الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

بين أعداء الأنبياء وأعداء الصحابة

٢٢ رمضان ١٤٤٧ هـ١١ مارس ٢٠٢٦
المقالاتالمنهج والدعوة السلفيةالفرق والأحزابفلسطينالنوازل والأحداثإيران والرافضة
مقال الأسبوع:
(بين أعداء الأنبياء وأعداء الصحابة)
الصراع بين اليهود (دولة إسرائيـــل) وإيـــران.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإنَّ المتأمل في واقع الأمة اليوم يرى صراعًا محتدمًا في منطقتنا بين قوتين كبيرتين: الكيان الصهيوني من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى.
وهو صراعٌ معقَّد، تختلط فيه المصالح السياسية بالمشاريع العقائدية، وتتشابك فيه الأطماع الإقليمية مع الحسابات الدولية.

ومن اللافت أن هذا الصراع يجري بين قوتين متعاديتين -في الظاهر-، لكن كلَّ واحدةٍ منهما تحمل مشروعًا يضرُّ بالأمة العربية والإسلامية، وإن اختلفت الشعارات والوسائل.

أولًا: تشابهت قلوبهم:
ومن أوجه التشابه التي ذكرها بعض علماء السلف بين اليهود والرافضة ما نقله الفقيه الأديب أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي في كتابه العقد الفريد، حيث أورد تحذير الإمام الشعبي لمالك بن معاوية من الأهواء والبدع، فقال:
"أحذرك الأهواء المضلَّة، وشرَّها الرافضة؛ فإنها يهود هذه الأمة، يبغضون الإسلام كما يبغض اليهود النصرانية، ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله، ولكن مقتًا لأهل الإسلام وبغيًا عليهم…
وذلك أن محنة الرافضة كمحنة اليهود؛ قالت اليهود: لا يكون الملك إلا في آل داود، وقالت الرافضة: لا يكون الملك إلا في آل عليّ بن أبي طالب.
وقالت اليهود: لا يكون جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح المنتظر، وينادي منادٍ من السماء، وقالت الرافضة: لا جهاد حتى يخرج المهدي…"

ثم ذكر الشعبي جملةً من أوجه التشابه في بعض الأقوال والمواقف، حتى قال: "ولليهود والنصارى فضيلة على الرافضة في خصلتين:
سُئل اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى.
وسُئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب عيسى.
وسُئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد."
وهذا الكلام إنما سيق في سياق التحذير من الطعن في أصحاب النبي ﷺ؛ لأن الصحابة هم حملة الشريعة ونقلة الدين، وقد أثنى الله عليهم في كتابه فقال:
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (التوبة: 100)، وقال النبي ﷺ: «لا تسبوا أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» متفق عليه.

فأهل السُّنَّة والجماعة يعتقدون أنَّ محبَّة الصحابة والترضي عنهم من أصول الاعتقاد وأركان منهج أهل الإسلام؛ إذ هم صفوةُ الأمة بعد نبيها ﷺ، اختارهم الله لصحبته، وشرّفهم بحمل رسالته، وجعلهم جسرَ الوحي بين النبي ﷺ والأمة.

فهم الذين حفظوا القرآن في صدورهم، ورووا السنة بألسنتهم، ونشروا الإسلام بدمائهم وأموالهم، حتى بلغ الدين مشارق الأرض ومغاربها.

ولهذا فإنَّ الطعن في الصحابة ليس طعنًا في رجالٍ من التاريخ فحسب، بل هو طعنٌ في الشريعة نفسها؛ لأنهم هم الذين نقلوا القرآن والسنة، فإذا سقطت عدالتهم في نظر الطاعنين سقطت الثقة بالدين الذي حملوه وبلغوه.
ولهذا قال أهل العلم:
إنَّ محبَّة الصحابة دينٌ وإيمان، وبغضهم نفاقٌ وعدوان؛ لأنهم خيار الأمة، وأبرُّها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا.

