار للنفس.
ولهذا كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه يقول: «ولا يمنعنك قضاءٌ قضيتَه بالأمس، ثم راجعتَ فيه نفسك، فهُديتَ فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم، والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل».
وهذا أصل جليل من أصول الشريعة، سار عليه أئمة الإسلام في فتاواهم وأحكامهم، بل وفي الجرح والتعديل خاصة؛ إذ كانوا يرجعون عن أقوالهم إذا ظهر لهم ما يقتضي الرجوع، ولم يروا في ذلك غضاضة، لأن ميزانهم هو الحق، لا الأشخاص، والدليل، لا مجرد السوابق. فمن جعل ثناءً قديمًا مانعًا من الرجوع عنه بعد ظهور موجبه، فقد ناقض هذا الأصل العظيم، وجعل الأحكام تابعةً للأشخاص لا للأدلة، وذلك خلاف سبيل أهل السنة والجماعة.
وأنا – ولله الحمد والمنة – لم أخرج في ذلك عن سبيل أئمة أهل السُّنَّة والجماعة، بل أسير على آثارهم، وأقتدي بمنهجهم في أن الأحكام تُبنى على الدليل، وتدور مع عللها وجودًا وعدمًا، فلا يحملني ثناءٌ سابق على الإصرار عليه إذا ظهر ما يوجب خلافه، كما لا يحملني خلافٌ لاحق على بخس الناس حقوقهم أو إنكار ما كان لهم من فضل.
وإنما غايتي – أسأل الله الإخلاص والسداد – اتباع الحق حيث كان، والحكم بما يغلب على ظني أنه يرضي الله تعالى، غير متعصب لشخص، ولا منتصر لنفس، فإن الحق أحب إلينا من كل أحد، والرجوع إليه خير من التمادي في خلافه.
خامسًا: هذه بعض الأسباب التي دعتني إلى تغيير موقفي، وهي محل النزاع الحقيقي، لا الثناء القديم.
ولست أطالب أحدًا أن يسلِّم لي بهذه الأسباب لمجرد ذكري لها، وإنما أطالب من اعترض على تحذيري أن يناقشها مناقشةً علمية، فإن أبطلها بالدليل رجعت إلى الحق، وإن ثبتت بقي الحكم المبني عليها. أما ترك هذه الأسباب كلها، والتعلق بمنشور كتب قبل سنوات، فليس من البحث العلمي في شيء.
ومن أبرز ما بنيت عليه موقفي:
1- ما صدر من الشيخ عبد الله البخاري من تأييدٍ للقتال في اليمن، على وجهٍ رأيتُ أنه مخالفٌ لما كان عليه شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله من الدعوة إلى لزوم الشرعية والوقوف مع التحالف العربي في ذلك الوقت، كما هو معروف من فتاواه وتصريحاته.
2- مؤازرته لعرفات المكار، وحرصه على صحبته والدفاع عنه، مع بلوغه – فيما قد علمتُ – ما يكفي من الأدلة والبيانات التي تبين كذبه ومكره بالدعوة السلفية، وكذلك ما ظهر من موالاته للحزب الانتقالي الجديد الموالي للعيدروس، وهو مما زاد الإشكال ولم يرفعه.
3- ما يُفهم من تغريداته المتعلقة بالسودان من تصوير القتال الدائر بأنه مجرد فتنة بين المسلمين يقتل بعضهم بعضًا، دون التفريق الذي أراه واجبًا بين الجيش النظامي والخوارج، وما يترتب على ذلك من الأحكام الشرعية.
4- ما صدر منه من أوصاف لا تليق بأهل العلم، كوصف مخالفيه بأنهم «أقزام خلف شاشات الإنترنت»، وما أكثر من ترديده لعبارة «جماعة الوضوح» أو «فرقة الوضوح» على وجه اللمز والتنابز، بدل مناقشة الأقوال بالحجة والبرهان.
