الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

وهذه الملابس تُعرض أحيانًا على دُمى لها هيئة الإنسان من رأس وجسد، كما أننا في البيع عبر الشبكة لا نعرف حال المشتري، هل تستعملها في…

٢٧ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ١٤ مايو ٢٠٢٦
الفتاوىالمعاملاتالفقه والأحكام
السؤال: مئتان وأربعة وستون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا الفاضل بلال السالمي حفظك الله تعالى وبارك في علمك وعملك، ونفع بك الإسلام والمسلمين.
نسأل الله أن يجزيكم خير الجزاء على ما تبذلونه من تعليمٍ وتوجيهٍ ونصحٍ للمسلمين، وأن يثبتكم على السنة ويبارك في جهودكم.
شيخنا الكريم، هذا سؤال من بعض الأخوات، نرجو منكم التكرم بالإجابة عليه وبيان الحكم الشرعي فيه، أحسن الله إليكم:
يا شيخ، أعمل في بيع الملابس النسائية في محل، ومن هذه الملابس: الملابس الداخلية وملابس النوم والقصيرة أو الشفافة، وغالب الزبائن من العرائس والمتزوجات. كذلك لدينا متجر عبر الشبكة نعرض فيه هذه الملابس ونبيعها.
وهذه الملابس تُعرض أحيانًا على دُمى لها هيئة الإنسان من رأس وجسد، كما أننا في البيع عبر الشبكة لا نعرف حال المشتري، هل تستعملها في المباح أو في التبرج المحرم.
فما حكم تصميم هذه الملابس وبيعها، وما حكم العمل في مثل هذا المحل؟ وما حكم عرضها على هذه الدمى؟

الحمد لله:
الجواب المختصر:

الأصل في بيع الملابس النسائية وتصميمها والعمل في محلاتها: الجواز، إذا كانت مما يُستعمل استعمالًا مباحًا، كملابس الزوجة لزوجها، ولو كانت داخلية أو ملابس نوم؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يجب على البائع تتبع نيات المشترين.

لكن إن كانت الملابس معدَّة للتبرج المحرم وإظهار العورات أمام الأجانب، أو يغلب استعمالها في الفساد، فلا يجوز بيعها ولا الترويج لها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

وأما عرض الملابس على دمى كاملة الهيئة الإنسانية فلا يجوز؛ لما ورد في النهي عن الصور والتماثيل، ويُستعاض عنها بوسائل مباحة، كالمجسمات الناقصة أو تعليق الملابس دون دمى.

والبيع عبر الشبكة جائز ما دام الأصل في السلعة الإباحة، ولا يُعلم استعمالها في الحرام.

الجواب المفصل:
هذه المسألة تُبنى على عدة أصول شرعية:

الأصل الأول: أن الأصل في البيوع والمعاملات الحل والإباحة، كما قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، فلا يُمنع بيع لباس النساء لمجرد احتمال الاستعمال المحرم، وإلا لأُغلقت أبواب كثيرة من المعاملات.

وعليه؛ فبيع الملابس النسائية ـ ولو كانت داخلية أو ملابس نوم ـ جائز إذا كانت مما يُنتفع به في المباح، ولا سيما بين الزوجين، إذ هذا هو الغالب في مثل هذه السلع، ولا حرج في تصميمها ولا العمل في محل يبيعها.

الأصل الثاني: أن الإعانة على الحرام محرمة، لقوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ومعنى الآية بإيجاز: أن الله تعالى نهى عباده أن يُعين بعضهم بعضًا على أمرين:
الإثم: وهو كل معصية تتعلق بترك ما أوجب الله أو فعل ما حرَّم، فيدخل فيه كل ذنب صغيرًا كان أو كبيرًا.
العدوان: وهو مجاوزة حدود الله، سواء في حقوق الله أو حقوق العباد، كالبغي والظلم والتعدي.
فليس النهي مقتصرًا على فعل المعصية مباشرة، بل يشمل أيضًا كل وسيلة تُفضي إليها أو تُسهِّلها أو تُقرِّب منها.
ولهذا كان هذا الأصل من أعظم أصول الشريعة في سدِّ الذرائع، إذ يدخل فيه:

بيع ما يُستعان به على الحرام إذا غلب استعماله فيه أو تهيئة أسباب الفتنة والتبرج
أو تسهيل طرق المعصية ولو بغير مباشرة الفعل نفسه

فالمؤمن مأمور أن يكون عونًا على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، فما كان من الملابس مختصًا بالتبرج الفاحش أو إظهار العورات أمام الأجانب، أو صُمم على هيئة تدعو للفجور والإثارة المحرمة، فإنه يحرم تصنيعه وبيعه والترويج له؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد إذا غلب قصد الحرام أو استعماله.

والضابط هنا:
إن كان الاستعمال المباح ظاهرًا غالبًا: جاز البيع.
وإن كان الاستعمال المحرم هو الغالب أو المقصود: حرم البيع.

الأصل الثالث: أن البائع غير مكلَّف بالتفتيش عن نيات المشترين، بل يُبنى الحكم على الظاهر، ولهذا جاز بيع العنب مع احتمال أن يُعصر خمرًا، ما لم يُعلم أو يغلب على الظن قصد الحرام.

فلا حرج في البيع عبر المتاجر الإلكترونية مع الجهالة بحال المشتري، ما دام المنتج مباحًا في نفسه.

الأصل الرابع: حكم الدمى والمجسمات المعروضة عليها الملابس.
فإن كانت الدمى كاملة الهيئة الإنسانية بوجهٍ ورأسٍ وأعضاء ظاهرة، فالأصل منعها؛ لدخولها في عموم النهي عن الصور والتماثيل، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: « إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ » متفق عليه.
وكلما كانت الصورة مجسمة وتصف المفاتن كان التحريم أشد، ولهذا فالواجب اجتناب المجسمات الكاملة، والاستعاضة عنها ببدائل مباحة، مثل:
• المجسمات الناقصة التي لا رأس لها.
• أو التي طُمست ملامحها.
• أو تعليق الملابس مباشرة دون دمى.

فينبغي للمسلم أن يتحرى الكسب الطيب، وأن يبتعد عن كل ما يفضي إلى نشر الفتنة والتبرج، وأن يستحضر قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. والله أعلم.

من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)

مواد ذات صلة