٢- سلسلة: (وسقطت أوراق التوت)
٢- سلسلة: (وسقطت أوراق التوت)
الحلقة الثانية:
(ثاني دليلٍ على كذب عرفات المحمدي وافتراءاته على الشيخ أبي عياض – وهو منها بريء)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن من أخطر مسالك البغي وأقبح طرق العدوان: الكذب على العلماء والمشايخ وطلاب العلم، ونسبة الأقوال إليهم زورًا وبهتانًا، ثم بناء الأحكام والمواقف والتشنيع عليهم بتلك الأكاذيب المختلَقة؛ إذ يجتمع في هذا المسلك الكذب، والظلم، والتلبيس، وإفساد القلوب، وتفريق الصف، وهو دأب أهل الأهواء قديمًا وحديثًا.
ومن هذا الباب – بل من أظهر أمثلته – ما وقع فيه المدعو عرفات المحمدي من الكذب الصراح، والافتراء البيِّن، والبهتان المجرَّد، في حق الشيخ أبي عياض أمجد رفيق – حفظه الله –، حيث نسب إليه جملةً من الأقوال والمعتقدات التي لم يقلها، ولم يعتقدها، ولم يُقرِّر معناها لا تصريحًا ولا تلميحًا، وهو منها بريء براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام.
أولًا: عرض الأكاذيب:
ومن تلك الأكاذيب التي افتراها عليه ما يلي:
١- أن العلماء الكبار بدو أهل صحراء لا يُحسنون.
٢- وأنهم ينقادون خلف ولاة أمورهم بتبعية عمياء.
٣- وأنه يريد إسقاط العلماء لينصر فكرة باطلة
٤- وأن العلماء لا يستطيعون مخالفة سياسة حكامهم، ولذلك أفتوا في قضايا التطعيم بما أُريد منهم.
٥- وأنه يسفّه أقوال العلماء الذين أفتوا بالجواز في مسألة التطعيم.
٦- وأن فتاواهم في التطعيمات مجرد صدى لإرادة الحكام.
٧- وأن العلماء لا يجرؤون أصلًا على مخالفة السياسة.
٨- وأنهم لا يخرجون عن حكم الحكام بحال.
٩- وأنه يصف بعض العلماء ـ كذبًا ـ بأنهم حمقى، متخبطون، جهال بالطب، ويعمّم ذلك على غيرهم.
١٠- وأنه يشترط أن لا يفتي العالم في شيء حتى يتخصص فيه تخصصًا دقيقًا.
١١- ويكرر هذا الشرط ويجعله أصلًا.
١٢- وأنه يصوّر العلماء كالدراويش السذج.
١٣- وأنه يرى ان لا فائدة في الرجوع إلى العلماء في النوازل لأنهم لا يحسنون
١٤- وأن كلامه لا يختلف عن مقولة السرورية والقطبية: «العلماء الكبار لا يفقهون الواقع».
١٥- وأنه جعل مسألة اللقاح باب موالاة ومعاداة.
١6- وأنه شغل الشباب ليل نهار بهذه القضية.
وهنا نقف وقفةَ إنصافٍ وعدلٍ:
أيُّ علمٍ هذا الذي يُسوِّغ لرجلٍ أن يختلق على شيخٍ معروفٍ بالسنة والدعوة هذا السيلَ الجارف من التُّهم؟
وأيُّ ديانةٍ تبيح له أن يرميه بأقوالٍ لم ينطق بها، ولا دلَّ عليها لفظه، ولا فهمها أهل العلم، ثم يبني عليها طعنًا وتشنيعًا وإسقاطًا؟
وأيُّ ورعٍ يُقنع صاحبه أن يتجرأ على أعراض المشايخ، فيجمع الأكاذيب جمعًا، ويرصُّها رصًّا، ثم يقدِّمها للناس في ثوب النُّصح، وهي في حقيقتها بهتانٌ وعدوان؟!
بل هو – والله – تجاسرٌ على الحق، وركوبٌ للهوى، وخروجٌ عن منهج أهل السنة في العدل والإنصاف، فإن أهل السنة لا يثبتون قولًا إلا بدليل، ولا ينسبون رأيًا إلا بنقل، ولا يحكمون إلا بعد تثبّت.
ثم أيُّ عقلٍ يقبل أن تُنسب هذه التهم العظام إلى شيخٍ واحدٍ جملةً واحدة، أو دفعةً واحدة، دون أن يُسمع له بيان، أو يُنقل عنه تصريح، أو يُستفصل عن مراده؟!
إن هذا المسلك – إن لم يكن كذبًا متعمَّدًا – فهو تلبيسٌ فاحش، وعدوانٌ بيِّن، وفسادٌ في ميزان العدل، ولا يَصدر إلا ممن استهان بالحق، أو قدَّم خصومته على ديانته.
ثانيًا: من هو أبو عياض الذي كُذِب عليه؟
الشيخ أبو عياض أمجد رفيق أحد الدعاة إلى السلفية، المعروفين بالدعوة والدروس في بريطانيا والعالم الغربي على مدى ثلاثين سنة. وقد كان معروفا عند الشيخ عبيد الجابري الذي أثنى عليه وذكره من طلابه. وقد ترجم من مؤلفات العلماء ورسائلهم الشيء الكثير، ونشر آلاف المقالات في الدفاع عن المنهج السلفي، وفي الذب عن العلم والعلماء.
وإن كثيراً من السلفيين في بريطانيا، وكذلك عدداً كبيراً من الناطقين بالإنجليزية في أنحاء العالم ممن لم يكونوا يفهمون اللغة العربية في بداية تعلمهم السلفية، ومنهم كثير من طلاب العلم اليوم، والمعلمين، وخريجي الجامعات الإسلامية، قد تعرفوا على المنهج السلفي وعرفوا من هم علماء السنة، وما لهم من المكانة الشرعية، من خلال جهود الشيخ أبي عياض وجهود إخوانه من الدعاة إلى السنة في هذه البلاد الغربية.
ومن أبرز مواقفه الراسخة النافعة وكتاباته المفيدة: رسالاته العديدة في الدفاع عن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، والذب عنه من افتراءات أهل البدع والمستشرقين، وردوده على السرورية والقطبية الذين تسللوا إلى بريطانيا وخدعوا كثيرا من المسلمين، وكذلك ردوده على الأشاعرة في الغرب الذين حاولوا تلبيس بدعتهم بادعائهم أنهم حنابلة وأهل الأثر، وأيضا ردوده على المصعفقة المفرقة.
فهو رجل محبوب عند أهل السنة لما قام به من جهود مشكورة، ومبغوض عند أهل البدع لما كتبه من ردود عليهم. ولسنا ننسب إليه العصمة، كما لا ننسبها إلى غيره، غير أن أمثال الشيخ أبي عياض هم أَحرى الناس بأن يذكروا بالخير، وإذا احتيج إلى نصحهم أو تصويب خطأ لهم، فإن علماءنا قد علمونا أن السلفي، صاحب التاريخ الطويل الحسن في لزوم السنة والدفاع عنها وعن أهلها، يستحق أن يصان عرضه ويحفظ قدره مع نصحه وتصحيح خطئه إذا أخطأ. والله أعلم.
