لاحظت شيخنا مؤخرا كثيرا من بعض طلبة العلم حكموا لمشايخ بأنهم علماء ولم نسمع أحدا من كبار العلماء شهد لهم بهذه الرتبة فيما بلغنا، فهل يعد…
السؤال الحادي والثلاثون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سؤال شيخنا بارك الله فيكم
لاحظت شيخنا مؤخرا كثيرا من بعض طلبة العلم حكموا لمشايخ بأنهم علماء ولم نسمع أحدا من كبار العلماء شهد لهم بهذه الرتبة فيما بلغنا، فهل يعد هذا تجاوزا من هؤلاء الطلاب وتكلمهم فيما لا ينبغي التكلم فيه أو الحكم فيه، أفيدونا بارك الله فيكم ؟
الحمد لله:
نعم؛ فإن لقب «العالِم» قد ابتذل وامتهن في هذا الزمان – زمن العجائب- وادعاه من فرَّ منهم رسم العلم، وأطلقه عليهم أغرار جهال يحركهم الهوى والتعصب تارة والجهل وقلة العلم تارة أخرى.
فالوصف بالعالم أو المجتهد أو الفقيه أو المحدث أو غير ذلك من المصطلحات أمر شرعي، لا يجوز التساهل في إطلاقه على كل من تكلم في العلم، فقد يكون الرجل قد شاخ في الدعوة إلى الله، وبذل فيها ما في وسعه من الجهد في نشر العلم ، ولكنه لم يصل إلى درجة العالم، ولا يضره هذا ولا يعيبه، إنما هي فتوحات من رب البريات.
ومن أهمية هذه المسألة وخطورة الخوض فيها لم يدعها العلماء هملاً يتلجلج فيها الناس بل أودعوها في كتبهم بِمَهِيَّتِها وشروطها وصفاتها.
فقد بوب الإمام الآجريُّ في كتابه الماتع (أخلاق العلماء) [ص: 46] باباً عظيماً في ذلك فقال: (بَابُ أَوْصَافِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ نَفَعَهُمُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) اهـ. وذكر جملة كبيرة من صفات العالم، وكذلك بوب الإمام ابنُ عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) [3/807] باباً نفيسا في ذلك فقال: (بَابُ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى فَقِيهًا أَوْ عَالِمًا حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ الْفُتْيَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ) اهـ. وغيرهما الكثير والكثير.
ولقد ضبط أصحاب الحديث صفات العلماء وهيئاتهم وأحوالهم في غير موضع من كتبهم، وهأنذا - في هذه العجالة - سأسرد بعض الشروط والصفات المهمة التي إذا انحسر منها شيء عمن تصدى للعلم تفاوتت رتبته عن غيره بقدر الانحسار إلى أن يسلب منه هذا الوصف المنيف واللقب الشريف، ومن ذلك:
1- أن يكون على علم بنصوص الكتاب والسنة، ولا يشترط معرفته بجميع الكتاب والسنة، بل ما يتعلق منهما بالأحكام.
2- أن يكون على علم بمسائل الإِجماع حتى لا يفتي بخلاف ما وقع الإجماع عليه.
3- أن يكون على علم بالناسخ والمنسوخ مخافة أن يقع في الحكم بالمنسوخ.
4- أن يكون على علم بالصحيح والضعيف من الأحاديث وبما يصلح للاحتجاج به وما لا يصلح.
5- أن يكون على علم بأصول الفقه لاشتماله على ما تمس الحاجة إليه، قال الشوكاني رحمه الله: (فإنه إذا فعل ذاك تمكن من رد الفروع إلى أصولها، بأيسر علم، وإذا قصر في هذا الفن صعب عليه الرد، وخبط فيه وخلط) اهـ (إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول) [2/209].
6- أن يكون على علم بلسان العرب بحيث يمكنه تفسير ما ورد في الكتاب والسنة من الغريب ونحوه، قال مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: " ألَا أُوتَى بِرَجُلٍ غَيْرِ عَالِمٍ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ يُفَسِّرُ ذَلِكَ [أي: القرآن] إِلَّا جَعَلْتُهُ نَكَالًا ) اهـ. أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان) [3/543 رقم: ٢٠٩٠].
