الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

التعلُّق بالله وحده وترك التعلُّق بما سواه

١٩ صفر ١٤٤٨ هـ٢ أغسطس ٢٠٢٦
المقالاتالرقائق والآداب
مقال الأسبوع:
(التعلُّق بالله وحده وترك التعلُّق بما سواه)


الحمد لله الواحدِ الأحد، الصمدِ الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، إليه يُفزع في الشدائد، وعليه يُعتمد في النوائب، وبيده مقاليد السموات والأرض، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا رادَّ لما قضى، ولا معقب لحكمه، وهو السميع البصير.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُحيي القلوب بعد مواتها، وتملؤها يقينًا بعد شتاتها، وتورثها عزًّا بعد ذلتها، وغنىً بعد فاقتها.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام الموحدين، وسيد المتوكلين، وأكمل الخلق افتقارًا إلى رب العالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:
فإن أجلَّ ما تُعمر به القلوب، وأشرف ما تتزين به النفوس، وأعظم ما يتقرب به العبد إلى علام الغيوب، أن يتعلق بالله وحده، وأن يفوض أمره إليه، وأن يقطع طمعه عما سواه، فلا يرجو إلا إياه، ولا يخاف إلا منه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفتقر إلا إليه؛ فإن القلب لا يصلح إلا بربه، ولا يطمئن إلا بذكره، ولا يسكن إلا بقربه، كما قال سبحانه: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28] .

وما شقيت القلوب إلا حين تعلقت بغير بارئها، وما ذاقت طعم الراحة إلا حين أقبلت على خالقها، وما تفرقت الهموم إلا يوم تفرقت المقاصد، وما اجتمعت الكلمة في القلب إلا يوم اجتمع على رب واحدٍ لا شريك له.

فكم من قلبٍ تعلَّق بمالٍ فخانه، أو بمنصبٍ فزاله، أو بصديقٍ ففارقه، أو بقوةٍ فخذلته، أو بسببٍ فانقطع حبله، فإذا هو بعد العز ذليل، وبعد الأنس وحيد، وبعد القوة كسير.

ولو أنه علق رجاءه بربه، وأسند أمره إلى مولاه، وعلم أن خزائن السموات والأرض بيده، وأن النفع والضر والعطاء والمنع إليه، لوجد في قلبه من السكينة ما لا يشتريه مال، ومن الطمأنينة ما لا يمنحه جاه، ومن الثبات ما لا تصنعه الجموع والأتباع.

قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، وقال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]. فحسبه في شدته ورخائه، وفي فقره وغناه، وفي ضعفه وقوته، وفي دنياه وأخراه.

يا عبد الله، إن الخلق كلهم فقراء، وإن العباد جميعًا محتاجون، وإن الملوك والرؤساء والعظماء والوجهاء لا يملكون لأنفسهم موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فكيف يُرجى من هو محتاج؟ وكيف يُركن إلى من هو مفتقر؟ وكيف يُؤمل من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا؟

لقد عرف السلف هذا الأصل العظيم، فهانت عليهم الدنيا بما فيها؛ لأنهم عرفوا من بيده الدنيا وما فيها، وعرفوا أن القلوب بيده، والأرزاق بيده، والآجال بيده، والعطاء بيده، والمنع بيده، فعاشوا أغنياء بالله وإن قلت أيديهم، وأعزة بالله وإن ضعف سلطانهم، وأقوياء بالله وإن تكالبت عليهم الخطوب، فاستراحوا من عبودية الخلق، وفازوا بعز العبودية للحق.

وكان أحدهم إذا نزلت به نازلة، أو أحاطت به كربة، أو اشتدت عليه محنة، لم يلتفت يمنة ولا يسرة، وإنما يرفع أكف الضراعة إلى ربه، ويطرق باب مولاه، ويوقن أن مفاتيح الفرج عنده، وأن خزائن الرحمة لديه.
ومن أعظم ثمرات التعلق بالله وحده أن من تعلق بربه كفاه، ومن اعتصم به وقاه، ومن توكل عليه هداه، ومن فوض أمره إليه تولاه؛ فهو سبحانه نعم المولى ونعم النصير.
وأما من علق قلبه بغير الله، وركن إلى سواه، وكله الله إلى من تعلق به، فخاب رجاؤه، وانقطع أمله، وخذله من ظن فيه النفع، إذ لا نافع ولا ضار على الحقيقة إلا الله. وقد جاء في الأثر عن وهب بن منبه رحمه الله أن الله أوحى إلى داود عليه السلام: أن من اعتصم به جعل له من كل ضيق مخرجًا، ومن اعتصم بغيره قطعت عنه أسباب التوفيق.