كتبه أخونا: أبو عبد الله زبير بن إبراهيم الصومالي حفظه الله، ٢٣ رجب ١٤٤٧ - الموافق ١٣ يناير ٢٠٢٦م.
قلت: فهل يُعقل – بعد هذا – أن يُرمى هذا الشيخ بمثل هذه الطعون الشنيعة؟! أم أن القضية قضية هوى، وانتقام، وتشويهٍ متعمَّد؟!
ثالثًا: أصل الافتراء وحقيقته:
وهذه الأكاذيب – كلُّها – لم تصدر عن الشيخ أبي عياض لا لفظًا ولا معنى، وإنما هي افتراءات مركَّبة، صُنعت صناعة بخبث ودهاء من هذا الثعلب المكار.
هذا... وقد وقع نحو هذا الأمر منذ سنين طويلة، أظنها قبل نحو عشرين عامًا؛ إذ استمع الشيخ البخاري والشيخ خالد الردادي ـ رحمه الله وغفر له ـ في ذلك الوقت إلى بعض المغرضين الذين حملوا طعوناتٍ وافتراءاتٍ على إخوانهم في المكتبة السلفية ببريطانيا، فمالا إلى تصديقهم، وصارا ينتصران لهم على حساب المكتبة وأهلها.
ثم لما قدم الإخوة معتمرين، دعاهم الشيخ خالد الردادي ـ رحمه الله ـ إلى بيته إكرامًا لهم، فجلسوا عنده، وتحدَّثوا حديثًا وديًّا، حتى قال لهم: ما رأيكم أن نُعيد هذه الجلسة غدًا؟
ففرح الإخوة، وظنوا أن الأمور تتجه إلى التحسن وجبر الخواطر، خاصة بعد ما بدا من لينٍ وبشاشة.
غير أنهم فوجئوا في اليوم التالي بأن اللقاء لم يكن على ما ظنُّوا؛ إذ حضروا إلى مبنى الشيخ خالد الردادي، فإذا بالشيخ عبد الله البخاري قد جمع معهم أولئك المغرضين أنفسهم، ممن كانوا يسعون لإسقاطهم والطعن فيهم، دون علمٍ مسبق ولا تمهيد.
ثم وقع الهجوم عليهم دفعة واحدة، من غير إعطائهم فرصة للبيان أو الدفاع، وأُلزموا إلزامًا بكتابة تراجعاتٍ عمَّا نُسب إليهم زورًا وبهتانًا.
ومن فضل الله تعالى، كان شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي ـ رحمه الله ـ موجودًا في المدينة في تلك الليلة، فلما بلغه ما جرى غضب غضبًا شديدًا، وأنكر هذا الصنيع، وأمر الإخوة في المكتبة أن يردُّوا على الشيخ البخاري والشيخ خالد الردادي ردًّا علميًا واضحًا.
وكذلك غضب شيخنا العلامة عبيد بن عبد الله الجابري ـ رحمه الله ـ لما بلغه ما حصل، وأنكر ما وقع من الظلم والتعجل وسوء التصرف.
ومنذ ذلك الوقت انقطع الشيخ خالد الردادي - رحمه الله - عنهم، وأما الشيخ البخاري – عفا الله - فلم يرض عن رجوعهم إلى الشيخ ربيع، محتجًّا بأن المجالس أمانة، مع أن ما جرى لم يكن مجلس نصحٍ وأمانة، بل كمينًا مفاجئًا جُمع فيه الخصوم لإلزام الأبرياء بما لم يقولوه.
ومع ذلك كلِّه، فإن المكتبة السلفية ـ بحمد الله ـ بقيت تُقدِّر الشيخ عبد الله البخاري، وتزوره إذا قدموا معتمرين، وينصحون طلاب الجامعة الإسلامية وطلابهم إذا قصدوا المدينة بالاستفادة منه، التزامًا منهم بمنهج أهل السنة في العدل، وردِّ الخطأ مع حفظ المكانة، والوفاء لأهل الفضل.
وعليه؛ فقد استعمل عرفات أسلوبه المعهود من الخبث والتلبيس، فتناول صوتية من صوتيات الشيخ أبي عياض، وبتر منها، وليَّ ألفاظها، ونفخ فيها بالكذب والافتراء، ليُلبس على الناس.
وحينئذٍ يحق لكل قارئٍ منصف، وكل سامعٍ متجرِّد، أن يقف متسائلًا: ما الذي حمل عرفات على هذا المسلك؟
وما الدافع الذي أوقعه في هذا الكمِّ من الكذب، وصناعة هذه الإرهاصات والافتراءات المتتابعة؟
والجواب ـ لمن أراد الحق ـ ليس حدسًا ولا ظنًّا، بل هو جوابٌ صريحٌ على لسان الشيخ أبي عياض نفسه؛ إذ سأله أحد الإخوة هذا السؤال بعينه، فأجاب ـ حفظه الله ـ بجوابٍ يكشف العلَّة، ويضع اليد على موضع الداء، ويُبيِّن سبب هذا الانحراف، دون زيادة ولا نقصان…
قال الشيخ أبو عياض حفظه الله:
أعتقد أن السبب الحقيقي للهجوم كان الدفاع عن الشيخ البخاري؛ لأنه أصلُ كل هذا الكلام:
ففي عام 2021، حين خرجت اللقاحات وبدأ الناس يموتون، وعلَّقت معظم الدول الأوروبية لقاح أسترازينيكا في مارس 2021، نصحتُ الناس بعدم أخذها. وإذا كانوا في بلادٍ مسلمة يُلزمون فيها بأخذها لأجل العمل، نصحتُهم بألا يأخذوا لقاح الـ mRNA، وأن يأخذوا غيره مثل سينوفاك (الصيني).
فادَّعوا أن هذا طعنٌ في العلماء واتهامٌ لهم بعدم معرفة فقه الواقع، وأنه يجب عليَّ أن أتوقف عن الكلام وأن أرجع إلى العلماء، وأظنهم يقصدون الشيخ البخاري. وهذه هي القضية التي كنتُ أتحدث عنها في المقطع الصوتي (أي الذي استعمله عرفات)، حين كان بعضهم يعرض عليَّ هذه الإشكالات، ويقول: لماذا تتكلم عن اللقاحات ونحو ذلك؟
ثم في وقتٍ لاحق من العام نفسه، نقلوا الأمر إلى الشيخ البخاري، فأصدر فتواه بأن من ينصح بعدم أخذ اللقاح فهو آثم، وقال: «ما الفرق بينكم وبين عمرو بن عبيد؟» وقال إننا نفعل ذلك لأجل المال والشهرة. وكان جوابه ملتبسًا ومتناقضا؛ لأنه قال أيضًا إنه مُلزَم باتباع ما تقوله السلطات عنده، ولا يستطيع الخروج عن رأيهم، وأن شؤون الطب ظنية، وفيها اختلاف.
