الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ

١٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ٤ يونيو ٢٠٢٦
المقالاتالرقائق والآداب
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾

الحمد لله رب العالمين، واسع الفضل، عظيم الإحسان، الذي غمر عباده بنعمه الظاهرة والباطنة، وأسبغ عليهم من عطائه ما لا يحصيه العدُّ ولا يحيط به الوصف، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين،
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:
فإن من الآيات التي تهزُّ القلوب الحية، وتوقظ النفوس الغافلة
، وتدعو العبد إلى الوقوف طويلًا مع نفسه، قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾.

آية جمعت بين بيان سعة فضل الله تعالى، وبين كشف تقصير أكثر الخلق في مقابلة هذا الفضل بالشكر والاعتراف.

فالله سبحانه ذو الفضل المطلق؛ فضلُه سابقٌ لكل عمل، وعطاؤه متقدِّم على كل استحقاق. خلق العباد من العدم، ورزقهم من غير حولٍ منهم ولا قوة، وحفظهم في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، ثم أخرجهم إلى الدنيا سالمين، وهيأ لهم أسباب الحياة، وأسبغ عليهم نعمه التي لا يحصيها العد ولا يدركها الحصر.

ولو تأمل العبد في نفسه لرأى بحرًا لا ساحل له من النعم؛ عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، وقلب يعقل به، وهواء يتنفسه، وماء يشربه، وأمن يأوي إليه، وصحة يتحرك بها، وأهل وولد وإخوان، ثم فوق ذلك كله نعمة الإسلام والسنة والهداية إلى الصراط المستقيم.

قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.
وما من صباح يطلع على العبد إلا وهو يتقلب في نعم لا يعلم عددها إلا الله، بل إن العبد لو حُرم نعمة واحدة من النعم التي اعتادها لأدرك قيمتها بعد فقدها، وعلم شيئًا من فضل الله عليه.

ومن أعظم مظاهر فضل الله أنه يحلم على عباده مع تقصيرهم، ويسترهم مع ذنوبهم، ويفتح لهم أبواب التوبة بعد المعصية، ويقبل رجوعهم بعد الإعراض، ويعطيهم فوق ما يسألون، ويجزل لهم الثواب على العمل القليل.

فكم من ذنب ستره الله ولم يفضح صاحبه! وكم من تقصير أمهل الله صاحبه ولم يعاجله بالعقوبة! وكم من دعوة أجابها، وبلية صرفها، ومكروه دفعه، ونعمة جددها!

ومع هذا الفضل العظيم قال سبحانه: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾. فالأكثرون ينظرون إلى النعمة ولا ينظرون إلى المنعم، ويتمتعون بالعطاء وينسون المعطي، ويستعملون نعم الله فيما يسخط الله.

كم من عبد يعرف نعم الله عليه صباح مساء، ثم لا يذكر الله إلا قليلًا! وكم من إنسان يتقلب في العافية والأمن والرزق، ثم إذا نزلت به مصيبة صغيرة نسي آلاف النعم التي يعيش فيها!

وكم من عبد يشكر الناس على معروفهم، ثم يغفل عن شكر رب الناس الذي بيده كل فضل وإحسان!

ولهذا كان الشكر من أجلِّ مقامات العبودية وأعظمها، وهو ليس مجرد كلمة تُقال باللسان، بل هو اعتراف القلب بالنعمة، وثناء اللسان على المنعم، واستعمال الجوارح فيما يرضي الله.

فشكر نعمة المال يكون بإنفاقه في الطاعة.
وشكر نعمة العلم يكون بنشره وتعليمه والعمل به.
وشكر نعمة الصحة يكون باستعمالها في العبادة والخير.
وشكر نعمة الوقت يكون باغتنامه فيما ينفع قبل فواته.

ولهذا قال أهل العلم: الشكر حفظ النعمة الموجودة، وجلب النعمة المفقودة.
وما زالت النعم على قوم إلا بشكر، ولا ارتفعت عن قوم إلا بكفر أو تقصير، قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.

