الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الردود

فإنَّ ما كتبه غير واحد ومنهم الأخ هرام رضوان أبو أنور الشرقاوي المغربي - وفقه الله - يحتاج إلى تحريرٍ للواقعة وفهمٍ لمحل النزاع؛ إذ إنَّ…

١٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ٤ يونيو ٢٠٢٦
الردودالمقالاتالرد على عبد الله البخاريالفرق والأحزابالسودانالنوازل والأحداث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإنَّ ما كتبه غير واحد ومنهم الأخ هرام رضوان أبو أنور الشرقاوي المغربي - وفقه الله - يحتاج إلى تحريرٍ للواقعة وفهمٍ لمحل النزاع؛ إذ إنَّ الشيخ الفاضل نزار بن هاشم العباس السوداني - حفظه الله - لم يكن اعتراضه على الشيخ عبد الله البخاري - عفا الله عنه - لمجرد أنه سكت أو لم يتكلم، ولم يكن قصده إلزام العلماء بالكلام في كل نازلة، فإن هذا ليس من منهج أهل العلم.

وإنما الذي حمل الشيخ نزار - حفظه الله - على التعقيب والبيان أن الشيخ عبد الله البخاري نشر كلامًا وتغريداتٍ فُهم منها عند كثير من الناس أنَّ الحرب الدائرة في السودان من جنس الفتن التي يلتبس فيها الحق بالباطل، ولا يُعرف فيها المحق من المبطل، أو التي يُمسك فيها عن تعيين أحد الطرفين.

وهذا الذي دعا الشيخ نزار حفظه الله إلى البيان والرد؛ لأنه يرى أن الواقع بخلاف ذلك، وأن الحق في هذه القضية ظاهر غير خافٍ، وأن ميليشيا الدعم السريع قد ظهر من أفعالها وجرائمها وعدوانها وبغيها وإفسادها في البلاد والعباد ما يرفع الاشتباه ويزيل الالتباس، فلا يصح إلحاق هذه النازلة بالفتن التي لا يُعرف فيها وجه الحق.

ولذلك وصف الشيخ نزار حفظه الله هذه الميليشيا بالخوارج، مستندًا إلى ما ظهر من مسلكها وأفعالها، ورأى أن الواجب هو بيان الحق للناس والتحذير من الباطل وعدم تسوية المعتدي بالمعتدى عليه، أو المفسد بمن يدفع فساده.

والذي يؤكد سلامة ما ذهب إليه الشيخ نزار حفظه الله – بعد سرده للأدلة وحسن تنزيلها - أن الوقائع المتتابعة والأحداث اللاحقة قد جاءت مؤيدةً لما قرره، حيث تكشفت للناس على مر الأيام حقائق كثيرة كانت خافية على بعضهم، وظهر حجم الجرائم والانتهاكات والإفساد الذي مارسته هذه الميليشيا، حتى صار ما كان يقرره الشيخ نزار في أول الأمر أوضح عند كثير من الناس بعد ظهور الوقائع وتتابع الشواهد.

ومن هنا كان تعقيب الشيخ نزار حفظه الله تعقيبَ عالمٍ رأى أن الحق قد تبين له بأدلته وقرائنه، وأن من الواجب الشرعي بيان ذلك للناس، لا سيما إذا ترتب على خلافه لبسٌ في تصور القضية أو تمييعٌ للفارق بين المعتدي والمعتدى عليه، وبين المفسد ومن يدفع فساده.
فكان كلام الشيخ نزار حفظه الله - ومن معه من المشايخ الفضلاء - من باب بيان ما يعتقده حقًّا في هذه النازلة، وردِّ ما يراه خطأً في التصوير أو التكييف، لا من باب التشويش على أحدٍ ولا من باب تتبعهم أو الانتقاص منهم.
ولذلك كان الأولى بالشيخ عبد الله البخاري - وفقه الله - أن يبيَّن موقفه من تلك التغريدات التي وقع بسببها الإشكال عند كثير من الناس، وأن يرفع ما حصل من لبسٍ في فهم القضية.

فإن كان قد تبين له صواب ما قرره الشيخ نزار حفظه الله، ففضيلة الرجوع إلى الحق منقبةٌ عظيمة لأهل العلم، وما زال العلماء يقررون أن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الخطأ، وأن الاعتراف بالصواب فضيلة لا تنقص من قدر صاحبها، بل تزيده رفعةً عند الله وعند عباده.

كما أن بيان الحق في مثل هذه النوازل مما يجمع الكلمة، ويزيل أسباب النزاع، ويقطع الطريق على أهل الأهواء والمتربصين، ويعين على نصرة السنة وأهلها، ويؤكد أن المقصود هو الانتصار للحق لا للأشخاص، وللدليل لا للأسماء.