ففي ذلك الوقت علمتُ أن حكمه هذا - يعنى حكم التأثيم وما يُقارب التبديع - غير صحيح وفيه ظلم، لكنني آثرتُ التنازل مراعاةً لمصلحة الدعوة، ولئلا تقع فرقة. ثم خفَّت الأمور بعد ذلك خلال عام 2022 وبدايات 2023.
وعندما انتهت الجائحة رسميًا في عام 2023، بدأتُ أنشر في موقعي معلومات عن أضرار اللقاحات وكيفية علاجها، بعدما أصيب كثير من الناس بأمراض ومضاعفات، وقلتُ في مواضع عدة إن الأطباء والاختصاصيين الذين نصحوا بالحذر أدّوا واجبهم شرعًا ومهنيًا ووفقًا للنظام القانوني في بلدانهم. وذكرتُ غير مرة أنهم لا يسلكون طريق المعتزلة، وأن اتهامهم بذلك ليس من العدل.
وفي أغسطس 2023، ادَّعى عرَفات —حين كان في إندونيسيا— أن القول بأن الناس ماتوا بسبب اللقاح كذب، وقال: «هذا كذب». وبناءً على ذلك، كان ما أشرحه يُظهر عرَفات بمظهر سيئ أمام أتباعه. كما نقلتُ دراسات من دولٍ مسلمة، من السعودية والأردن، لإثبات أضرار لقاحات الـ mRNA.
فبدأ أتباع عرَفات ينقلون ذلك إليه، وشعر هو وهم بالإساءة؛ لأنهم لم يريدوا الاعتراف بأنهم كانوا مخطئين، وأن فتوى الشيخ البخاري الصادرة عام 2021 كانت خاطئة وقاسية، ولم تكن مبنية على الوقائع الحقيقية.
ثم في عام 2024 نشرتُ رابطًا لمقال مبنيٍّ على كلمة الشيخ علي الحذيفي عن "تنظيم النسل" (أي أن من أهداف اللقاحات {باعتراف صانعيها} ضبط عدد سكان الأرض)، وكان ذلك —فيما أظن— يوم 17
سبتمبر، وبعد أيام قليلة فقط، في 19 سبتمبر، بدأ عرَفات هجومه وشرع ينشر قائمة طويلة من الاتهامات، كلها مبنية على المقطع الصوتي نفسه، وكان أسلوبه يدل على الغضب والضيق.
وخلاصة السبب الحقيقي:
1. الدفاع عن مكانة الشيخ البخاري وعن فتواه القاسية التي أصدرها، وهي ليست فتوى كبار العلماء في الرياض.
2. الدفاع عن عرَفات؛ لأنه كان ينكر أمرًا ثابتًا، وهو أن اللقاحات قد تسببت فعلًا في أضرار، ولأنه اتخذ موقفًا شديدًا جعله يبدو بمظهر سيئ أمام أتباعه.
وكانوا يقولون أيضًا: «لماذا لم يسمع للشيخ البخاري؟ لماذا لم يأخذ بنصيحته؟ لماذا لم يتوقف عن الكتابة؟» إلى غير ذلك.
فكل هذا كان يدور حول: عدم الخضوع لسلطتهم، ونشر معلومات دنيوية جعلت الناس يرون أنهم أخطؤوا وتشددوا في الحكم في هذه المسألة.
في الحقيقة، كنتُ أؤيِّد نفس الموقفَ الذي اتخذه الشيخ اللحيدان (رحمه الله) أثناء إنفلونزا الخنازير عام 2009، حين قال إن التهويل لم يكن سوى تخويفٍ لبيع اللقاحات، وقد ثبتت صحة قوله، رغم أنهم سخروا منه ولقّبوه بـ «العالِم "العالم في الفيروسات"» (استهزاءً وتهكماً). وقد شكك الشيخ في قضية كورونا كذلك. وعلى هذا النحو اتهموني، واتهموا جميع الأطباء المسلمين في العالم الذين كان لهم موقفٌ مماثل، بأننا لا نختلف عن عمرو بن عبيد المعتزلي، وأننا نطلب الشهرة والمال، وقد كرر أتباعهم في أوروبا هذا الاتهام خلال العام الماضي، والله يعلم أننا برآء وأبرياء من ذلك.
فهذه خلاصة قضيتي.
وأما من جهةٍ أعمٍّ، فإن أتباع عرَفات في أوروبا كانوا يقولون كلامًا من قبيل: «لماذا لا تُرجعون أموركم إلى الشيخ البخاري؟» و«لماذا تركتموه؟» ونحو هذا. كما استدلُّوا ببعض كلام الشيخ عبيد في إحدى الدورات، حيث ألقى لنا اتصالًا عن بُعد في عام 2021، وذكر فيها ترشيحه للشيخ البخاري وعرَفات للمشاركة في الدورة، وقال بلفظ: «أُرشِّح لكم بعدي»، أي أُرشِّح لكم للمشاركة بعدي، لكن المترجم ترجمها ترجمة غير دقيقة، فجعل معناها: «أتركهما لكم إرثًا بعدي» (أي أوصيكم بهم).
فأخذ أتباع عرَفات يستعملون هذا الكلام، وصار من أهم حججهم: «انظروا، الشيخ عبيد أخبرهم أنهم يجب أن يتبعوا الشيخ البخاري وعرَفات ويرجعوا إليهم، وهم لا يفعلون».
وخلاصة القول: هذا هو كلام أتباع عرَفات، ولا أستبعد أن يكون عرَفات نفسه هو الذي كان يلمِّح لهم بذلك، والله أعلم. انتهى كلام الشيخ أبي عياض حفظه الله.
قلتُ: وأنا لا أستبعد ذلك كذلك، بل تؤكده وقائع وشهادات موثوقة؛ إذ حدَّثني فضيلة الشيخ علي الحذيفي ـ حفظه الله ـ ذات مرة فقال:
إن عرَفات ومن معه قد وظَّفوا عددًا كبيرًا من أشباه طلاب العلم لمحاربة الفضلاء والمشايخ؛ فله شبكات وأتباع في الهند، وأستراليا، وقطر، يُسخِّرهم في كتابة المقالات التي تُحذِّر من طلاب العلم، وتُنفِّر الناس منهم، وتُشوِّه صورتهم.
ثم ذكر ـ حفظه الله ـ مثالًا كاشفًا فقال:
إن عندنا أخًا فرنسيًّا من أصول عربية كتب مقالًا وأرسله في مجموعة (واتس أب)، فلما اطَّلع عليه الإخوة وجدوا أن المقال كلَّه طعنٌ في علي الحذيفي، وتعجبوا من قوة صياغته وجودة سبكه، فقالوا له: لمن هذا المقال؟ لا يمكن أن تكون أنت كاتبه! فقال: عرَفات هو الذي صنعه لي، أو قال: عرَفات أعانني عليه! فصُدم الإخوة الفرنسيون في تلك المجموعة من هذا الاعتراف الصريح… اهـ.