7- أن يكون ذا خشية: قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: ٢٨]، قَالَ رَجُلٌ لِلشَّعْبِيِّ: أَفْتِنَا أَيُّهَا الْعَالِمُ , قَالَ: الْعَالِمُ مَنْ يَخَافُ اللَّهَ) أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) [7/339 رقم: ٣٥٦٦٨].
8- أن يتصف بالصدق والأمانة: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: ١١٩] قال الزُّهْرِيُّ: «إِنَّ لِلْعِلْمِ غَوَائِلَ ....... وَمِنْ غَوَائِلِهِ الْكَذِبُ فِيهِ وَهُوَ شَرُّ غَوَائِلِهِ» أخرجه أبو نعيم في (الحلية) [3/364].
9- أن يكون مخلصاً عاملاً بعلمه ولا يحب الظهور: قال أبو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ عَطَاءٍ الرُّوذَبَارِيُّ،: (مَنْ خَرَجَ إِلَى الْعِلْمِ يُرِيدُ الْعِلْمَ، لَمْ يَنفَعْهُ الْعِلْمُ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى الْعِلْمِ يُرِيدُ الْعَمَلَ بِالْعِلْمِ، نَفَعَهُ قَلِيلُ الْعِلْمِ) وقَالَ: (الْعِلْمُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَالْعَمَلُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ، وَالْإِخْلَاصُ لِلَّهِ يُورِثُ الْفَهْمَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ). أخرجه الخطيب في المنتخب من كتاب الزهد والرقائق) [ص: 71 رقم: 25]. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: «الْعُلَمَاءُ إِذَا عَلِمُوا عَمِلُوا، فَإِذَا عَمِلُوا شُغِلُوا، فَإِذَا شُغِلُوا فُقِدُوا، فَإِذَا فُقِدُوا طُلِبُوا، فَإِذَا طُلِبُوا هَرَبُوا» . انتهى من (جامع بيان العلم وفضله) لابن عبد البر رحمه الله [1/700 رقم: ١٢٤٨].
10- أن يكون ذا حلم وسكينة وتواضع: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَتَعَلَّمُوا لِلْعِلْمِ السَّكِينَةَ وَالْحِلْمَ وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَ، وَلْيَتَوَاضَعْ لَكُمْ مَنْ تُعَلِّمُونَ وَلَا تَكُونُوا مِنْ جَبَابِرَةِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَقُمْ عِلْمُكُمْ مَعَ جَهْلِكُمْ» أخرجه أحمد في (الزهد) [ص: 99 رقم: 630].
تلك عشرة كاملة؛ فقد تتفاوت رتبة العالم بتفاوت هذه الأوصاف قوة وضعفاً، والله أعلم بأقدار خلقه.
هذا... ومن أمتع ما تقرأ في هذا الباب ما قاله الإمام ابنُ القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين عن رب العالمين) [2/16]: (ولما كان التبليغُ عن اللَّه -سبحانه- يعتمد العلم بما يبلغ، والصدقَ فيه، لم تصلح مرتبة التبليِغ بالرواية والفُتْيَا؛ إلا لمن اتصف بالعلم والصدق؛ فيكون عالمًا بما يُبلِّغ، صادقًا فيه، ويكون مع ذلك حَسَنَ الطريقة، مرضِيَّ السيرة، عدلًا في أقوالِه وأفعاله، متشابه السِرِّ والعلانية في مَدْخله ومَخَرْجه وأحواله؛ وإذا كان مَنْصِبُ التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنْكَر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السّنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟.
فحقيقٌ بمن أقِيمَ في هذا المنصب أن يُعِدَّ له عُدَّته، وأن يتأهب له أهْبَتَه، وأن يعلم قَدْرَ المقام الذي أُقيمَ فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصَّدْع به؛ فإن اللَّه ناصرُه وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولَّاه بنفسه ربُّ الأرباب؛ فقال تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) [النساء: ١٢٧]، وكفى بما تولاه اللَّه (تعالى- بنفسه) شرفًا وجلالةً؛ إذ يقول في كتابه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) [النساء: ١٧٦]، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليُوقِنْ أنه مسئول غدًا ومَوْقُوف بين يدي اللَّه.) اهـ..