ولهذا فإن كثيرًا من طلاب العلم كانوا يأملون أن يروا بيانًا واضحًا من الشيخ البخاري - عفا الله عنه - يرفع الإشكال، ويجمع الصف، ويؤكد ما ظهر من صحة ما قرره الشيخ نزار حفظه الله في هذه النازلة، خاصةً بعد أن جاءت الوقائع المتتابعة شاهدةً ومؤيدةً لكل مما قرره وحذَّر منه.
غير أنَّ الأمر الذي أثار استغرابَ كثيرٍ من المشايخ وطلاب العلم هو أنَّه بعد هذه المناقشات المطوَّلة، وما طرحه الشيخ نزار حفظه الله من اعتراضاتٍ وإشكالاتٍ وأدلةٍ وشواهدَ ووقائع، لم يظهر – فيما أعلم – جوابٌ علميٌّ مفصَّلٌ يعالج أصل القضية، أو يرفع ما وقع من لبسٍ عند الناس، أو يبين وجه الخطأ فيما قرره الشيخ نزار إن كان مخطئًا.

بل إنَّ الذي بدا لكثيرٍ من المشايخ وطلاب العلم أنَّ جانبًا كبيرًا من الجهد انصرف إلى لوم الشيخ نزار والطعن في تعقباته، في حين بقيت المسائل التي أثارها معلقةً تنتظر جوابًا علميًّا واضحًا يبين للناس وجه الحق فيها. وهذا مما يزيد الاستغراب؛ إذ إنَّ أهل العلم إنما يُعرفون بقوة الحجة ووضوح البرهان، لا بمجرد الإعراض عن الإشكالات أو تجاوزها.

وكان المنتظر من الشيخ عبد الله البخاري – وفقه الله – أن يتصدر لبيان الحق في هذه المسائل، وأن يجيب عن الاعتراضات الموجهة إليه جوابًا شافيًا، أو يبين وجه الصواب فيما ذهب إليه الشيخ نزار إن ظهر له ذلك، فإن هذا أقرب إلى منهج أهل العلم، وأجمع للكلمة، وأدعى لقطع مادة النزاع.
أما أن تبقى الإشكالات قائمة، والاعتراضات مطروحة، ثم يُوجَّه معظم اللوم إلى من أثارها وطالب ببحثها ومناقشتها، فإن ذلك لا يحل أصل المشكلة، ولا يزيل ما وقع عند الناس من تساؤلات، بل قد يحمل بعضهم على الاعتقاد بأن القضية يجري تجاوزها بدل مواجهتها مواجهةً علميةً صريحة.

فإن كان الشيخ نزار - حفظه الله - قد أخطأ فيما قرره، فحقُّ الأمة وطلاب العلم أن يُبيَّن خطؤه بالدليل والبرهان، وأن تُنقض حججه حجةً بحجة، وبرهانًا ببرهان، حتى يتبين الحق للناس.

أما إن كان قد أصاب فيما قرره، فإن الواجب الشرعي والعلمي يقتضي الإقرار بذلك، وشكره على بيانه ونصحه، ومساندته في الحق الذي ظهر له، فإن المقصود هو نصرة الحق لا الانتصار للأشخاص.

وأما تجاوز أصل القضية والانشغال بلوم الشيخ نزار أو معاداته أو الانتقاص منه، مع بقاء الإشكالات والأسئلة التي أثارها دون جوابٍ علميٍّ شافٍ، فذلك لا يخدم الحقيقة، ولا يجمع الكلمة على الهدى، بل يزيد الحيرة عند كثيرٍ من طلاب العلم الذين كانوا ينتظرون جوابًا واضحًا يفصل في هذه المسائل ويضع الأمور في نصابها، ممن كانوا يعدونه مرجعًا علميًا يُرجع إليه في الملمات والنوازل.
فالحق أحق أن يُتبع، والحجة لا تُدفع بالسكوت عنها، ولا بصرف الأنظار إلى قائلها، وإنما تُواجه بالعلم والبرهان.
ثم إن القضية عند الشيخ نزار - حفظه الله - لم تكن مقتصرة على نازلة السودان وحدها، بل سبق له أن ذكر جملةً من المآخذ والانتقادات العلمية والمنهجية التي يرى أنها وقعت من الشيخ عبد الله البخاري، ومن ذلك: مواقف الشيخ البخاري المتعلقة بالمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، وما رآه من مخالفةٍ لتوجيهات وتقريرات الإمام ربيع بن هادي المدخلي - رحمه الله - في تلك القضايا، إلى جانب ملاحظات أخرى بسطها الشيخ نزار في (الوقفات) وفي بياناته وكلماته.