فيا عباد الله، إن ما ذُكر في هذا المقال من نسبة الأقوال والمواقف إلى الشيخ أبي عياض أمجد رفيق ـ حفظه الله ـ وهو منها بريء، لا يندرج بحال في باب الخطأ العارض، ولا يُحمل على سوء الفهم المحتمل، بل هو من الكذب الصريح، وبتر الكلام عن سياقه، والبهتان المبين؛ بهتانٌ قارب حدَّ التبديع ظلمًا وعدوانًا، لما يترتب عليه من:
إسقاطٍ للمكانة العلمية، وتشويهٍ للمنهج السلفي، وإيغارٍ لصدور العامة وطلاب العلم، وصناعة خصومات وهمية تُتَّخذ ذريعة للطعن والتشغيب.
رابعًا: التحقيق العلمي الذي أسقط الأكاذيب:
فإنه لما أُثير النزاع، وكثر اللغط، وتتابعت الدعاوى حول صوتيةٍ للشيخ أبي عياض أمجد رفيق – حفظه الله – وزُعم عليه فيها أقوالٌ لم تَرِد في مضمونها، وكان من مقتضى الأمانة العلمية، والعدل الشرعي، واتباع منهج أهل السنة والجماعة في التثبُّت والإنصاف، أن يُتحقَّق من الأمر تحقيقًا علميًّا منضبطًا، بعيدًا عن التهويل والهوى، فقد جرى النظر في هذه القضية على الوجه الآتي:
أولًا: أُحيلت الصوتية إلى أحد العلماء الثقات المعروفين بالديانة والعلم، ممن يُرجع إليهم في مثل هذه الأمور، للنظر في مضمونها والحكم عليها حكمًا علميًّا مجردًا.
ثانيًا: قام ذلك العالم بترجمة الصوتية عشر ترجماتٍ مستقلة، ثم قابل بينها مقابلة دقيقة، تحقيقًا للضبط، وقطعًا لاحتمالات الخلل، واحتياطًا في الفهم؛ إذ المقام مقام نزاع، ولا يُقبل فيه التساهل ولا الظن.
ثالثًا: رجع – زيادةً في التثبُّت – إلى مختصٍّ معتمد في ترجمة اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، ممن عُرف بالإتقان في هذا الباب، للتأكد من سلامة الترجمة وانتفاء توهُّم المعاني أو تحميل الألفاظ ما لا تحتمله.
وخلاصة الحكم العلمي بعد هذا المسلك المنهجي ما يلي:
أنه لا يوجد في الصوتية ما يثبت الدعاوى التي نُسبت إلى الشيخ أبي عياض، ولا ما يدل على تلك الأقوال التي أُشيعت عنه.
وأن أقصى ما يمكن أن يُقال – على فرض التنزُّل – أن في الصوتية ألفاظًا محتملة، تحتمل أكثر من وجه، ولا يَثبُت حملها على معنى فاسد أو مخالف.
مع إحسان الظن بالشيخ أبي عياض لسابق المعرفة بمنهجه، وعدم الجزم بإرادة معنى باطل، فضلًا عن اتهامه بما لم يصرِّح به ولم يدل عليه كلامه.
ونظرًا لأن المسألة قد صارت – للأسف – محل نزاعٍ بين بعض المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة، وما يترتب على ذلك من اضطراب وفُرقة، فقد نُصح الشيخ أبو عياض – حفظه الله – نصحًا أخويًّا شرعيًّا بما يلي:
• التراجع عن الألفاظ المحتملة التي قد يشتبه فهمها.
• وبيان أن تلك الألفاظ لا تُراد بها المعاني التي فهمها بعض الناس أو أُشيعت عنه زورًا وبهتانًا.
فاستجاب الشيخ أبو عياض – جزاه الله خيرًا – لهذه النصيحة، وتراجع عمَّا قد يُفهم منه الإيهام، دون أن يثبت عليه قولٌ صريحٌ مخالف، وإنما كان التراجع عن ألفاظ محتملة فقط، وهذا من كمال الورع، وحسن القصد، وسلامة المنهج.
وقد أكَّد الشيخ – في سياق ذلك – احترامه للعلماء الكبار، وتقديره لمكانتهم، وذكر جملةً منهم، كما ذكر طلابهم من المشايخ المعروفين، ومنهم: الشيخ عبد الله البخاري، الشيخ مصطفى مبرم، وغيرهما من أهل العلم، جزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
هذا وقد أتى الشيخ أبو عياض – والحمد لله – بكلامٍ صريحٍ واضحٍ لا لَبْس فيه، يبيِّن فيه أن ما نُسب إليه سابقًا كان كذبًا وافتراءً، وأن الدعاوى التي رُوِّجت أول الأمر لا أصل لها في الصوتية، ولا تقوم على نقلٍ صحيح، ولا على تحقيقٍ علمي. انظر ذلك في المرفقات.
وبهذا يتبيَّن لكل منصفٍ بطلان ما نُسب إلى الشيخ أبي عياض من الأقوال المكذوبة، وأن القضية في حقيقتها لا تعدو ألفاظًا محتملة جرى التراجع عنها سدًّا للذريعة وقطعًا للنزاع.
وأن ما أُتبع ذلك من حملات وتشنيع إنما هو كذب وبهتان، لا يقوم على علم ولا عدل، ولا يَسْلَم من مخالفة منهج أهل السنة في التثبت والإنصاف.
هذا... ومع ذلك، ومع وضوح الحق، وقيام الحجة، وسقوط الدعاوى، فإننا – ديانةً – ندعو الأخ الدكتور عرفات المحمدي – للمرة المئة - دعوةً صادقةً إلى الرجوع إلى الحق، والتوبة إلى الله عز وجل من هذا المسلك الخطير، ومن الكذب على المشايخ، وبتر الكلام، وبناء الأحكام على غير بيِّنة.
وندعوه إلى أن تكون التوبة توبةً ظاهرةً ببيانٍ صريح، تُردُّ فيه المظالم إلى أهلها، ويُتبرَّأ فيه من الأقوال التي نسبها زورًا إلى الشيخ أبي عياض، ويقطع فيه دابر الفتنة، فإن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل.
كما ندعوه – إن صدق في دعوى الحرص على المنهج ونشر العلم – إلى لمِّ الشمل بعد التوبة والبيان، وكسر الأقلام التي أوقدت نار الفتنة – ومنها ما نشره - أول أمس - أحد أتباع عرفات - محمد أسلم بن هاشم - على صفحته في (منصةx ) من طعنه مجدداً في أخينا فضيلة الشيخ أبي عياض حفظه الله-، وإطفاء الألسنة التي غذَّت الخصومة، والتفرغ لما ينفع من نشر العلم الصحيح، والدعوة بالحكمة، لا بتشويه الإخوة، ولا بإسقاط العلماء والمشايخ، ولا بإحياء الخصومات.
فهذا هو سبيل أهل السنة:
توبةٌ قبل الفضيحة، وبيانٌ قبل القطيعة، وجمعٌ للكلمة قبل تفريقها، والله من وراء القصد، وهو يهدي إلى سواء السبيل.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
ليلة الخميس: 26 رجب الفرد 1447 هـ.