والمتعلق بالله لا تزعزعه الحوادث، ولا ترهبه الشدائد، لأنه يعلم أن الخلق جميعًا عبيدٌ مقهورون، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله، وأنهم لو اجتمعوا على نفعه أو ضره لم يجاوزوا ما كتبه الله له أو عليه.

واعلم أن كمال التوحيد لا يتم حتى يبرأ القلب من التعلق بالمخلوقين، فإن القلب لا يتسع لتعلقين متزاحمين؛ فإما تعلقٌ بالخالق، وإما تعلقٌ بالمخلوق. وكلما عظم توحيد العبد، قوي افتقاره إلى ربه، وضعف التفاته إلى غيره، حتى لا يبقى في قلبه معتمد ولا ملجأ ولا مقصود إلا الله وحده.

ومن تعلق بغير الله حكم على نفسه بالحرمان، وجلب إليها الخذلان؛ فإن أصل الشرك والبدع والفتن، وأصل كثير من المعاصي والمحن، إنما نشأ من تعلق القلوب بغير علام الغيوب. فاحرس قلبك، فإن القلب إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله.

ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارا إليه وخضوعا له: كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله. وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، ولقد صدق القائل:
بين التذلل والتدلل نقطة … في رفعها تتحير الأفهام
فأعظم ما يكون العبد قدرا وحرمة عند الخلق: إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم: كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم - ولو في شربة ماء - نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله، ولا يشرك به شيء» انتهى من (مجموع الفتاوى) [1/39]، ويقول ابن القيم رحمه الله في (الفوائد) [ص: 121]: «إذا أصبحَ العبدُ وأمسَى وليس هَمُّه إلا الله وحده؛ تَحَمَّلَ اللهُ سبحانه حوائجَه كلَّها، وحَمَلَ عنه كلَّ ما أهمَّهُ، وفرَّغَ قلبَه لمحبَّتِه ولسانَه لذكرِه وجوارحَه لطاعتِه.
وإن أصبح وأمسى والدُّنيا همُّهُ؛ حَمَّلهُ اللهُ همومَها وغُمومَها وأنكادَها، وَوَكَلَه إلى نفسه، فشَغَلَ قلبَه عن محبَّتِهِ بمحتَّةِ الخلق، ولسانَهُ عن ذكرِه بذكرهم، وجوارحَه عن طاعتِه بخدمتهم وأشغالهم؛ فهو يَكْدَحُ كَدْحَ الوحشِ في خدمة غيره؛ كالكِيرِ ينفُخ بطنَه ويَعصرُ أضالِعَه في نفعِ غيره.
فكلُّ من أعرضَ عن عبوديَّةِ اللهِ وطاعتِه ومحبَّتِهِ بُلِيَ بعبوديَّة المخلوق ومحبَّتِه وخدمتِه.» اهـ.
فهذه هي حقيقة العز، وذلك هو سر السعادة؛ أن يكون الله أكبر همك، وأعظم مطلوبك، ومنتهى قصدك.

وللتعلق بالله علاماتٌ ظاهرة، وآثارٌ باهرة؛ فمنها:
دوام الافتقار إليه، وكثرة اللجوء بين يديه، وحسن التوكل عليه، وتعاهد القلب بالتوبة والاستغفار، والإقبال على القرآن والذكر والدعاء، والفرح بطاعته، والأنس بخلوته، وشدة الحرص على الصلاة وبيوت الله، وحراسة الأوقات من الضياع، والاستعداد للقاء الله بقصر الأمل وحسن العمل.

ومن أجلِّ تلك العلامات أن يكون القلب متعلقًا بالله عند مباشرة الأسباب، فيأخذ بها امتثالًا، ولا يعتمد عليها اتكالًا، بل يرى أن الأسباب لا تعمل بنفسها، وإنما تعمل بإذن ربها. ولذلك لما مات رسول الله ﷺ ثبت الصديق رضي الله عنه أعظم ثبات، وقال كلمته الخالدة: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت»، فعلق القلوب بربها، ولم يعلقها بأحد من خلقه ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك من أعظم دلائل كمال توحيده، وقوة يقينه، وشدة تعلقه برب العالمين.

