الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

الإسراء والمعراج: رحلةُ اليقين وامتحانُ التسليم

٢٦ رجب ١٤٤٧ هـ١٥ يناير ٢٠٢٦
المقالاتالصلاة والطهارةالفقه والأحكامالرقائق والآداب
مقال الأسبوع: (الإسراء والمعراج: رحلةُ اليقين وامتحانُ التسليم)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه وبعد:
قال اللهُ تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: 1] .
افتتح الله عزَّ وجلَّ خبرَ الإسراء بلفظٍ يهزُّ القلوب من غفلتها، ويوقظ العقول من أسر المقاييس الأرضية، فقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾؛ فكانت «سبحان» تنزيهًا لجلال الله عن عجز العاجزين، وإعلانًا منذ اللحظة الأولى أن ما سيُذكر بعدُ ليس خاضعًا لنواميس البشر، ولا محكومًا بقوانين الحسِّ والتجربة، بل هو فعل ربٍّ يفعل ما يشاء، إذا شاء، كيف شاء.

وأسند الله الفعل إلى ذاته العليَّة: ﴿الَّذِي أَسْرَى﴾، ولم يقل: أُسري بعبدِه؛ ليقطع الطريق على كل تأويلٍ فاسد، ويؤكد أن ما وقع كان بقدرة الله المباشرة، لا خيال منام، ولا رؤيا عابرة. ثم قال: ﴿بِعَبْدِهِ﴾، والعبودية هنا أشرف الأوصاف وأعلاها، إذ هي جامعةٌ للروح والجسد، ودليلٌ على كمال الخضوع والمحبة، وبها بلغ النبي ﷺ ما لم يبلغه أحدٌ من الخلق.

وكان الإسراء حقًّا ثابتًا، أُسري بالنبي ﷺ في اليقظة، بجسده وروحه، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، في ليلةٍ واحدة، راكبًا البراق، بصحبة جبريل عليه السلام. فنزل بيت المقدس، وربط البراق، وصلَّى بالأنبياء إمامًا، في مشهدٍ تتجلَّى فيه وحدة الرسالة، وعلوُّ المقام، وإعلان الخاتمية، وأن محمدًا ﷺ هو الإمام الأعظم، والمقدَّم على سائر المرسلين.

ثم عُرج به في تلك الليلة إلى السماوات العلا، سماءً بعد سماء، يلقى الأنبياء، فيُرحَّب به ويُقَرُّ بنبوَّته، حتى انتهى إلى سدرة المنتهى، حيث يقف العقل البشري عند حدِّه، وتنتهي علوم الخلائق، وهناك رأى من آيات ربه الكبرى ما يرسِّخ اليقين، ويملأ القلب تعظيمًا وإجلالًا.

وفي ذلك المقام العلوي، فُرضت الصلاة، لا في الأرض، بل فوق سبع سماوات، لتبقى الصلاة عنوان الرفعة، وسلَّم القرب، وصلة العبد بربه. فُرضت خمسين، ثم خُفِّفت رحمةً، حتى صارت خمسًا في العمل، خمسين في الأجر، كرمًا من الله، وتيسيرًا على هذه الأمة، مع بقاء الفضل كاملاً غير منقوص.

ولذلك لما أخبر النبي ﷺ قومه بما كان، لم يكن إنكارهم لرؤيا منام؛ فإن الرؤيا لا يُكذَّب صاحبها، وإنما كان التكذيب لأن الخبر كان عن مسرى حقيقيٍّ يقظةً، صادم عقولهم القاصرة، وكشف عجزهم عن إدراك قدرة الله. وهنا تميَّزت القلوب: قلبٌ سلَّم فنجا، وقلبٌ اعترض فهلك.

وفي ذلك الموقف وقف الصادقون، فقالوا كلمة الإيمان الخالدة: إن كان قال فقد صدق؛ لأن من صدَّق بخبر السماء لا يستبعد خبر الأرض، ومن عرف قدرة الله لم يقف عند حدود الوهم والعادة، فرضي الله عن الصديق أبي بكرٍ.