الحلقة الثانية:
(ثاني دليلٍ على كذب عرفات المحمدي وافتراءاته على الشيخ أبي عياض – وهو منها بريء)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن من أخطر مسالك البغي وأقبح طرق العدوان: الكذب على العلماء والمشايخ وطلاب العلم، ونسبة الأقوال إليهم زورًا وبهتانًا، ثم بناء الأحكام والمواقف والتشنيع عليهم بتلك الأكاذيب المختلَقة؛ إذ يجتمع في هذا المسلك الكذب، والظلم، والتلبيس، وإفساد القلوب، وتفريق الصف، وهو دأب أهل الأهواء قديمًا وحديثًا.
ومن هذا الباب – بل من أظهر أمثلته – ما وقع فيه المدعو عرفات المحمدي من الكذب الصراح، والافتراء البيِّن، والبهتان المجرَّد، في حق الشيخ أبي عياض أمجد رفيق – حفظه الله –، حيث نسب إليه جملةً من الأقوال والمعتقدات التي لم يقلها، ولم يعتقدها، ولم يُقرِّر معناها لا تصريحًا ولا تلميحًا، وهو منها بريء براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام.
أولًا: عرض الأكاذيب:
ومن تلك الأكاذيب التي افتراها عليه ما يلي:
١- أن العلماء الكبار بدو أهل صحراء لا يُحسنون.
٢- وأنهم ينقادون خلف ولاة أمورهم بتبعية عمياء.
٣- وأنه يريد إسقاط العلماء لينصر فكرة باطلة
٤- وأن العلماء لا يستطيعون مخالفة سياسة حكامهم، ولذلك أفتوا في قضايا التطعيم بما أُريد منهم.
٥- وأنه يسفّه أقوال العلماء الذين أفتوا بالجواز في مسألة التطعيم.
٦- وأن فتاواهم في التطعيمات مجرد صدى لإرادة الحكام.
٧- وأن العلماء لا يجرؤون أصلًا على مخالفة السياسة.
٨- وأنهم لا يخرجون عن حكم الحكام بحال.
٩- وأنه يصف بعض العلماء ـ كذبًا ـ بأنهم حمقى، متخبطون، جهال بالطب، ويعمّم ذلك على غيرهم.
١٠- وأنه يشترط أن لا يفتي العالم في شيء حتى يتخصص فيه تخصصًا دقيقًا.
١١- ويكرر هذا الشرط ويجعله أصلًا.
١٢- وأنه يصوّر العلماء كالدراويش السذج.
١٣- وأنه يرى ان لا فائدة في الرجوع إلى العلماء في النوازل لأنهم لا يحسنون
١٤- وأن كلامه لا يختلف عن مقولة السرورية والقطبية: «العلماء الكبار لا يفقهون الواقع».
١٥- وأنه جعل مسألة اللقاح باب موالاة ومعاداة.
١6- وأنه شغل الشباب ليل نهار بهذه القضية.
وهنا نقف وقفةَ إنصافٍ وعدلٍ:
أيُّ علمٍ هذا الذي يُسوِّغ لرجلٍ أن يختلق على شيخٍ معروفٍ بالسنة والدعوة هذا السيلَ الجارف من التُّهم؟
وأيُّ ديانةٍ تبيح له أن يرميه بأقوالٍ لم ينطق بها، ولا دلَّ عليها لفظه، ولا فهمها أهل العلم، ثم يبني عليها طعنًا وتشنيعًا وإسقاطًا؟
وأيُّ ورعٍ يُقنع صاحبه أن يتجرأ على أعراض المشايخ، فيجمع الأكاذيب جمعًا، ويرصُّها رصًّا، ثم يقدِّمها للناس في ثوب النُّصح، وهي في حقيقتها بهتانٌ وعدوان؟!
بل هو – والله – تجاسرٌ على الحق، وركوبٌ للهوى، وخروجٌ عن منهج أهل السنة في العدل والإنصاف، فإن أهل السنة لا يثبتون قولًا إلا بدليل، ولا ينسبون رأيًا إلا بنقل، ولا يحكمون إلا بعد تثبّت.
ثم أيُّ عقلٍ يقبل أن تُنسب هذه التهم العظام إلى شيخٍ واحدٍ جملةً واحدة، أو دفعةً واحدة، دون أن يُسمع له بيان، أو يُنقل عنه تصريح، أو يُستفصل عن مراده؟!
إن هذا المسلك – إن لم يكن كذبًا متعمَّدًا – فهو تلبيسٌ فاحش، وعدوانٌ بيِّن، وفسادٌ في ميزان العدل، ولا يَصدر إلا ممن استهان بالحق، أو قدَّم خصومته على ديانته.
ثانيًا: من هو أبو عياض الذي كُذِب عليه؟
الشيخ أبو عياض أمجد رفيق أحد الدعاة إلى السلفية، المعروفين بالدعوة والدروس في بريطانيا والعالم الغربي على مدى ثلاثين سنة. وقد كان معروفا عند الشيخ عبيد الجابري الذي أثنى عليه وذكره من طلابه. وقد ترجم من مؤلفات العلماء ورسائلهم الشيء الكثير، ونشر آلاف المقالات في الدفاع عن المنهج السلفي، وفي الذب عن العلم والعلماء.
وإن كثيراً من السلفيين في بريطانيا، وكذلك عدداً كبيراً من الناطقين بالإنجليزية في أنحاء العالم ممن لم يكونوا يفهمون اللغة العربية في بداية تعلمهم السلفية، ومنهم كثير من طلاب العلم اليوم، والمعلمين، وخريجي الجامعات الإسلامية، قد تعرفوا على المنهج السلفي وعرفوا من هم علماء السنة، وما لهم من المكانة الشرعية، من خلال جهود الشيخ أبي عياض وجهود إخوانه من الدعاة إلى السنة في هذه البلاد الغربية.
ومن أبرز مواقفه الراسخة النافعة وكتاباته المفيدة: رسالاته العديدة في الدفاع عن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، والذب عنه من افتراءات أهل البدع والمستشرقين، وردوده على السرورية والقطبية الذين تسللوا إلى بريطانيا وخدعوا كثيرا من المسلمين، وكذلك ردوده على الأشاعرة في الغرب الذين حاولوا تلبيس بدعتهم بادعائهم أنهم حنابلة وأهل الأثر، وأيضا ردوده على المصعفقة المفرقة.
فهو رجل محبوب عند أهل السنة لما قام به من جهود مشكورة، ومبغوض عند أهل البدع لما كتبه من ردود عليهم. ولسنا ننسب إليه العصمة، كما لا ننسبها إلى غيره، غير أن أمثال الشيخ أبي عياض هم أَحرى الناس بأن يذكروا بالخير، وإذا احتيج إلى نصحهم أو تصويب خطأ لهم، فإن علماءنا قد علمونا أن السلفي، صاحب التاريخ الطويل الحسن في لزوم السنة والدفاع عنها وعن أهلها، يستحق أن يصان عرضه ويحفظ قدره مع نصحه وتصحيح خطئه إذا أخطأ. والله أعلم.
