للعلم أن هذا المغسِّل يأخذ بدليل الشيخ الألباني رحمه الله في إثبات إسلام تارك الصلاة تهاوناً، عكس ما يفتي به غالبية علماء الحجاز: الشيخ…
السؤال: مئتان وثلاثة وأربعون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخ بلال، ما حكم من غسَّل جاره الميت و هو يعلم أنه متهاون في الصلاة و ربما صل مرة واحدة في حياته كما أنه اعتمر بعد مرضه ولازم الفراش إلى أن غادر وكان يسمعه يناجي ربه بصوت مرتفع يطلب الشفاء وهذه مما يجدها عذرا لجاره أنه مسلم؟
للعلم أن هذا المغسِّل يأخذ بدليل الشيخ الألباني رحمه الله في إثبات إسلام تارك الصلاة تهاوناً، عكس ما يفتي به غالبية علماء الحجاز: الشيخ بن باز والشيخ بن عثيمين رحمهم الله جميعا.
الحمد لله:
أولًا: الجواب المختصر:
من غسَّل جاره الميت وهو يرى أنه مسلم – ولو كان متهاونًا في الصلاة – فلا إثم عليه، بل هو مأجور إن شاء الله؛ لأن المسألة خلافية معتبرة بين أهل العلم، وقد وُجدت قرائن قوية تدل على إسلام الميت، كاعتماره، ودعائه لله، ومناجاته له عند المرض.
والأصل أن من أظهر الإسلام ولم يثبت كفره بيقين، يُعامل معاملة المسلمين في الغُسل والصلاة والدفن.
ثانيًا: الجواب المفصَّل:
أولًا: محل النزاع في المسألة:
الخلاف هنا ليس في عِظَم جريمة ترك الصلاة، فهذا أمر مجمع عليه، وإنما في:
هل تارك الصلاة تهاونًا كافر كفرًا أكبر، أم كفره دون كفر؟
وفيه قولان مشهوران:
القول الأول: كفره كفرًا أكبر (وهو قول جمع من أهل العلم)
وهو المشهور عن: مذهب الحنابلة (وهو رواية عن الإمام أحمد)
واختاره:
الشيخ ابن باز، وجماعة من المعاصرين.
ويستدلون بحديث: « الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ »
رواه أحمد وأصحاب السنن، صححه الألباني رحمه الله في (صحيح الجامع) [رقم: ٧٥٩٢].
وعلى هذا القول: لا يُغسَّل، ولا يُصلَّى عليه، إن ثبت تركه المطلق للصلاة.
القول الثاني: أنه مسلم كفره كفر دون كفر (وهو قول جمهور الفقهاء)
وهو مذهب: الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد.
واختاره:
الشيخ الألباني رحمه الله، وجمع من المحققين.
ويستدلون بـ: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: 48]، وبحديث الشفاعة، وفيه إخراج أقوام من النار: ليس في قلبهم مثقال حبة من إيمان.
وقالوا: لو كان كافرًا كفرًا أكبر لما دخل في الشفاعة.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (27/53-54) :
" ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَاركَ الصَّلاَةِ تَهَاوُنًا وَكَسَلاً ، لاَ جُحُودًا ، يُقْتَل حَدًّا أَيْ أَنَّ حُكْمَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ حُكْمُ الْمُسْلِمِ فَيُغَسَّل ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَيُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ : إِلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلاَةِ تَكَاسُلاً يُدْعَى إِلَى فِعْلِهَا وَيُقَال لَهُ : إِنْ صَلَّيْتَ وَإِلاَّ قَتَلْنَاكَ ، فَإِنْ صَلَّى ، وَإِلاَّ وَجَبَ قَتْلُهُ . وَلاَ يُقْتَل حَتَّى يُحْبَسَ ثَلاَثًا وَيُدْعَى فِي وَقْتِ كُل صَلاَةٍ ، فَإِنْ صَلَّى وَإِلاَّ قُتِل حَدًّا ، وَقِيل كُفْرًا ، أَيْ لاَ يُغَسَّل وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلاَ يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ . لَكِنْ لاَ يُرَقُّ وَلاَ يُسْبَى لَهُ أَهْلٌ وَلاَ وَلَدٌ كَسَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ " انتهى .