وهكذا تبقى حادثة الإسراء والمعراج ميزانًا يُعرف به أهل التسليم من أهل الاعتراض، وأهل الاتباع من أهل الابتداع، وأهل الإيمان بالغيب من أسرى العقل المجرَّد.
فهي ليست مجالًا للأساطير، ولا بابًا للتأويلات الفلسفية، ولا مناسبةً للبدع والمحدثات، وإنما هي آية من آيات الله، نؤمن بها كما جاءت، ونقف عندها حيث وقف السلف، بلا زيادة ولا نقصان، وبلا تحريف ولا تعطيل.

دروس وعِبَر:
أولًا: شرف العبودية:
فأشرف أوصاف النبي ﷺ أنه عبدٌ لله، وبالعبودية بلغ أعلى المقامات. فالذلُّ لله عزٌّ، والافتقار إليه غنى، وكلما ازداد العبد خضوعًا ومحبةً لله ازداد رفعةً عنده.

ثانيًا: التوحيد أصل الرسالات:
اجتماع الأنبياء خلف إمامٍ واحد إعلانٌ جليٌّ أن الدين واحد، والرب واحد، والمعبود واحد، وإن تنوَّعت الشرائع واختلفت الأزمنة.

ثالثًا: الصلاة عمود الدين:
فُرضت في السماء، وخُفِّفت رحمةً، وبقي أجرها عظيمًا، فهي الصلة بين العبد وربه، ومن ضيَّعها فقد هدم أصلًا من أعظم أصول الدين.

رابعًا: الإسلام دين الفطرة:
اختيار اللبن دون الخمر إعلان أن هذا الدين يوافق الفطرة، ويهذب الغريزة، ويوازن بين الروح والجسد، بلا إفراط ولا تفريط.

خامسًا: مكانة المسجد الأقصى:
المسجد الأقصى ثالث المساجد التي تُشدُّ إليها الرحال، وأولى القبلتين، ومسرى رسول الله ﷺ، ومهبط الوحي، وموطن الأنبياء، وهو وقفٌ إسلاميٌّ خالص إلى قيام الساعة، لا يقبل القسمة، ولا يعترف بشرعية اغتصاب، ولا يخضع لقرارات المحتلين.

وقضية الأقصى قضية عقيدة وإيمان، لا شعارًا سياسيًا عابرًا، ولا ورقةَ مساومة، ولا مادةَ خطابات موسمية؛ فمن فرَّط فيه فقد فرَّط في أصلٍ من أصول الانتماء لهذا الدين، ومن هوَّن من شأنه فقد هوَّن من شعائر الله.

وإن وجود الاحتلال الصهيوني الغاصب في بيت المقدس رجسٌ سياسيٌّ وعقديٌّ، وعدوانٌ صريح على مقدسات المسلمين، يجب إنكاره بالقلب، وبيانه باللسان، والسعي في رفعه بالوسائل الشرعية المشروعة، كلٌّ بحسب قدرته وموقعه، دون خيانة ولا مداهنة ولا تمييع.

ولا يُحرَّر الأقصى بالهتافات الفارغة، ولا بالشعارات الجوفاء، ولا بالمزايدات الإعلامية، وإنما:

1- بتحقيق التوحيد.
2- وتصحيح العقيدة.
3- وجمع الكلمة على الحق.
4- والصدق مع الله.
5- والرجوع إلى منهج السلف في النصر والتمكين.
فما نُزعت البركة من أمةٍ إلا يوم نُزعت منها العقيدة، وما سُلِّط عليها عدوٌّ إلا لما بدَّلت وغيَّرت، ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.

وسيظل المسجد الأقصى أمانةً في أعناق المسلمين، لا يسقط بالتقادم، ولا يُمحى بالاحتلال، ولا يُغيَّر بهوية مزوَّرة، حتى يأذن الله بنصرٍ من عنده، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.

سادسًا: سنّة الابتلاء قبل التمكين:
فما من عروجٍ إلا بعد صبر، ولا نصرٍ إلا بعد ثبات، ولا فجرٍ إلا بعد ليل؛ تلك سنّةٌ ماضية لا تتبدَّل، وحكمةٌ ربانية لا تُخرق، جرى عليها الأنبياء، وسار في دروبها الصالحون، ولن يُستثنى منها أحدٌ إلى قيام الساعة.