هذا والله أعلم، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري
الثغر السكندري – السبت: 19/ ذوو القعدة / 1446هـ.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سؤال شيخنا بارك الله فيكم
لاحظت شيخنا مؤخرا كثيرا من بعض طلبة العلم حكموا لمشايخ بأنهم علماء ولم نسمع أحدا من كبار العلماء شهد لهم بهذه الرتبة فيما بلغنا، فهل يعد هذا تجاوزا من هؤلاء الطلاب وتكلمهم فيما لا ينبغي التكلم فيه أو الحكم فيه، أفيدونا بارك الله فيكم ؟
الحمد لله:
نعم؛ فإن لقب «العالِم» قد ابتذل وامتهن في هذا الزمان – زمن العجائب- وادعاه من فرَّ منهم رسم العلم، وأطلقه عليهم أغرار جهال يحركهم الهوى والتعصب تارة والجهل وقلة العلم تارة أخرى.
فالوصف بالعالم أو المجتهد أو الفقيه أو المحدث أو غير ذلك من المصطلحات أمر شرعي، لا يجوز التساهل في إطلاقه على كل من تكلم في العلم، فقد يكون الرجل قد شاخ في الدعوة إلى الله، وبذل فيها ما في وسعه من الجهد في نشر العلم ، ولكنه لم يصل إلى درجة العالم، ولا يضره هذا ولا يعيبه، إنما هي فتوحات من رب البريات.
ومن أهمية هذه المسألة وخطورة الخوض فيها لم يدعها العلماء هملاً يتلجلج فيها الناس بل أودعوها في كتبهم بِمَهِيَّتِها وشروطها وصفاتها.
فقد بوب الإمام الآجريُّ في كتابه الماتع (أخلاق العلماء) [ص: 46] باباً عظيماً في ذلك فقال: (بَابُ أَوْصَافِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ نَفَعَهُمُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) اهـ. وذكر جملة كبيرة من صفات العالم، وكذلك بوب الإمام ابنُ عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) [3/807] باباً نفيسا في ذلك فقال: (بَابُ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى فَقِيهًا أَوْ عَالِمًا حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ الْفُتْيَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ) اهـ. وغيرهما الكثير والكثير.
ولقد ضبط أصحاب الحديث صفات العلماء وهيئاتهم وأحوالهم في غير موضع من كتبهم، وهأنذا - في هذه العجالة - سأسرد بعض الشروط والصفات المهمة التي إذا انحسر منها شيء عمن تصدى للعلم تفاوتت رتبته عن غيره بقدر الانحسار إلى أن يسلب منه هذا الوصف المنيف واللقب الشريف، ومن ذلك:
1- أن يكون على علم بنصوص الكتاب والسنة، ولا يشترط معرفته بجميع الكتاب والسنة، بل ما يتعلق منهما بالأحكام.
2- أن يكون على علم بمسائل الإِجماع حتى لا يفتي بخلاف ما وقع الإجماع عليه.
3- أن يكون على علم بالناسخ والمنسوخ مخافة أن يقع في الحكم بالمنسوخ.
4- أن يكون على علم بالصحيح والضعيف من الأحاديث وبما يصلح للاحتجاج به وما لا يصلح.
5- أن يكون على علم بأصول الفقه لاشتماله على ما تمس الحاجة إليه، قال الشوكاني رحمه الله: (فإنه إذا فعل ذاك تمكن من رد الفروع إلى أصولها، بأيسر علم، وإذا قصر في هذا الفن صعب عليه الرد، وخبط فيه وخلط) اهـ (إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول) [2/209].
6- أن يكون على علم بلسان العرب بحيث يمكنه تفسير ما ورد في الكتاب والسنة من الغريب ونحوه، قال مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: " ألَا أُوتَى بِرَجُلٍ غَيْرِ عَالِمٍ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ يُفَسِّرُ ذَلِكَ [أي: القرآن] إِلَّا جَعَلْتُهُ نَكَالًا ) اهـ. أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان) [3/543 رقم: ٢٠٩٠].