5- ما ظهر من تسخطه على جماعة من الفضلاء من السلفيين، وازدرائه لهم، حتى قال: «إن العقلاء ذهبوا مع الحزبيين»، وهي عبارة لا أراها موافقة للعدل والإنصاف، لما تتضمنه من التعميم والطعن في خيار من أهل السنة.
6- ضعف حضوره في النوازل والفتن الدعوية الكبرى التي عصفت بالساحة السلفية، ولا سيما فيما يتعلق بقضايا الدماء في السودان واليمن، مع حاجة الناس إلى البيان، ثم لما تكلم بعض أهل العلم في هذه النوازل، وقع في لمزهم ومخاصمتهم، بل وتهديد بعضهم، كما وقع مع الشيخ الفاضل نزار – حفظه الله –.
فهذه – وغيرها – هي الأسباب التي حملتني على تغيير موقفي، وهي التي ينبغي أن تكون محل البحث والنقاش. فمن رأى أنني أخطأت في واحد منها فليبين وجه الخطأ بالدليل والبرهان، أما أن يُعرض عن هذه الأسباب جميعًا، ثم يُلوِّح بمنشور قديم كُتب في زمنٍ سابق، فليس ذلك جوابًا علميًا، ولا هو من منهج أهل الحديث في النقد والرد، وإنما هو صرفٌ للكلام عن محل النزاع الحقيقي.
هذا، وإني لأسأل الله تعالى أن يشرح صدر الشيخ عبد الله البخاري للحق، وأن يوفقه لمراجعة هذه المآخذ مراجعة المنصف المتجرد، فإن ظهر له الصواب رجع إليه، فإن الرجوع إلى الحق فضيلة، وقد كان دأب أئمة الإسلام قديمًا وحديثًا.
كما أرجو منه أن يتخذ موقفًا واضحًا جليًّا في هذه القضايا التي شغلت الساحة السلفية، بما يجمع الكلمة على الحق، ويزيل أسباب الفرقة، ويقرُّ به أعين أهل السُّنَّة، ويشرح به صدور السلفيين في مشارق الأرض ومغاربها.
كما أرجو من إخواني طلاب العلم، وكل من يبتغي وجه الله والدار الآخرة، أن يتجردوا للحق، وألا يتعصبوا لأحد كائنًا من كان، فإن العصمة قد انقطعت بوفاة رسول الله ﷺ، وكل أحد بعده يؤخذ من قوله ويترك. فليجعلوا ميزانهم الدليل، لا الرجال، والحق، لا الأشخاص، وليزنوا الأقوال والأفعال بميزان الكتاب والسُّنَّة، وفهم سلف الأمة، لا بميزان المحبة أو الهيبة أو كثرة الأتباع.
ولست أبتغي بهذا انتقاصًا لأحد، ولا تشفيًا من أحد، وإنما أرجو إصلاحًا ما استطعت، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]. فنسأل الله أن يؤلف بين قلوب أهل السنة على الحق، وأن يجنبهم أسباب الفتن والفرقة، وأن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
خامسًا: هذه بعض الأسباب التي دعتني إلى تغيير موقفي، وهي محل النزاع الحقيقي، لا الثناء القديم.
ولست أطالب أحدًا أن يسلِّم لي بهذه الأسباب لمجرد ذكري لها، وإنما أطالب من اعترض على تحذيري أن يناقشها مناقشةً علمية، فإن أبطلها بالدليل رجعت إلى الحق، وإن ثبتت بقي الحكم المبني عليها. أما ترك هذه الأسباب كلها، والتعلق بمنشور كتب قبل سنوات، فليس من البحث العلمي في شيء.
ومن أبرز ما بنيت عليه موقفي:
1- ما صدر من الشيخ عبد الله البخاري من تأييدٍ للقتال في اليمن، على وجهٍ رأيتُ أنه مخالفٌ لما كان عليه شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله من الدعوة إلى لزوم الشرعية والوقوف مع التحالف العربي في ذلك الوقت، كما هو معروف من فتاواه وتصريحاته.