فالله لا يرفع عبدًا حتى يبتليه، ولا يُمكِّن لأمة حتى يمتحن صدقها، ليُميِّز الصادق من الكاذب، والثابت من المتلوِّن، وأهل العزائم من أهل الدعوى. فالابتلاء غربالُ النفوس، وميزانُ الإيمان، ومحكُّ القلوب؛ به تُعرف المعادن، وتُصقل الهمم، وتُربَّى النفوس على الصبر واليقين.

وقد كانت حياة النبي ﷺ كلُّها شاهدًا على هذه السُّنَّة: إيذاءٌ قبل نصر، وحصارٌ قبل تمكين، وهجرةٌ قبل دولة، وطائفٌ قبل معراج = فما جاء الرفع إلا بعد الانكسار، ولا أشرق نور العز إلا بعد ظلمة المحنة، ليُعلِّم الأمة أن الطريق إلى الله ليس مفروشًا بالراحة، ولا ممهورًا بالسلامة.

ومن ظنَّ أن التمكين يُنال بلا تضحيات، أو أن النصر يأتي مع الترف والدعة، فقد جهل سنن الله في خلقه. فالثبات عند الفتن، والصبر على الأذى، والصدق في الشدائد، هي مفاتيح الفرج، وبها تُفتح أبواب النصر، لا بكثرة العدد ولا بعلوِّ الصوت بشعارات زائفة.

فاصبروا وصابروا، وثبِّتوا أقدامكم، واعلموا أن الليل مهما طال فلا بد له من فجر، وأن البلاء مهما اشتد فلا بد له من انفراج، وأن وعد الله حق، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
رسالة إلى القلوب المثقلة:
فيا من أثقلته الهموم، وضاق عليه صدره، وتكاثرت عليه الخطوب حتى ظن أن الأبواب قد أُغلقت، وأن الليل قد طال بلا فجر…
تذكَّر أن ربك قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، ولم يقل: بعد العسر، بل معه، ليوقن قلبك أن الفرج يولد في رحم البلاء، وأن الرحمة تسير مع المحنة خطوةً بخطوة.

تذكَّر أن نبيك ﷺ لما أُوذي، وضُرب، وسُفِه عليه، وأُدميت قدماه، لم يكن ذلك نهاية الطريق، بل كان مقدمة التشريف؛ فبعد الطائف كان المعراج، وبعد الانكسار كان الرفع، وبعد الجراح جاء الاصطفاء. وهكذا سنَّة الله: لا معارج بلا صبر، ولا تمكين بلا ابتلاء.

فإن ضاق بك الحال:
• فالزم باب الدعاء، فإن الله لا يرد قلبًا انكسر بين يديه.
• وأكثر من الاستغفار، فإنه مفتاح الفرج ومفتاح الرزق.
• وأحسن الظن بربك، فإن الكريم لا يخيِّب من رجاه.
• ولا تستعجل الفرج، فإن العجلة تفسد الرجاء.
• وإياك واليأس؛ فإن اليأس جهل بالله، وقنوط من رحمته.
• وإياك والشكوى للخلق؛ فإنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، ولكن اشكُ همَّك لمن بيده ملكوت كل شيء.
• واعلم – رحمك الله – أن البلاء ليس علامة سخط، كما أن العافية ليست دليل رضًا، وإنما الميزان الحق: صبرٌ عند البلاء، وشكرٌ عند الرخاء، وثباتٌ على الطاعة في كل حال.

فاثبت…
فإن بعد الصبر فرجًا، وبعد الليل فجرًا، وبعد الانكسار جبرًا، وبعد كل محنة منحة، ومن عرف ربَّه في الشدَّة، عرفه ربُّه في الرخاء.
والحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الثغر السكندري حرسه الله وسائر بلاد المسلمين
ليلة الجمعة: 27 رجب الفرد 1447 هـ.

مواد ذات صلة