فمن أحبهم واقتفى أثرهم فقد سلك طريق السنة والهدى، ومن طعن فيهم أو تنقَّصهم فقد طعن – من حيث يشعر أو لا يشعر – في الدين الذي نقلوه إلى الأمة.
ولهذا فإن المتأمل في تاريخ الصراعات العقدية في الأمة يجد أن الطعن في الأنبياء كان سمةً من سمات اليهود، والطعن في الصحابة صار شعارًا لكثير من فرق الرفض؛ فكأن التاريخ يعيد نفسه بصورٍ مختلفة.
فاليهود حاربوا الأنبياء، والرافضة طعنوا في أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والدين لا يُعرف إلا بالأنبياء وأصحابهم.
ولهذا كان منهج أهل السنة واضحًا جليًا: محبة الصحابة، والترضي عنهم، والكف عما شجر بينهم، لأنهم الجيل الذي حمل الدين ونقله للأمة.

ثانيًا: التلاقي في الأهداف والمصالح:
إن من أخطر مظاهر الانحراف في المشروع الرافضي ما آل إليه من تلاقي في النتائج مع المشروع الصهيوني في إضعاف العالم الإسلامي وتمزيق وحدته. فالصراعات الطائفية التي أشعلتها الشيعة الروافض والجماعات المرتبطة بهذا المشروع في عدد من البلدان الإسلامية لم تؤدِّ إلا إلى الاقتتال بين المسلمين، وإضعاف الدول، وتمكين أعداء الأمة من التغلغل في جسدها.

ففي الجانب الديني فمصادر الفكر الرافضي المعتمدة عندهم: القول بتحريف القرآن والطعن في الصحابة، مع تضييقٍ على أهل السُّنّة في بعض المناطق التي يهيمن عليها النفوذ الإيراني، مما يزرع العداوة داخل المجتمع الإسلامي.

وفي الجانب الفكري والاجتماعي رُوّجت أفكار وفتاوى شاذة – كزواج المتعة ونحوها – مع إطلاق قنوات ومنابر إعلامية لا همَّ لها سوى الطعن في الإسلام والصحابة وأمهات المؤمنين وعقائد أهل السُّنَّة.

أما في الجانب السياسي، فقد سعى المشروع الإيراني إلى توسيع نفوذه في عدد من الدول العربية عبر دعم الميليشيات الطائفية وتغذية الصراعات الداخلية، فيما عُرف بمشروع الهلال الشيعي وتصدير الثورة الخمينية.
وفي الجانب الاستراتيجي والاقتصادي، سعت إيران الرافضية إلى السيطرة على مواقع حيوية وثروات استراتيجية في المنطقة، ومن أبرزها:
• مضيق هرمز، الذي يسيطر على حركة الملاحة الدولية للنفط والغاز.
• الجزر العربية الثلاث في الإمارات، ذات الأهمية العسكرية والاقتصادية.
• ثروات النفط والغاز في العراق، بما يتيح النفوذ الاقتصادي والسياسي.
• خيرات اليمن الخصيب، خصوصًا في المناطق الاستراتيجية والموارد الطبيعية.
وكل هذه السيطرة تمنحهم قدرة على التأثير المباشر في القرار السياسي والتحكم في الموارد الاقتصادية، بما يضعف الدول العربية ويخدم مصالح أعداء الأمة.

ثالثًا: المشروع الإسرائيلي في المنطقة:
لا يخفى أن المشروع الصهيوني – المدعوم من القوى الغربية – يقوم في جوهره على إحكام الهيمنة في المنطقة، وإضعاف القوى المحيطة به، وتمزيق الدول القادرة على موازنته؛ حتى تبقى إسرائيل القوة الأكثر تفوقًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.
وقد حذّر الله تعالى من مكر اليهود وعدائهم عبر التاريخ فقال سبحانه: ﴿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120)، فالمشروع الصهيوني لم يقف عند حدود احتلال فلسطين، بل يرتبط في أدبياته وطموحاته التاريخية بفكرة التوسع والهيمنة الإقليمية، وهو ما عبَّر عنه بعض منظِّريه وشعاراته بما يُعرف بـ حلم "إسرائيل الكبرى" الممتدة من النيل إلى الفرات.