ثانيًا: تنزيل الحكم على الواقعة المذكورة:
في هذه الحالة المعروضة، اجتمع ما يلي:
• عدم الجزم بتركه الصلاة بالكلية.
• اعتماره (وهو من أعظم شعائر الإسلام).
• مناجاته لله ودعاؤه له بالشفاء.
• عدم إقامة حجة شرعية عليه بعينه.
• اعتماد المُغسِّل قولًا معتبرًا لأهل العلم.
وهذه كلها قرائن قوية على بقاء أصل الإسلام، وقد قرر أهل العلم قاعدة مهمة:
«اليقين لا يزول بالشك»، و «من ثبت إسلامه بيقين لم يزل عنه إلا بيقين».
وقال شيخنا الإمام ابن عثيمين رحمه الله : " الذي يظهر لي أنه لا يكفر إلا بالترك المطلق بحيث لا يصلي أبداً ، وأما من يصلي أحيانا فإنه لا يكفر " انتهى من "مجموع فتاوى ابن عثيمين " (12/55).
ثالثًا: حكم فعل المُغسِّل:
فعل المُغسِّل صحيح شرعًا، ولا حرج عليه، بل: عمل بقولٍ معتبر، وأجرى أحكام الإسلام على من غلب على ظنه إسلامه، ولم يتعدَّ حدود الله، بل هو داخل – إن شاء الله – في قول النبي ﷺ: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَكَتَمَ عَلَيْهِ غُفِرَ لَهُ أَرْبَعِينَ مَرَّةً، وَمَنْ كَفَّنَ مَيِّتًا كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ حَفَرَ لِمَيِّتٍ قَبْرًا وَأَجَنَّهُ فِيهِ أُجْرِيَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَجْرِ مَسْكَنٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» أخرجه الحاكم وغيره صححه الألباني رحمه الله في (أحكام الجنائز) [ص: 211]. والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخ بلال، ما حكم من غسَّل جاره الميت و هو يعلم أنه متهاون في الصلاة و ربما صل مرة واحدة في حياته كما أنه اعتمر بعد مرضه ولازم الفراش إلى أن غادر وكان يسمعه يناجي ربه بصوت مرتفع يطلب الشفاء وهذه مما يجدها عذرا لجاره أنه مسلم؟
للعلم أن هذا المغسِّل يأخذ بدليل الشيخ الألباني رحمه الله في إثبات إسلام تارك الصلاة تهاوناً، عكس ما يفتي به غالبية علماء الحجاز: الشيخ بن باز والشيخ بن عثيمين رحمهم الله جميعا.
الحمد لله:
أولًا: الجواب المختصر:
من غسَّل جاره الميت وهو يرى أنه مسلم – ولو كان متهاونًا في الصلاة – فلا إثم عليه، بل هو مأجور إن شاء الله؛ لأن المسألة خلافية معتبرة بين أهل العلم، وقد وُجدت قرائن قوية تدل على إسلام الميت، كاعتماره، ودعائه لله، ومناجاته له عند المرض.
والأصل أن من أظهر الإسلام ولم يثبت كفره بيقين، يُعامل معاملة المسلمين في الغُسل والصلاة والدفن.
ثانيًا: الجواب المفصَّل:
أولًا: محل النزاع في المسألة:
الخلاف هنا ليس في عِظَم جريمة ترك الصلاة، فهذا أمر مجمع عليه، وإنما في:
هل تارك الصلاة تهاونًا كافر كفرًا أكبر، أم كفره دون كفر؟
وفيه قولان مشهوران:
القول الأول: كفره كفرًا أكبر (وهو قول جمع من أهل العلم)
وهو المشهور عن: مذهب الحنابلة (وهو رواية عن الإمام أحمد)
واختاره:
الشيخ ابن باز، وجماعة من المعاصرين.