7- أن يكون ذا خشية: قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: ٢٨]، قَالَ رَجُلٌ لِلشَّعْبِيِّ: أَفْتِنَا أَيُّهَا الْعَالِمُ , قَالَ: الْعَالِمُ مَنْ يَخَافُ اللَّهَ) أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) [7/339 رقم: ٣٥٦٦٨].
8- أن يتصف بالصدق والأمانة: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: ١١٩] قال الزُّهْرِيُّ: «إِنَّ لِلْعِلْمِ غَوَائِلَ ....... وَمِنْ غَوَائِلِهِ الْكَذِبُ فِيهِ وَهُوَ شَرُّ غَوَائِلِهِ» أخرجه أبو نعيم في (الحلية) [3/364].
9- أن يكون مخلصاً عاملاً بعلمه ولا يحب الظهور: قال أبو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ عَطَاءٍ الرُّوذَبَارِيُّ،: (مَنْ خَرَجَ إِلَى الْعِلْمِ يُرِيدُ الْعِلْمَ، لَمْ يَنفَعْهُ الْعِلْمُ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى الْعِلْمِ يُرِيدُ الْعَمَلَ بِالْعِلْمِ، نَفَعَهُ قَلِيلُ الْعِلْمِ) وقَالَ: (الْعِلْمُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَالْعَمَلُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ، وَالْإِخْلَاصُ لِلَّهِ يُورِثُ الْفَهْمَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ). أخرجه الخطيب في المنتخب من كتاب الزهد والرقائق) [ص: 71 رقم: 25]. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: «الْعُلَمَاءُ إِذَا عَلِمُوا عَمِلُوا، فَإِذَا عَمِلُوا شُغِلُوا، فَإِذَا شُغِلُوا فُقِدُوا، فَإِذَا فُقِدُوا طُلِبُوا، فَإِذَا طُلِبُوا هَرَبُوا» . انتهى من (جامع بيان العلم وفضله) لابن عبد البر رحمه الله [1/700 رقم: ١٢٤٨].
10- أن يكون ذا حلم وسكينة وتواضع: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَتَعَلَّمُوا لِلْعِلْمِ السَّكِينَةَ وَالْحِلْمَ وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَ، وَلْيَتَوَاضَعْ لَكُمْ مَنْ تُعَلِّمُونَ وَلَا تَكُونُوا مِنْ جَبَابِرَةِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَقُمْ عِلْمُكُمْ مَعَ جَهْلِكُمْ» أخرجه أحمد في (الزهد) [ص: 99 رقم: 630].
تلك عشرة كاملة؛ فقد تتفاوت رتبة العالم بتفاوت هذه الأوصاف قوة وضعفاً، والله أعلم بأقدار خلقه.
هذا... ومن أمتع ما تقرأ في هذا الباب ما قاله الإمام ابنُ القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين عن رب العالمين) [2/16]: (ولما كان التبليغُ عن اللَّه -سبحانه- يعتمد العلم بما يبلغ، والصدقَ فيه، لم تصلح مرتبة التبليِغ بالرواية والفُتْيَا؛ إلا لمن اتصف بالعلم والصدق؛ فيكون عالمًا بما يُبلِّغ، صادقًا فيه، ويكون مع ذلك حَسَنَ الطريقة، مرضِيَّ السيرة، عدلًا في أقوالِه وأفعاله، متشابه السِرِّ والعلانية في مَدْخله ومَخَرْجه وأحواله؛ وإذا كان مَنْصِبُ التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنْكَر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السّنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟.
فحقيقٌ بمن أقِيمَ في هذا المنصب أن يُعِدَّ له عُدَّته، وأن يتأهب له أهْبَتَه، وأن يعلم قَدْرَ المقام الذي أُقيمَ فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصَّدْع به؛ فإن اللَّه ناصرُه وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولَّاه بنفسه ربُّ الأرباب؛ فقال تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) [النساء: ١٢٧]، وكفى بما تولاه اللَّه (تعالى- بنفسه) شرفًا وجلالةً؛ إذ يقول في كتابه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) [النساء: ١٧٦]، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليُوقِنْ أنه مسئول غدًا ومَوْقُوف بين يدي اللَّه.) اهـ..
هذا والله أعلم، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري
الثغر السكندري – السبت: 19/ ذوو القعدة / 1446هـ.