ولهذا تقوم الاستراتيجية الصهيونية – في كثير من التحليلات السياسية – على تفكيك محيطها الاستراتيجي، وإضعاف الدول الكبرى في المنطقة، وإشغالها بالصراعات الداخلية؛ حتى تظل إسرائيل الدولة الأكثر استقرارًا وقوة في الشرق الأوسط.

ومن هنا فإن كل نزاع داخلي، أو صراع طائفي، أو انهيار للدول في العالم الإسلامي يصب – في نهاية المطاف – في مصلحة هذا المشروع؛ لأنه يبدد طاقات الأمة، ويصرفها عن مواجهة التحديات الكبرى التي تهدد وجودها ومستقبلها.

رابعًا: المشروع الإيراني في العالم العربي:
وفي المقابل، فإنَّ إيران ليست قوةً محايدة في المنطقة، بل تحمل مشروعًا توسعيًا واضح المعالم، يقوم على بسط النفوذ داخل عدد من الدول العربية عبر الأدوات السياسية والعسكرية والطائفية، مستندًا إلى فكرة ما يُعرف بـ (الهلال الشيعي) وتصدير الثورة وبناء نفوذ إقليمي واسع.
وقد ظهر هذا التمدد بوضوح في عدة دول عربية، من أبرزها:
• سوريا.
• لبنان.
• العراق.
• اليمن.
• البحرين.
ولم يكن هذا النفوذ مجرد حضور سياسي أو علاقات دبلوماسية، بل ارتبط في كثير من الأحيان بتأسيس ميليشيات مسلحة، وإشعال الصراعات الطائفية، وإضعاف مؤسسات الدولة، حتى أصبحت بعض هذه البلدان ساحات صراعٍ دموي طويل.
وقد رافق هذا التمدد خطاب طائفي حادٌّ يقوم عند كثير من غلاة الروافض على العداء الشديد لأهل السُّنّة والطعن في تاريخهم ورموزهم، وهو ما انعكس على أرض الواقع في أعمال قتل وتهجير واستهداف واسع للمجتمعات السُّنِّية في عدد من مناطق الصراع.
1- ففي العراق مثلًا، شهدت البلاد بعد سنوات الاضطراب موجاتٍ من القتل الطائفي واستهداف المساجد السُّنِّية وتهجير السكان في عدد من المدن.
2- وفي سوريا شاركت ميليشيات مرتبطة بالمشروع الإيراني في القتال ضمن الحرب الدائرة هناك، مما أسهم في تعميق الصراع الطائفي واتساع دائرة الدماء.
3- وفي اليمن أدى الصراع مع جماعة الحوثي إلى حربٍ طويلة مزَّقت البلاد وأضعفت الدولة وأثقلت كاهل الشعب اليمني.
4- أما في لبنان فقد أدَّى تضخم نفوذ الميليشيات المسلحة (حزب اللات) إلى إضعاف مؤسسات الدولة واحتكار قرار الحرب والسلم خارج إطار الدولة.

وقد دفع المسلمون ثمن هذه الصراعات ثمنًا باهظًا؛ إذ سقط مئات الآلاف من القتلى، وتشرد الملايين من ديارهم، وانهارت دول كانت يومًا من ركائز العالم الإسلامي.
والروافض – مع ما في عقائدهم من كفر وانحرافاتٍ خطيرة – يُحسبون في نظر الشرق والغرب على الإسلام، فيُلصق ما يصدر عنهم بالإسلام وأهله، بينما الإسلام بريء من تلك الانحرافات والفتن براءة الذئب من دم يوسف. وبسبب هذا الالتباس اختلطت الصورة عند كثير من الناس، حتى أصبحت الصراعات الطائفية التي أشعلتها هذه المشاريع تُقدَّم للعالم على أنها صراعات داخل الإسلام نفسه.
وهكذا غدت الصراعات الطائفية داخل العالم الإسلامي أشدَّ استنزافًا للأمة من حروبها مع أعدائها الخارجيين؛ لأن العدو إذا هاجم من الخارج اجتمعت الصفوف، وتوحدت الكلمة، واستنفرت القوى لرده، أما إذا اشتعلت الفتنة من الداخل فإنها تفتت الصف، وتمزق الوحدة، وتبدد الطاقات.