كتبه أخونا: أبو عبد الله زبير بن إبراهيم الصومالي حفظه الله، ٢٣ رجب ١٤٤٧ - الموافق ١٣ يناير ٢٠٢٦م.
قلت: فهل يُعقل – بعد هذا – أن يُرمى هذا الشيخ بمثل هذه الطعون الشنيعة؟! أم أن القضية قضية هوى، وانتقام، وتشويهٍ متعمَّد؟!
ثالثًا: أصل الافتراء وحقيقته:
وهذه الأكاذيب – كلُّها – لم تصدر عن الشيخ أبي عياض لا لفظًا ولا معنى، وإنما هي افتراءات مركَّبة، صُنعت صناعة بخبث ودهاء من هذا الثعلب المكار.
هذا... وقد وقع نحو هذا الأمر منذ سنين طويلة، أظنها قبل نحو عشرين عامًا؛ إذ استمع الشيخ البخاري والشيخ خالد الردادي ـ رحمه الله وغفر له ـ في ذلك الوقت إلى بعض المغرضين الذين حملوا طعوناتٍ وافتراءاتٍ على إخوانهم في المكتبة السلفية ببريطانيا، فمالا إلى تصديقهم، وصارا ينتصران لهم على حساب المكتبة وأهلها.
ثم لما قدم الإخوة معتمرين، دعاهم الشيخ خالد الردادي ـ رحمه الله ـ إلى بيته إكرامًا لهم، فجلسوا عنده، وتحدَّثوا حديثًا وديًّا، حتى قال لهم: ما رأيكم أن نُعيد هذه الجلسة غدًا؟
ففرح الإخوة، وظنوا أن الأمور تتجه إلى التحسن وجبر الخواطر، خاصة بعد ما بدا من لينٍ وبشاشة.
غير أنهم فوجئوا في اليوم التالي بأن اللقاء لم يكن على ما ظنُّوا؛ إذ حضروا إلى مبنى الشيخ خالد الردادي، فإذا بالشيخ عبد الله البخاري قد جمع معهم أولئك المغرضين أنفسهم، ممن كانوا يسعون لإسقاطهم والطعن فيهم، دون علمٍ مسبق ولا تمهيد.
ثم وقع الهجوم عليهم دفعة واحدة، من غير إعطائهم فرصة للبيان أو الدفاع، وأُلزموا إلزامًا بكتابة تراجعاتٍ عمَّا نُسب إليهم زورًا وبهتانًا.
ومن فضل الله تعالى، كان شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي ـ رحمه الله ـ موجودًا في المدينة في تلك الليلة، فلما بلغه ما جرى غضب غضبًا شديدًا، وأنكر هذا الصنيع، وأمر الإخوة في المكتبة أن يردُّوا على الشيخ البخاري والشيخ خالد الردادي ردًّا علميًا واضحًا.
وكذلك غضب شيخنا العلامة عبيد بن عبد الله الجابري ـ رحمه الله ـ لما بلغه ما حصل، وأنكر ما وقع من الظلم والتعجل وسوء التصرف.
ومنذ ذلك الوقت انقطع الشيخ خالد الردادي - رحمه الله - عنهم، وأما الشيخ البخاري – عفا الله - فلم يرض عن رجوعهم إلى الشيخ ربيع، محتجًّا بأن المجالس أمانة، مع أن ما جرى لم يكن مجلس نصحٍ وأمانة، بل كمينًا مفاجئًا جُمع فيه الخصوم لإلزام الأبرياء بما لم يقولوه.
ومع ذلك كلِّه، فإن المكتبة السلفية ـ بحمد الله ـ بقيت تُقدِّر الشيخ عبد الله البخاري، وتزوره إذا قدموا معتمرين، وينصحون طلاب الجامعة الإسلامية وطلابهم إذا قصدوا المدينة بالاستفادة منه، التزامًا منهم بمنهج أهل السنة في العدل، وردِّ الخطأ مع حفظ المكانة، والوفاء لأهل الفضل.
وعليه؛ فقد استعمل عرفات أسلوبه المعهود من الخبث والتلبيس، فتناول صوتية من صوتيات الشيخ أبي عياض، وبتر منها، وليَّ ألفاظها، ونفخ فيها بالكذب والافتراء، ليُلبس على الناس.
وحينئذٍ يحق لكل قارئٍ منصف، وكل سامعٍ متجرِّد، أن يقف متسائلًا: ما الذي حمل عرفات على هذا المسلك؟
وما الدافع الذي أوقعه في هذا الكمِّ من الكذب، وصناعة هذه الإرهاصات والافتراءات المتتابعة؟
والجواب ـ لمن أراد الحق ـ ليس حدسًا ولا ظنًّا، بل هو جوابٌ صريحٌ على لسان الشيخ أبي عياض نفسه؛ إذ سأله أحد الإخوة هذا السؤال بعينه، فأجاب ـ حفظه الله ـ بجوابٍ يكشف العلَّة، ويضع اليد على موضع الداء، ويُبيِّن سبب هذا الانحراف، دون زيادة ولا نقصان…
قال الشيخ أبو عياض حفظه الله:
أعتقد أن السبب الحقيقي للهجوم كان الدفاع عن الشيخ البخاري؛ لأنه أصلُ كل هذا الكلام:
ففي عام 2021، حين خرجت اللقاحات وبدأ الناس يموتون، وعلَّقت معظم الدول الأوروبية لقاح أسترازينيكا في مارس 2021، نصحتُ الناس بعدم أخذها. وإذا كانوا في بلادٍ مسلمة يُلزمون فيها بأخذها لأجل العمل، نصحتُهم بألا يأخذوا لقاح الـ mRNA، وأن يأخذوا غيره مثل سينوفاك (الصيني).
فادَّعوا أن هذا طعنٌ في العلماء واتهامٌ لهم بعدم معرفة فقه الواقع، وأنه يجب عليَّ أن أتوقف عن الكلام وأن أرجع إلى العلماء، وأظنهم يقصدون الشيخ البخاري. وهذه هي القضية التي كنتُ أتحدث عنها في المقطع الصوتي (أي الذي استعمله عرفات)، حين كان بعضهم يعرض عليَّ هذه الإشكالات، ويقول: لماذا تتكلم عن اللقاحات ونحو ذلك؟
ثم في وقتٍ لاحق من العام نفسه، نقلوا الأمر إلى الشيخ البخاري، فأصدر فتواه بأن من ينصح بعدم أخذ اللقاح فهو آثم، وقال: «ما الفرق بينكم وبين عمرو بن عبيد؟» وقال إننا نفعل ذلك لأجل المال والشهرة. وكان جوابه ملتبسًا ومتناقضا؛ لأنه قال أيضًا إنه مُلزَم باتباع ما تقوله السلطات عنده، ولا يستطيع الخروج عن رأيهم، وأن شؤون الطب ظنية، وفيها اختلاف.