2- مؤازرته لعرفات المكار، وحرصه على صحبته والدفاع عنه، مع بلوغه – فيما قد علمتُ – ما يكفي من الأدلة والبيانات التي تبين كذبه ومكره بالدعوة السلفية، وكذلك ما ظهر من موالاته للحزب الانتقالي الجديد الموالي للعيدروس، وهو مما زاد الإشكال ولم يرفعه.
3- ما يُفهم من تغريداته المتعلقة بالسودان من تصوير القتال الدائر بأنه مجرد فتنة بين المسلمين يقتل بعضهم بعضًا، دون التفريق الذي أراه واجبًا بين الجيش النظامي والخوارج، وما يترتب على ذلك من الأحكام الشرعية.
4- ما صدر منه من أوصاف لا تليق بأهل العلم، كوصف مخالفيه بأنهم «أقزام خلف شاشات الإنترنت»، وما أكثر من ترديده لعبارة «جماعة الوضوح» أو «فرقة الوضوح» على وجه اللمز والتنابز، بدل مناقشة الأقوال بالحجة والبرهان.
5- ما ظهر من تسخطه على جماعة من الفضلاء من السلفيين، وازدرائه لهم، حتى قال: «إن العقلاء ذهبوا مع الحزبيين»، وهي عبارة لا أراها موافقة للعدل والإنصاف، لما تتضمنه من التعميم والطعن في خيار من أهل السنة.
6- ضعف حضوره في النوازل والفتن الدعوية الكبرى التي عصفت بالساحة السلفية، ولا سيما فيما يتعلق بقضايا الدماء في السودان واليمن، مع حاجة الناس إلى البيان، ثم لما تكلم بعض أهل العلم في هذه النوازل، وقع في لمزهم ومخاصمتهم، بل وتهديد بعضهم، كما وقع مع الشيخ الفاضل نزار – حفظه الله –.
فهذه – وغيرها – هي الأسباب التي حملتني على تغيير موقفي، وهي التي ينبغي أن تكون محل البحث والنقاش. فمن رأى أنني أخطأت في واحد منها فليبين وجه الخطأ بالدليل والبرهان، أما أن يُعرض عن هذه الأسباب جميعًا، ثم يُلوِّح بمنشور قديم كُتب في زمنٍ سابق، فليس ذلك جوابًا علميًا، ولا هو من منهج أهل الحديث في النقد والرد، وإنما هو صرفٌ للكلام عن محل النزاع الحقيقي.
هذا، وإني لأسأل الله تعالى أن يشرح صدر الشيخ عبد الله البخاري للحق، وأن يوفقه لمراجعة هذه المآخذ مراجعة المنصف المتجرد، فإن ظهر له الصواب رجع إليه، فإن الرجوع إلى الحق فضيلة، وقد كان دأب أئمة الإسلام قديمًا وحديثًا.
كما أرجو منه أن يتخذ موقفًا واضحًا جليًّا في هذه القضايا التي شغلت الساحة السلفية، بما يجمع الكلمة على الحق، ويزيل أسباب الفرقة، ويقرُّ به أعين أهل السُّنَّة، ويشرح به صدور السلفيين في مشارق الأرض ومغاربها.
كما أرجو من إخواني طلاب العلم، وكل من يبتغي وجه الله والدار الآخرة، أن يتجردوا للحق، وألا يتعصبوا لأحد كائنًا من كان، فإن العصمة قد انقطعت بوفاة رسول الله ﷺ، وكل أحد بعده يؤخذ من قوله ويترك. فليجعلوا ميزانهم الدليل، لا الرجال، والحق، لا الأشخاص، وليزنوا الأقوال والأفعال بميزان الكتاب والسُّنَّة، وفهم سلف الأمة، لا بميزان المحبة أو الهيبة أو كثرة الأتباع.
ولست أبتغي بهذا انتقاصًا لأحد، ولا تشفيًا من أحد، وإنما أرجو إصلاحًا ما استطعت، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]. فنسأل الله أن يؤلف بين قلوب أهل السنة على الحق، وأن يجنبهم أسباب الفتن والفرقة، وأن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)