فالعدو الخارجي يضرب الجسد من خارجه، أما الفتنة الداخلية فإنها تنخر في عظامه، وتفتك بلحمته، وتستهلك قواه، حتى يضعف البناء من أساسه ويتداعى بنيانه من داخله.

ولهذا كانت الفتن الداخلية أشد خطرًا وأعظم أثرًا؛ لأنها تحول قوة الأمة إلى سيوفٍ يضرب بعضها بعضًا، وتحوُّل طاقاتها إلى معاول هدمٍ في بنيانها، فتغدو الأمة – من حيث لا تشعر – تخدم أعداءها وهي تظن أنها تنتصر لنفسها.

ولهذا فإن انتشار الصراعات الطائفية وتمزيق المجتمعات الإسلامية لم يؤدِّ إلا إلى إضعاف الأمة واستنزاف طاقاتها وفتح الباب واسعًا أمام تدخل القوى الأجنبية، وهو الأمر الذي يصب في نهاية المطاف في مصلحة المشاريع المعادية للعالم الإسلامي.

خامسًا: بين أعداء الأنبياء وأعداء الصحابة:
وإذا تأملنا جذور الصراع العقدي في تاريخ الأمة، وجدنا أن القضية في حقيقتها ليست مجرد صراعٍ سياسي أو تنافسٍ على النفوذ، بل هي – في أصلها – صراعٌ يتصل بالموقف من مصادر الدين وحملته.

فاليهود عبر التاريخ كانوا من أشد الناس عداوةً للأنبياء؛ إذ لم يقفوا عند حدِّ التكذيب فحسب، بل بلغ بهم الأمر إلى الاستكبار عليهم وقتل بعضهم، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: 87)، فكانت عداوتهم للأنبياء الذين جاؤوا بالوحي، وعداوتهم كذلك لمن اتبعهم من المؤمنين؛ لأنهم يرون أنفسهم – في عقيدتهم المحرفة – شعب الله المختار، ويستعلون على سائر الأمم، فلا يرون لغيرهم حقًا يوازي حقهم، ولا منزلة تضاهي منزلتهم.

ولهذا امتلأ تاريخهم بالكبر والاستعلاء والعداوة للآخرين، والسعي في الأرض فسادًا، كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (المائدة: 64)، وقال سبحانه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾ (البقرة: 96)، فكان شأنهم عبر التاريخ إثارة الحروب، وبث الفتن، وتأجيج الصراعات؛ فإذا اشتعلت نار الحرب سعوا في إشعالها، وإذا هدأت حاولوا إعادة إيقادها، غير أن الله تعالى كان يبطل كيدهم ويرد مكرهم.

وهذه العداوة لم تقف عند الأنبياء وحدهم، بل امتدت إلى أتباعهم من المؤمنين، وإلى كل من خالفهم في عقيدتهم أو عارض مشاريعهم، فصاروا – كما وصفهم القرآن – يسعون في الأرض فسادًا ويؤججون الصراعات بين الأمم.
ومن هنا يتبين أن العداوة للأنبياء ومنهجهم لم تكن حادثة عابرة في التاريخ، بل هي جزءٌ من مسار طويل من الاستكبار والفساد في الأرض، الذي حذر الله الأمة منه في مواضع كثيرة من كتابه.