فيا للعجب! كيف يطمئن قلب إلى المخلوقين وهم يتقلبون؟ وكيف يسكن إلى الأسباب وهي تتبدل وتتغير؟ وكيف يأنس إلى الدنيا وهي دار فناء وزوال، ودار تحول وانتقال؟

إن من تعلق بالله لم تضره الوحشة إذا استوحش الناس، ولم تكسره الغربة إذا خذله الجلاس، ولم تزلزله الفتن إذا اضطربت القلوب واختلفت الأهواء؛ لأنه آوى إلى ركن شديد، واعتصم بحبل متين، ولجأ إلى رب كريم معين.

ومن تعلَّق بغير الله عُذِّب به؛ فإن من عدل الله في عباده، ومن حكمته البالغة في خلقه، أن يجعل عقوبة القلب الذي صرف شيئًا من تعلقه ورجائه وأنسه إلى غير مولاه، أن يُخذل من الجهة التي تعلَّق بها، وأن يُكسر على الباب الذي وقف عليه، وأن يُغلق في وجهه الباب الذي ظن أن الفرج يأتيه منه؛ حتى يعلم يقينًا أن العز كله لله، وأن القوة كلها لله، وأن الملك كله لله.

فكم من قلبٍ علق رجاءه بإنسان، فلما اشتدت حاجته إليه تركه وانصرف عنه! وكم من نفسٍ اطمأنت إلى مال، فما هي إلا أيام حتى صار وبالًا عليها أو فارقها وفارقته! وكم من امرئٍ اعتز بمنصب، فلما زال المنصب زال معه الأتباع، وانفض عنه الأحباب! وكم من عبدٍ ركن إلى قوته، فأراه الله ضعفه، أو وثق بعلمه، فأراه جهله، أو اغتر بصحته، فأذاقه مرضه؛ ليعلم أن الركون إلى الأسباب خذلان، وأن الافتقار إلى رب الأسباب أمان.

وما ذاك إلا لأن الله سبحانه يحب أن يكون قلب عبده له وحده، لا ينازعه فيه منازع، ولا يشاركه فيه شريك؛ فإذا رأى منه التفاتًا إلى غيره، أو ركونًا إلى سواه، ابتلاه بما يقطع العلائق، ويهدم العوائق، ويكشف له ضعف المخلوق، وعجز السبب، وخيبة التعلق بغير الرب؛ حتى يرده إليه ردًّا جميلًا، ويذيقه لذة الافتقار إليه، وحلاوة الاعتماد عليه، وبرد اليقين به، فيعلم أن كل باب سواه موصد، وكل حبل بغيره منقطع، وأنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه.

فطوبى لقلبٍ تعرَّف إلى ربِّه في الرخاء، فتعلَّق به في البلاء، واستغنى به عمن سواه؛ فإذا أظلمت عليه الدنيا أشرقت في قلبه أنوار اليقين، وإذا تكاثفت عليه الكروب انفسحت له أبواب الرجاء. ويا حسرةً في فرحة على قلبٍ لم يعرف ربَّه إلا بعد أن تقطعت به الأسباب، وتفرقت عنه الأحباب، وأُغلقت دونه الأبواب، فعلم حينئذٍ أن الخلق كلهم فقراء، وأن الغني الحميد هو الله وحده، ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: 42].
فيا من أثقلته الهموم، وأضنته الغموم، وأعياه تقلب الدنيا، لا تطرق بابًا قبل باب الله، ولا تعلِّق قلبك بأحدٍ سوى الله؛ فإن من وجد الله ماذا فقد؟ ومن فقد الله ماذا وجد؟ ومن استغنى بالله أغناه، ومن اعتز بالله أعزه، ومن توكل عليه كفاه، ومن فوض أمره إليه هداه، وصدق ربنا إذ قال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]. بلى والله، هو الكافي لمن توكل عليه، والواقي لمن اعتصم به، والهادي لمن أناب إليه، والحسيب لمن فوض أمره إليه.

فاللهم يا حي يا قيوم، ويا ذا الجلال والإكرام، اجعل قلوبنا معلقةً بك، وأرواحنا مقبلةً عليك، وألسنتنا رطبةً بذكرك، وأعمالنا خالصةً لوجهك، ولا تجعل في قلوبنا تعلقًا بغيرك، ولا توكلاً على سواك، وثبتنا على التوحيد والسُّنَّة حتى نلقاك، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

وكتب حامداً ومصلياً ومتوكلاً ومتعلقاً بالله وحده لا شريك له:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية عصر الاثنين : 6 من صفر 1448 هـ

مواد ذات صلة