وعليه؛ فإن محل البحث والنقاش ينبغي أن يكون في هذه الانتقادات نفسها: هل هي صحيحة أم غير صحيحة؟ وهل أصاب الشيخ نزار فيها أم أخطأ؟ أما اختزال القضية في أن الشيخ نزار يطالب العلماء بالكلام أو يشوش عليهم فليس جوابًا عن أصل الإشكال الذي أثاره، ولا ردًّا على الحجج التي استند إليها.

كما أن العلماء عبر تاريخ الإسلام لم يكونوا يتركون التعقيب على بعضهم بعضًا إذا ظهر لهم خطأ أو وهم أو اجتهاد غير صواب، بل كانوا يتناصحون ويتدارسون ويرد بعضهم على بعض مع بقاء المحبة والاحترام والتقدير، ولم يكن ذلك يعد طعنًا في العلماء ولا انتقاصًا من أقدارهم.

وأما الاستدلال بأن الشيخ الفوزان - حفظه الله - أو الشيخ ابن عثيمين أو الشيخ الألباني رحمهما الله لم يكونوا يطالبون غيرهم بالكلام، فليس هو محل النزاع أصلًا؛ لأن الكلام هنا ليس في مطالبة العلماء بالكلام، وإنما في مناقشة أو تفنيد كلامٍ منشورٍ ومواقفَ معلنةٍ ترتب عليها عند كثير من السلفيين فهمٌ خاطئ، ورأى بعضهم أنها تفتح الباب لتحزب مقيت ولاتجاهاتٍ ومناهجَ جديدة لا تنسجم مع ما عُرف من صفاء المنهج السلفي ونقائه ووضوح أصوله.

ومن هنا رأى الشيخ الفاضل نزار - حفظه الله - أن من الواجب الشرعي والعلمي البيانُ والتوضيحُ والردُّ على ما يعتقد أنه خطأ أو مدخلٌ إلى التلبيس، لا سيما إذا تعلق الأمر بقضايا عامة تؤثر في تصورات الشباب ومواقفهم، وتنعكس آثارها على واقع الدعوة السلفية ومسارها.

فلم يكن مقصوده – فيما يظهر جلياً من كلامه – مجرد الاعتراض أو المخالفة أو إسقاط الشيخ البخاري كما يراوغ ويكذب الثعلب المكار وكنتوش ومجنون عدن، وإنما حماية الأصول السلفية من أن يداخلها ما ليس منها، وصيانة الشباب من الحيرة والاضطراب، وحفظ الدعوة من أسباب التفرق والالتباس، فإن من أعظم واجبات العلماء والدعاة بيان الحق عند الاشتباه، وكشف الخطأ عند ظهوره، والنصح للأمة بحسب القدرة والعلم والبصيرة.
ولهذا فإن الإنصاف يقتضي أن تُناقش الاعتراضات التي طرحها الشيخ نزار حفظه الله مناقشةً علميةً موضوعية، وأن يُنظر في أدلتها ووجوه الاستدلال فيها، بدل تحويل القضية إلى مجرد لومٍ لمن تكلم أو استغرابٍ من أصل الرد والتعقيب –كما هو حال أخينا هرام وفقه الله للصواب- ، فإن أهل السنة قديمًا وحديثًا ما زالوا يتناصحون ويتباحثون ويتعقب بعضهم بعضًا طلبًا للحق وبيانًا له.
ومن هنا فإن الواجب على السلفيين وطلاب العلم أن يقفوا موقف الإنصاف والعدل، فلا يحملهم حبُّ الأشخاص على ردِّ الحق إذا ظهر، ولا تدفعهم مكانةُ أحدٍ إلى جعل أقواله فوق المناقشة والنقد العلمي، فإن الله تعالى لم يجعل العصمة لأحدٍ بعد نبيه صلى الله عليه وسلم.

كما ينبغي لمن بان له الحق واتضح له وجه الصواب أن يبادر إلى الرجوع إليه، وألا يمنعه من ذلك جاهٌ ولا منزلةٌ ولا انتصارٌ للنفس، فإن الرجوع إلى الحق شرفٌ وفضيلة، وهو من سمات العلماء الربانيين وأهل الديانة والإنصاف، وما ازداد عبدٌ بالرجوع إلى الحق إلا رفعةً عند الله، وعلوًّا في قلوب أهل الإيمان، وثقةً في علمه وصدقه.
نسأل الله تعالى أن يوفق علماء المسلمين لما يحبه ويرضاه، وأن يجمع كلمتهم على الحق والهدى، وأن يرزق الجميع الإخلاص والإنصاف والعدل، وأن يعصمنا وإياهم من الزلل والهوى؛ وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية حرسها الله
ليلة الخميس 18 ذو الحجة 1447 هـ.

مواد ذات صلة