وفي المقابل، فإن من أخطر الانحرافات التي ظهرت في تاريخ الأمة الإسلامية الطعن في أصحاب رسول الله ﷺ؛ أولئك الصفوة الذين اختارهم الله لصحبة نبيه، وحمل رسالته، ونصرة دينه، ونقل الوحي إلى الأمة.
فالصحابة هم الواسطة بين الأمة ونبيها؛ فهم الذين حفظوا القرآن، ورووا السنة، وبلَّغوا الشريعة، وجاهدوا في سبيل الله حتى انتشر الإسلام في الآفاق.

ولهذا كان الطعن فيهم ليس طعنًا في رجالٍ فحسب، بل طعنًا في الدين الذي نقلوه.
وقد حذّر النبي ﷺ من الوقوع في أعراضهم أشد التحذير فقال: «لا تسبوا أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» متفق عليه. وقال ﷺ: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» متفق عليه؛ وقد أثنى الله عليهم في كتابه أعظم الثناء فقال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: 29)، وقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (التوبة: 100). ولهذا أجمع أهل السنة والجماعة على أن محبة الصحابة دينٌ وإيمان، وبغضهم نفاقٌ وضلال؛ لأنهم خير القرون، وأطهر الأجيال، وأصدق الأمة إيمانًا، وأعظمها تضحيةً في نصرة هذا الدين.
ومن هنا قال بعض السلف: إذا رأيت الرجل يذكر أصحاب محمد ﷺ بسوء فاتهمه على الإسلام.
وإذا نظرنا إلى هذه الحقيقة في ضوء الصراع العقدي، ظهر لنا أن اليهود الذين عُرفوا بعداوتهم للأنبياء، وغلاة الروافض الذين اشتهروا بالطعن في أصحاب الأنبياء، يقفون – في ميزان العداوة للدين – على صفٍ واحد ومسافةٍ متقاربة؛ إذ إن أولئك طعنوا في مصدر الوحي، وهؤلاء طعنوا في نقلة الوحي وحملته.
بل إن الطعن في الصحابة – من حيث أثره – قد يكون أشد خطرًا؛ لأنه يهدم الثقة بالجيل الذي نقل القرآن والسنة، فإذا سقطت عدالتهم في نظر الناس سقطت الثقة بالدين الذي نقلوه.
ولهذا كان كثير من العلماء يعدُّون الطعن في الصحابة طريقًا من أخطر الطرق إلى هدم الإسلام من داخله؛ لأن الدين إنما وصل إلى الأمة بالأنبياء أولًا، ثم بالصحابة الذين حملوا الوحي وبلَّغوه.
ومن هنا يتجلى معنى عنوان هذا المقال: بين أعداء الأنبياء وأعداء الصحابة؛ فالصراع في حقيقته ليس مجرد خصومةٍ تاريخية، بل هو عداوة لحَمَلة الوحي ومصادر الدين.

فأولئك اليهود عاندوا الأنبياء وكذّبوهم، واستكبروا عن اتباعهم، بل قتلوا بعضهم حين خالفت دعوتهم أهواءهم، وأما هؤلاء – من غلاة الروافض – فقد وجَّهوا سهام طعنهم إلى أصحاب النبي ﷺ؛ أولئك الصفوة الذين اختارهم الله لصحبة نبيه، وحمل رسالته، ونشر دينه في الآفاق، فكانوا الواسطة بين الأمة ونبيها، وحملة القرآن والسنة، وأمناء الشريعة بعد رسول الله ﷺ.

فإذا كان أولئك عادَوا الأنبياء الذين جاءوا بالوحي، فإن هؤلاء طعنوا في الصحابة الذين نقلوا الوحي وبلّغوه للأمة.

وبذلك يلتقي الطرفان – في حقيقة الأمر – عند الطعن في أساس الدين ومصادره؛ فعداوة الأنبياء طعنٌ في الوحي ابتداءً، والطعن في الصحابة طعنٌ في نقله وبقائه في الأمة.