ففي ذلك الوقت علمتُ أن حكمه هذا - يعنى حكم التأثيم وما يُقارب التبديع - غير صحيح وفيه ظلم، لكنني آثرتُ التنازل مراعاةً لمصلحة الدعوة، ولئلا تقع فرقة. ثم خفَّت الأمور بعد ذلك خلال عام 2022 وبدايات 2023.
وعندما انتهت الجائحة رسميًا في عام 2023، بدأتُ أنشر في موقعي معلومات عن أضرار اللقاحات وكيفية علاجها، بعدما أصيب كثير من الناس بأمراض ومضاعفات، وقلتُ في مواضع عدة إن الأطباء والاختصاصيين الذين نصحوا بالحذر أدّوا واجبهم شرعًا ومهنيًا ووفقًا للنظام القانوني في بلدانهم. وذكرتُ غير مرة أنهم لا يسلكون طريق المعتزلة، وأن اتهامهم بذلك ليس من العدل.
وفي أغسطس 2023، ادَّعى عرَفات —حين كان في إندونيسيا— أن القول بأن الناس ماتوا بسبب اللقاح كذب، وقال: «هذا كذب». وبناءً على ذلك، كان ما أشرحه يُظهر عرَفات بمظهر سيئ أمام أتباعه. كما نقلتُ دراسات من دولٍ مسلمة، من السعودية والأردن، لإثبات أضرار لقاحات الـ mRNA.
فبدأ أتباع عرَفات ينقلون ذلك إليه، وشعر هو وهم بالإساءة؛ لأنهم لم يريدوا الاعتراف بأنهم كانوا مخطئين، وأن فتوى الشيخ البخاري الصادرة عام 2021 كانت خاطئة وقاسية، ولم تكن مبنية على الوقائع الحقيقية.
ثم في عام 2024 نشرتُ رابطًا لمقال مبنيٍّ على كلمة الشيخ علي الحذيفي عن "تنظيم النسل" (أي أن من أهداف اللقاحات {باعتراف صانعيها} ضبط عدد سكان الأرض)، وكان ذلك —فيما أظن— يوم 17
سبتمبر، وبعد أيام قليلة فقط، في 19 سبتمبر، بدأ عرَفات هجومه وشرع ينشر قائمة طويلة من الاتهامات، كلها مبنية على المقطع الصوتي نفسه، وكان أسلوبه يدل على الغضب والضيق.
وخلاصة السبب الحقيقي:
1. الدفاع عن مكانة الشيخ البخاري وعن فتواه القاسية التي أصدرها، وهي ليست فتوى كبار العلماء في الرياض.
2. الدفاع عن عرَفات؛ لأنه كان ينكر أمرًا ثابتًا، وهو أن اللقاحات قد تسببت فعلًا في أضرار، ولأنه اتخذ موقفًا شديدًا جعله يبدو بمظهر سيئ أمام أتباعه.
وكانوا يقولون أيضًا: «لماذا لم يسمع للشيخ البخاري؟ لماذا لم يأخذ بنصيحته؟ لماذا لم يتوقف عن الكتابة؟» إلى غير ذلك.
فكل هذا كان يدور حول: عدم الخضوع لسلطتهم، ونشر معلومات دنيوية جعلت الناس يرون أنهم أخطؤوا وتشددوا في الحكم في هذه المسألة.
في الحقيقة، كنتُ أؤيِّد نفس الموقفَ الذي اتخذه الشيخ اللحيدان (رحمه الله) أثناء إنفلونزا الخنازير عام 2009، حين قال إن التهويل لم يكن سوى تخويفٍ لبيع اللقاحات، وقد ثبتت صحة قوله، رغم أنهم سخروا منه ولقّبوه بـ «العالِم "العالم في الفيروسات"» (استهزاءً وتهكماً). وقد شكك الشيخ في قضية كورونا كذلك. وعلى هذا النحو اتهموني، واتهموا جميع الأطباء المسلمين في العالم الذين كان لهم موقفٌ مماثل، بأننا لا نختلف عن عمرو بن عبيد المعتزلي، وأننا نطلب الشهرة والمال، وقد كرر أتباعهم في أوروبا هذا الاتهام خلال العام الماضي، والله يعلم أننا برآء وأبرياء من ذلك.
فهذه خلاصة قضيتي.
وأما من جهةٍ أعمٍّ، فإن أتباع عرَفات في أوروبا كانوا يقولون كلامًا من قبيل: «لماذا لا تُرجعون أموركم إلى الشيخ البخاري؟» و«لماذا تركتموه؟» ونحو هذا. كما استدلُّوا ببعض كلام الشيخ عبيد في إحدى الدورات، حيث ألقى لنا اتصالًا عن بُعد في عام 2021، وذكر فيها ترشيحه للشيخ البخاري وعرَفات للمشاركة في الدورة، وقال بلفظ: «أُرشِّح لكم بعدي»، أي أُرشِّح لكم للمشاركة بعدي، لكن المترجم ترجمها ترجمة غير دقيقة، فجعل معناها: «أتركهما لكم إرثًا بعدي» (أي أوصيكم بهم).
فأخذ أتباع عرَفات يستعملون هذا الكلام، وصار من أهم حججهم: «انظروا، الشيخ عبيد أخبرهم أنهم يجب أن يتبعوا الشيخ البخاري وعرَفات ويرجعوا إليهم، وهم لا يفعلون».
وخلاصة القول: هذا هو كلام أتباع عرَفات، ولا أستبعد أن يكون عرَفات نفسه هو الذي كان يلمِّح لهم بذلك، والله أعلم. انتهى كلام الشيخ أبي عياض حفظه الله.
قلتُ: وأنا لا أستبعد ذلك كذلك، بل تؤكده وقائع وشهادات موثوقة؛ إذ حدَّثني فضيلة الشيخ علي الحذيفي ـ حفظه الله ـ ذات مرة فقال:
إن عرَفات ومن معه قد وظَّفوا عددًا كبيرًا من أشباه طلاب العلم لمحاربة الفضلاء والمشايخ؛ فله شبكات وأتباع في الهند، وأستراليا، وقطر، يُسخِّرهم في كتابة المقالات التي تُحذِّر من طلاب العلم، وتُنفِّر الناس منهم، وتُشوِّه صورتهم.
ثم ذكر ـ حفظه الله ـ مثالًا كاشفًا فقال:
إن عندنا أخًا فرنسيًّا من أصول عربية كتب مقالًا وأرسله في مجموعة (واتس أب)، فلما اطَّلع عليه الإخوة وجدوا أن المقال كلَّه طعنٌ في علي الحذيفي، وتعجبوا من قوة صياغته وجودة سبكه، فقالوا له: لمن هذا المقال؟ لا يمكن أن تكون أنت كاتبه! فقال: عرَفات هو الذي صنعه لي، أو قال: عرَفات أعانني عليه! فصُدم الإخوة الفرنسيون في تلك المجموعة من هذا الاعتراف الصريح… اهـ.
