الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الردود

المكرُ الحركي بينَ التشغيبِ والتلبيس؛ وكيف يُصرَفُ الشبابُ عن أصلِ القضايا

١٤ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ٣١ مايو ٢٠٢٦
الردودالمقالاتالرد على عرفات المحمديالرد على عبد الله البخاريالمنهج والدعوة السلفيةالرقائق والآداب
مقال الأسبوع:

(المكرُ الحركي)
أو
(بينَ التشغيبِ والتلبيس؛ وكيف يُصرَفُ الشبابُ عن أصلِ القضايا)


الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتقين، ولا عدوانَ إلا على الظالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُحيي القلوبَ بنور اليقين، وتثبِّت أهلَ الحق على الصراط المستبين، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، إمامُ المتقين، وقائدُ الغرِّ المحجَّلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإنَّ من أعظمِ ما تُبتلى به الدعوة إذا داخلتها الأهواء، وتسلَّط عليها أهلُ التشغيب والمراء، أن يُصرف الناسُ عن أصولِ القضايا إلى حواشيها، وعن مواضعِ الداءِ إلى سرابِ المعارك الجانبية، حتى يضيع الحقُّ بين الضوضاء، وتختلطَ الموازينُ بكثرةِ اللغط والجدال.

وما أكثرَ من يُحسنون صناعةَ التشتيت إذا عجزوا عن صناعةِ الحجة، ويُجيدون تحويلَ الأنظار إذا ضاقت عليهم مسالكُ البيان؛ فإذا اقترب الناسُ من أصلِ الإشكال، وبدأت الحقائقُ تتضح، فتحوا للناس أبوابًا أخرى، يجرُّونهم إليها جرًّا، حتى يموت الأصلُ تحت زحامِ الفروع، وتبرد القضيةُ في النفوس شيئًا فشيئًا.

ومن تأمَّل صنيعَ عرفات المكار رأى هذا المسلكَ ظاهرًا جليًّا؛ فإنه لما ضاق عليه الحديثُ في أصلِ القضية، وكثرت الأسئلةُ حول حقيقةِ مخالفة أصل من الأصول، لم يتجه إلى تحريرِ محلِّ النزاع بصدقٍ وإنصاف، بل لجأ إلى سياسةِ التشغيب بالصرف، وهي طريقةٌ قديمةٌ عند أهلِ الأهواء؛ إذا عجزوا عن الجواب المحرر حشروا الناسَ تحت ركامِ القضايا الفرعية، وإذا لم يستطيعوا ردَّ الحجة شغَّبوا حولها حتى تضيعَ معالمُها بين كثرةِ الأصوات.

ففتح ملفَّ الشيخ عبد الله البخاري وأن المراد إسقاطه، وجعله محورَ الحديث، وأخذ يُحرِّك جلساءه وأتباعه نحو هذا الباب المفتعل، حتى صار كثيرٌ من الشباب مشغولين بالأخذِ والرد، والقالِ والقيل، وغاب عنهم أصلُ الإشكال الذي لأجله قامت كلماتُ العلماء والمشايخ لتجليته ونصح المسلمين فيه وهو: مخالفة المسمون ب (مشايخ عدن) أعني الحزب الانتقالي الجنوبي الجديد لأصل من أصول السلفية وهو الخروج على ولاة الأمر بالسيف؛ ناهيك عن مسائل أخرى عظام.

ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل صار التشغيبُ يتغذَّى على التوافه والجزئيات؛ فتارةً يُفتَّش في سبقِ قلم، وتارةً يُتتبَّع خطأٌ إملائي، وتارةً تُضخَّم زلَّةُ لسان، أو عبارةٌ مجملة، أو لفظةٌ خرجت على غير مراد صاحبها، حتى صارت هذه الهفواتُ البشرية — التي لا يكاد ينجو منها أحد — قضايا تُعقد لها المجالس، وتُملأ بها الكتابات والمحاضرات، وتُشحذ بها العواطف!

وكأنَّ الدينَ لم يبقَ فيه إلا ترصُّدُ العثرات، والتنقيبُ عن الزلات، وتكثيرُ اللغط حول الهفوات، أما أصولُ المسائل، وحقائقُ المناهج، ومواطنُ الانحراف، فذلك عندهم مؤجَّلٌ أو مطمور!

وهذه طريقةُ العاجزِ عن مواجهةِ الأصول؛ فإنَّ من ضعفَ عن ردِّ الحجج اشتغل بتفتيشِ العبارات، ومن عجز عن إسقاطِ المعاني تعلَّق بالألفاظ، ومن لم يجد مطعنًا في المقاصد راح يقتاتُ على موائد الهفوات البشرية، ويجمعُ سقطاتِ الأقلام، كما يجتمع الذبابُ على مواضعَ الجراح والقاذورات.

ولو كان الناسُ يُسقطون العلماءَ بسبقِ قلم، أو خطأِ إملاء، أو عثرةِ لسان، لما سلم إمامٌ من أئمة الإسلام؛ فهذا الإمام ، وذاك العلامة، وغيرُهم من أئمة الهدى، قد وقعت لهم أوهامٌ وزلات، ولم يكن أهلُ السنة يجعلون ذلك مطيَّةً للطعن فيهم، ولا بابًا للتشنيع عليهم؛ لأنَّ الميزانَ عندهم ميزانُ عدلٍ وإنصاف، لا ميزانُ تتبُّعٍ وتشفٍّ وتستر من ان تظهر حقيقتهم أمام طلابهم الحمقى.