ولهذا كان أهل السنة يرون أن محبة الصحابة والترضي عنهم من أصول الاعتقاد، وأن الطعن فيهم انحراف خطير يفضي إلى التشكيك في الدين كله؛ لأن الإسلام إنما وصل إلينا عن طريقهم، وبجهودهم، وبدمائهم التي سالت في سبيل الله، ومن هنا بقيت محبة الصحابة شعار أهل السنة، وبغضهم علامة الانحراف عن الصراط المستقيم.

سادسًا: الفرصة الذهبية التاريخية للمسلمين وللعرب
وفي خضمِّ هذا الاضطراب الإقليمي، وتزاحم المشاريع المتصارعة على أرض الأمة، تبرز فرصة تاريخية نادرة أمام العرب والمسلمين لإعادة ترتيب صفوفهم وبناء قوةٍ مستقلةٍ تحفظ أمنهم وتدفع عنهم أطماع المتربصين.

فإن انشغال القوى المتنافسة في المنطقة، وتكاثر الصراعات بينها، ينبغي أن يدفع الدول العربية إلى التفكير الجاد في بناء قوةٍ عربيةٍ إسلاميةٍ مستقلة تحفظ الأمن القومي، وتصون سيادة الدول، وتمنع تحويل العالم العربي إلى ساحةٍ لصراعات الآخرين.
ومن أهم الخطوات العملية في هذا الاتجاه:

1- تأسيس جيشٍ عربيٍّ موحَّد:
يتكامل فيه الجهد العسكري والتقني بين الدول العربية، بحيث تتجمع القدرات البشرية والعسكرية والاقتصادية في منظومة دفاعية واحدة، قادرة على حماية مصالح الأمة وردع المعتدين، ومنع أي قوةٍ إقليمية أو دولية من العبث بأمن المنطقة واستقرارها.

2- قيام قيادةٍ مركزيةٍ قوية:
تنسّق القرار العسكري والاستراتيجي بين الدول العربية، بما يضمن وحدة الموقف وسرعة التحرك في مواجهة الأزمات والتحديات، ويحول دون تشتت القرار أو تضارب المصالح في اللحظات المصيرية.
وقد دعا إلى هذا المعنى منذ سنوات رئيسنا البطل المغوار الموفق المشير عبد الفتاح السيسي – حفظه الله – حين أكد أن إنشاء قوة عربية مشتركة أصبح ضرورةً لحماية الأمن القومي العربي في ظل ما تشهده المنطقة من اضطراباتٍ وتحدياتٍ متزايدة.

ولا يخفى أن مصر – بما لها من موقعٍ جغرافيٍ فريد، وقوةٍ عسكريةٍ معتبرة، وتاريخٍ طويلٍ في قيادة الأزمات في العالم العربي – قادرةٌ على أن تكون محور هذا المشروع الجامع، ونقطة ارتكازه في بناء منظومةٍ عربيةٍ قويةٍ تحفظ الاستقرار وتدفع العدوان.

وقد أمر الله تعالى بالاعتصام والوحدة فقال سبحانه:﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103)، وقال تعالى محذرًا من عاقبة التنازع: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46)، فإذا اجتمعت الكلمة، وتوحدت الصفوف، وتكاملت القدرات، فإن الأمة تستطيع – بإذن الله – أن تحفظ أمنها، وتصون مقدساتها، وتحمي مستقبلها من أطماع الطامعين ومشاريع الهيمنة.
فإنَّ الصراع بين إسرائيل وإيران ليس صراعًا بسيطًا بين خيرٍ وشر، بل هو صراعٌ بين مشروعين لكلٍّ منهما حساباته وأطماعه.
ولهذا فإن الحكمة تقتضي أن تنظر الأمة إلى مصالحها وإعداد العدة، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: 60)، فالقوة وأعظمها العقيدة الصافية، والوحدة، والوعي السياسي، هي الطريق الحقيقي لحفظ الأمن والاستقرار في منطقتنا، وصيانة مصالح شعوبنا، والله أعلم.
وصلَّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه وسلم.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية ليلة الخميس 23 رمضان 1447 هـ

مواد ذات صلة