فيا عباد الله، إن ما ذُكر في هذا المقال من نسبة الأقوال والمواقف إلى الشيخ أبي عياض أمجد رفيق ـ حفظه الله ـ وهو منها بريء، لا يندرج بحال في باب الخطأ العارض، ولا يُحمل على سوء الفهم المحتمل، بل هو من الكذب الصريح، وبتر الكلام عن سياقه، والبهتان المبين؛ بهتانٌ قارب حدَّ التبديع ظلمًا وعدوانًا، لما يترتب عليه من:
إسقاطٍ للمكانة العلمية، وتشويهٍ للمنهج السلفي، وإيغارٍ لصدور العامة وطلاب العلم، وصناعة خصومات وهمية تُتَّخذ ذريعة للطعن والتشغيب.
رابعًا: التحقيق العلمي الذي أسقط الأكاذيب:
فإنه لما أُثير النزاع، وكثر اللغط، وتتابعت الدعاوى حول صوتيةٍ للشيخ أبي عياض أمجد رفيق – حفظه الله – وزُعم عليه فيها أقوالٌ لم تَرِد في مضمونها، وكان من مقتضى الأمانة العلمية، والعدل الشرعي، واتباع منهج أهل السنة والجماعة في التثبُّت والإنصاف، أن يُتحقَّق من الأمر تحقيقًا علميًّا منضبطًا، بعيدًا عن التهويل والهوى، فقد جرى النظر في هذه القضية على الوجه الآتي:
أولًا: أُحيلت الصوتية إلى أحد العلماء الثقات المعروفين بالديانة والعلم، ممن يُرجع إليهم في مثل هذه الأمور، للنظر في مضمونها والحكم عليها حكمًا علميًّا مجردًا.
ثانيًا: قام ذلك العالم بترجمة الصوتية عشر ترجماتٍ مستقلة، ثم قابل بينها مقابلة دقيقة، تحقيقًا للضبط، وقطعًا لاحتمالات الخلل، واحتياطًا في الفهم؛ إذ المقام مقام نزاع، ولا يُقبل فيه التساهل ولا الظن.
ثالثًا: رجع – زيادةً في التثبُّت – إلى مختصٍّ معتمد في ترجمة اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، ممن عُرف بالإتقان في هذا الباب، للتأكد من سلامة الترجمة وانتفاء توهُّم المعاني أو تحميل الألفاظ ما لا تحتمله.
وخلاصة الحكم العلمي بعد هذا المسلك المنهجي ما يلي:
أنه لا يوجد في الصوتية ما يثبت الدعاوى التي نُسبت إلى الشيخ أبي عياض، ولا ما يدل على تلك الأقوال التي أُشيعت عنه.
وأن أقصى ما يمكن أن يُقال – على فرض التنزُّل – أن في الصوتية ألفاظًا محتملة، تحتمل أكثر من وجه، ولا يَثبُت حملها على معنى فاسد أو مخالف.
مع إحسان الظن بالشيخ أبي عياض لسابق المعرفة بمنهجه، وعدم الجزم بإرادة معنى باطل، فضلًا عن اتهامه بما لم يصرِّح به ولم يدل عليه كلامه.
ونظرًا لأن المسألة قد صارت – للأسف – محل نزاعٍ بين بعض المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة، وما يترتب على ذلك من اضطراب وفُرقة، فقد نُصح الشيخ أبو عياض – حفظه الله – نصحًا أخويًّا شرعيًّا بما يلي:
• التراجع عن الألفاظ المحتملة التي قد يشتبه فهمها.
• وبيان أن تلك الألفاظ لا تُراد بها المعاني التي فهمها بعض الناس أو أُشيعت عنه زورًا وبهتانًا.
فاستجاب الشيخ أبو عياض – جزاه الله خيرًا – لهذه النصيحة، وتراجع عمَّا قد يُفهم منه الإيهام، دون أن يثبت عليه قولٌ صريحٌ مخالف، وإنما كان التراجع عن ألفاظ محتملة فقط، وهذا من كمال الورع، وحسن القصد، وسلامة المنهج.
وقد أكَّد الشيخ – في سياق ذلك – احترامه للعلماء الكبار، وتقديره لمكانتهم، وذكر جملةً منهم، كما ذكر طلابهم من المشايخ المعروفين، ومنهم: الشيخ عبد الله البخاري، الشيخ مصطفى مبرم، وغيرهما من أهل العلم، جزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
هذا وقد أتى الشيخ أبو عياض – والحمد لله – بكلامٍ صريحٍ واضحٍ لا لَبْس فيه، يبيِّن فيه أن ما نُسب إليه سابقًا كان كذبًا وافتراءً، وأن الدعاوى التي رُوِّجت أول الأمر لا أصل لها في الصوتية، ولا تقوم على نقلٍ صحيح، ولا على تحقيقٍ علمي. انظر ذلك في المرفقات.
وبهذا يتبيَّن لكل منصفٍ بطلان ما نُسب إلى الشيخ أبي عياض من الأقوال المكذوبة، وأن القضية في حقيقتها لا تعدو ألفاظًا محتملة جرى التراجع عنها سدًّا للذريعة وقطعًا للنزاع.
وأن ما أُتبع ذلك من حملات وتشنيع إنما هو كذب وبهتان، لا يقوم على علم ولا عدل، ولا يَسْلَم من مخالفة منهج أهل السنة في التثبت والإنصاف.
هذا... ومع ذلك، ومع وضوح الحق، وقيام الحجة، وسقوط الدعاوى، فإننا – ديانةً – ندعو الأخ الدكتور عرفات المحمدي – للمرة المئة - دعوةً صادقةً إلى الرجوع إلى الحق، والتوبة إلى الله عز وجل من هذا المسلك الخطير، ومن الكذب على المشايخ، وبتر الكلام، وبناء الأحكام على غير بيِّنة.
وندعوه إلى أن تكون التوبة توبةً ظاهرةً ببيانٍ صريح، تُردُّ فيه المظالم إلى أهلها، ويُتبرَّأ فيه من الأقوال التي نسبها زورًا إلى الشيخ أبي عياض، ويقطع فيه دابر الفتنة، فإن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل.
كما ندعوه – إن صدق في دعوى الحرص على المنهج ونشر العلم – إلى لمِّ الشمل بعد التوبة والبيان، وكسر الأقلام التي أوقدت نار الفتنة – ومنها ما نشره - أول أمس - أحد أتباع عرفات - محمد أسلم بن هاشم - على صفحته في (منصةx ) من طعنه مجدداً في أخينا فضيلة الشيخ أبي عياض حفظه الله-، وإطفاء الألسنة التي غذَّت الخصومة، والتفرغ لما ينفع من نشر العلم الصحيح، والدعوة بالحكمة، لا بتشويه الإخوة، ولا بإسقاط العلماء والمشايخ، ولا بإحياء الخصومات.
فهذا هو سبيل أهل السنة:
توبةٌ قبل الفضيحة، وبيانٌ قبل القطيعة، وجمعٌ للكلمة قبل تفريقها، والله من وراء القصد، وهو يهدي إلى سواء السبيل.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
ليلة الخميس: 26 رجب الفرد 1447 هـ.