فهكذا أهلَ التشويش من مشايخ ذاك الحزب الجديد العفن (الحزب العرفاتي الانتقالي) إذا أرادوا صرفَ طلابهم عن أصلِ القضية أغرقوهم في هذه الجزئيات؛ فيبقى الشبابُ أيامًا ولياليَ يتجادلون: عمن أخطأ في كلمة؟ وهل سبق قلمُه إلى كذا؟ وهل كان ينبغي أن يقول كذا بدل كذا؟ بينما أصلُ الانحراف، وأصلُ التلبيس، وأصلُ القضية الكبرى، يُدفن شيئًا فشيئًا تحت هذا الركام من الضوضاء.

وهنا يتجلَّى المكرُ بأوضحِ صوره؛ فإنَّ هذه الملفاتِ الفرعيةَ لم تُفتح نصرةً للحق، ولا غيرةً على المنهج، وإنما جُعلت ستارًا كثيفًا، يُحجب به أصلُ النزاع، ويُصرف الناسُ به عن موضعِ الخلل الحقيقي، حتى إذا بردت القضيةُ في النفوس، وخمدت حرارةُ الإنكار، وتفرَّق الشبابُ في متاهاتِ الجدل، أمكن تمريرُ الباطل في هدوء، وإطفاءُ جذوةِ الحق تحت أكوامِ التشويش والتلبيس.
فأيُّ مكرٍ بعد هذا المكر؟! وأيُّ خديعةٍ أعظمُ من خديعةِ هذا الثعلب المكار عرفات المحمدي - عامله الله بعدله- الذي يُشغِل الشبابَ بفروع أو أشياء لا طائل تحتها ليصرفهم عن مخالفاتهم في الأصول، ويملأ أسماعَهم بضجيجِ الجزئيات حتى لا يسمعوا صوتَ الحقِّ الواضح البيِّن؟!
إنه مسلكُ الثعلبِ المكار؛ لا يواجه أصلَ القضية مواجهةَ الصادق الواثق، ولا يُحرِّر موضعَ النزاع تحريرَ أهلِ العدل والإنصاف، وإنما يلتفُّ حول الحق التفافَ المراوغ، ويُكثر الغبارَ حول موضعِ الخلل حتى تضيعَ معالمُ الطريق السلفي الواضح
البين، ويختلطَ على الشبابِ الحقُّ بالباطل، والهدى بالتشغيب.
فإذا رأى الناسَ قد اقتربوا من أصلِ الإشكال، فتح لهم بابًا آخر، وإذا شعر أنَّ القضية بدأت تستقرُّ في النفوس، ألقى إليهم ملفًّا جديدًا، وإذا عجز عن ردِّ الحجة اشتغل بتفتيشِ العبارات، وتتبعِ الهفوات، وتضخيمِ سبقِ القلم وزلَّاتِ اللسان، حتى يُغرق الشبابَ في مستنقعِ الجدل العقيم، ويصرفهم عن النظرِ في أصلِ الانحراف والتلبيس.
وهكذا دواليك.

وأهلُ السنة — بحمد الله — ليسوا أهلَ ضوضاء ولا أهلَ تشغيب، وإنما هم أهلُ بيانٍ وعدل، يردُّون الناسَ إلى الأصول، ويزنون الأمورَ بميزانِ الشرع، لا بميزانِ العواطف والأشخاص، فلا يُسقطون الحقَّ لأجلِ محبوب، ولا يُلبسون الباطلَ ثوبَ الحكمة، ولا يسمحون لهذا المكرِ الحركي أن يطمسَ معالمَ القضايا الواضحة.

ولهذا؛ فإنَّ الواجب على الناصحين أن يُبقوا أصلَ القضية حاضرًا لا يغيب، ظاهرًا لا يُدفن، مذكورًا في الكلماتِ والتنبيهات، لا لإشعالِ الفتن، ولكن حمايةً للشباب من الحيرة، وصيانةً لهم من التلبيس، وربطًا لهم بالأصولِ المحكمة.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾، وقال جلَّ وعلا: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾.

وعلى طلابِ العلمِ وشبابِ أهلِ السُّنَّةِ أن يعتصموا — في زمنِ الفتنِ والتشغيب — بكلامِ العلماءِ الرَّاسخين، والمشايخِ المعروفين بالعلمِ والبصيرةِ والثبات، وألا يجعلوا عواطفَهم نهبًا لكلِّ مُشوِّش، ولا آذانَهم مرتعًا لكلِّ مُلبِّس؛ فإنَّ النجاةَ عند الفتن واضطرابِ الموازين تكونُ بالرجوعِ إلى أهلِ العلمِ المعروفين بالسُّنَّةِ والديانةِ وسلامةِ المنهج.

ومن الواجبِ على الشباب أن يقفوا على كلماتِ العلماءِ والمشايخ، ويتأملوا نصائحَهم ومواقفَهم، ممن عُرفوا بالذبِّ عن السُّنَّةِ، والصبرِ على الأذى، والثباتِ عند الفتن، أمثالِ الشيخِ العالمِ النحرير نزار بن هاشم العباس حفظه الله وسدده، والشيخِ الفاضل فواز بن علي المدخلي، والشيخِ الفاضلِ الثابتِ البطل علي الحذيفي، وإخوانِهم من أهلِ السُّنَّةِ المعروفين بالعدلِ والإنصاف، الذين لم تَزُغْ بهم العواطف، ولم تجرفهم أمواجُ التشغيب والتلبيس.
ثبتهم الله وأجرى الخير على ايديهم

ونسأل اللهَ أن يُرينا الحقَّ حقًّا ويرزقنا اتباعَه، وأن يُرينا الباطلَ باطلًا ويرزقنا اجتنابَه، وأن يحفظَ شبابَ السنة من مسالكِ التشغيب والتلبيس، وأن يرزق الجميعَ العدلَ والإنصاف، والثباتَ على الحق حتى نلقاه، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية ثاني أيام التشريق ١٤٤٧ هجرية

مواد ذات صلة