ويستدلون بحديث: « الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ »
رواه أحمد وأصحاب السنن، صححه الألباني رحمه الله في (صحيح الجامع) [رقم: ٧٥٩٢].
وعلى هذا القول: لا يُغسَّل، ولا يُصلَّى عليه، إن ثبت تركه المطلق للصلاة.
القول الثاني: أنه مسلم كفره كفر دون كفر (وهو قول جمهور الفقهاء)
وهو مذهب: الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد.
واختاره:
الشيخ الألباني رحمه الله، وجمع من المحققين.
ويستدلون بـ: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: 48]، وبحديث الشفاعة، وفيه إخراج أقوام من النار: ليس في قلبهم مثقال حبة من إيمان.
وقالوا: لو كان كافرًا كفرًا أكبر لما دخل في الشفاعة.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (27/53-54) :
" ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَاركَ الصَّلاَةِ تَهَاوُنًا وَكَسَلاً ، لاَ جُحُودًا ، يُقْتَل حَدًّا أَيْ أَنَّ حُكْمَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ حُكْمُ الْمُسْلِمِ فَيُغَسَّل ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَيُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ : إِلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلاَةِ تَكَاسُلاً يُدْعَى إِلَى فِعْلِهَا وَيُقَال لَهُ : إِنْ صَلَّيْتَ وَإِلاَّ قَتَلْنَاكَ ، فَإِنْ صَلَّى ، وَإِلاَّ وَجَبَ قَتْلُهُ . وَلاَ يُقْتَل حَتَّى يُحْبَسَ ثَلاَثًا وَيُدْعَى فِي وَقْتِ كُل صَلاَةٍ ، فَإِنْ صَلَّى وَإِلاَّ قُتِل حَدًّا ، وَقِيل كُفْرًا ، أَيْ لاَ يُغَسَّل وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلاَ يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ . لَكِنْ لاَ يُرَقُّ وَلاَ يُسْبَى لَهُ أَهْلٌ وَلاَ وَلَدٌ كَسَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ " انتهى .
ثانيًا: تنزيل الحكم على الواقعة المذكورة:
في هذه الحالة المعروضة، اجتمع ما يلي:
• عدم الجزم بتركه الصلاة بالكلية.
• اعتماره (وهو من أعظم شعائر الإسلام).
• مناجاته لله ودعاؤه له بالشفاء.
• عدم إقامة حجة شرعية عليه بعينه.
• اعتماد المُغسِّل قولًا معتبرًا لأهل العلم.
وهذه كلها قرائن قوية على بقاء أصل الإسلام، وقد قرر أهل العلم قاعدة مهمة:
«اليقين لا يزول بالشك»، و «من ثبت إسلامه بيقين لم يزل عنه إلا بيقين».
وقال شيخنا الإمام ابن عثيمين رحمه الله : " الذي يظهر لي أنه لا يكفر إلا بالترك المطلق بحيث لا يصلي أبداً ، وأما من يصلي أحيانا فإنه لا يكفر " انتهى من "مجموع فتاوى ابن عثيمين " (12/55).
ثالثًا: حكم فعل المُغسِّل:
فعل المُغسِّل صحيح شرعًا، ولا حرج عليه، بل: عمل بقولٍ معتبر، وأجرى أحكام الإسلام على من غلب على ظنه إسلامه، ولم يتعدَّ حدود الله، بل هو داخل – إن شاء الله – في قول النبي ﷺ: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَكَتَمَ عَلَيْهِ غُفِرَ لَهُ أَرْبَعِينَ مَرَّةً، وَمَنْ كَفَّنَ مَيِّتًا كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ حَفَرَ لِمَيِّتٍ قَبْرًا وَأَجَنَّهُ فِيهِ أُجْرِيَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَجْرِ مَسْكَنٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» أخرجه الحاكم وغيره صححه الألباني رحمه الله في (أحكام الجنائز) [ص: 211]. والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)