وإن من أعظم النعم التي تستوجب الشكر أن هداك الله إلى الإسلام والسنة في زمن كثرت فيه الفتن، وتنوعت فيه الشبهات، واختلطت فيه السبل، فعرَّفك ربك طريق الحق، ووفقك لسلوك سبيل المؤمنين، وجعلك تسمع القرآن، وتعرف سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وتجلس إلى العلم وأهله، وهذه نعم لو عرف العبد قدرها لبكى فرحًا وشكرًا لله عليها.

فيا عبد الله، انظر إلى ما حولك من النعم قبل أن تنظر إلى ما فاتك منها، وتأمل في فضل ربك عليك في دينك ودنياك، وأكثر من حمده وشكره والثناء عليه، فإن النعم إذا شُكرت قرَّت، وإذا كُفرت فرَّت.

وتذكر أن كثيرًا من الناس يتمنون بعض ما أنت فيه الآن، وأنك ربما لا تعرف قيمة النعمة إلا بعد زوالها.

فاشكر الله على الإسلام، واشكره على السنة، واشكره على العافية، واشكره على الأمن، واشكره على الرزق، واشكره على كل نَفَس يدخل ويخرج من صدرك، فإنك تعيش في بحر من فضل الله لا ينقطع.
وإذا كان فضلُ الله على عباده عظيمًا لا يُحاط به، وكان أكثر الناس مع ذلك لا يشكرون، فإن المؤمن الصادق يتميز عن غيره بأنه عبدٌ شكورٌ صبور، قد عرف نعمة ربِّه فقام بحقها، وعرف بلاءه فصبر عليه واحتسبه عند الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
فهو عند المصائب يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما قدَّره الله عليه ففيه الحكمة البالغة والرحمة الخفية، فيصبر ولا يجزع، ويحتسب ولا يتسخط، مع أخذه بالأسباب المشروعة التي جعلها الله أسبابًا لدفع المكاره ورفع البلاء؛ فالصبر لا ينافي التداوي، كما أن التوكل لا ينافي السعي والعمل.

وهو عند النعم يرى يدَ الله المنعم قبل أن يرى النعمة نفسها، فيعترف بفضل الله عليه، ويستعمل ما آتاه الله في طاعته ومرضاته، ويحذر الذنوب والمعاصي التي تكون سببًا لمحق البركات وزوال الخيرات؛ فإن العبد قد يُحرم من أبوابٍ واسعة من الرزق والتوفيق بسبب ذنبٍ أصرَّ عليه أو معصيةٍ استهان بها. وقد قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]، وقال جل وعلا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41].

ومن هنا كان الرجوع إلى الله بالتوبة الصادقة من أعظم ما تُستجلب به النعم وتُستدفع به النقم، وكان من تمام شكر الله على نعمة الهداية لزومُ السنة والثباتُ عليها، والحذرُ من البدع والمحدثات؛ فإن البدعة صرفٌ للعبد عن كمال الاتباع الذي أمر الله به، ونوعٌ من الجفاء لنعمة الهداية التي امتنَّ الله بها على أهل السُّنَّة. فالمؤمن بين شكرٍ على السراء، وصبرٍ على الضراء، وتوبةٍ من الزلل، واعتصامٍ بالسُّنَّة، لا يزال متنقلًا بين هذه المقامات العظيمة حتى يلقى ربَّه، محققًا قول النبي ﷺ: « عَجَبًا لأمرِ المُؤمِنِ، إنَّ أمرَه كُلَّه خَيرٌ، وليسَ ذاك لأحَدٍ إلَّا للمُؤمِنِ، إن أصابَتْه سَرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خَيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيرًا له » رواه مسلم.
نسأل الله الكريم أن يجعلنا من عباده الشاكرين، وأن يرزقنا الاعتراف بنعمه، وحسن استعمالها فيما يرضيه، وأن لا يجعلنا من الغافلين الجاحدين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكتدرية الاثنين 15 ذو الحجة 1447 هـ

مواد ذات صلة