حراسة السُّنَّة بين تحرير المصطلح ومغالطة اللوازم
(حراسة السُّنَّة بين تحرير المصطلح ومغالطة اللوازم)
فيه الرد على كتاب صلاح كنتوش [كبوة الجواد بتقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد ]
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
فإن إنكار تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد بدعوى أنه دخيل من الأصوليين، وأن الأصوليين تلقَّوه من المتكلمين، ليس إنكارًا مبنيًّا على تحقيقٍ علميٍّ رصين، ولا على استقراءٍ لمنهج السلف وأئمة الحديث، وإنما هو نظرٌ قاصرٌ إلى لازمٍ فاسد رتَّبه المتكلمون على هذا التقسيم، فظنَّه المنكِرون جزءًا من ذات التقسيم، فاختلط عليهم الأصل الصحيح بـ اللازم الباطل.
وهذا بعينه هو الاضطراب المنهجي الذي وقع فيه صلاح كنتوش في كتابه الموسوم بعنوانٍ موهمٍ مستفزٍّ: (كبوة الجواد)؛ إذ لم يقتصر الخلل على ضعف المعالجة العلمية، بل تجاوزه إلى سوء الأدب العلمي في التعامل مع تراث الأئمة، ومع مناهجهم، ومع اصطلاحاتهم المقرَّرة، فجاء الرد أسوأ من العنوان، والطرح أضعف من الدعوى.
فإن هذا الكتاب – بحسب ما ظهر من عنوانه وتصريحه – لم يفرِّق بين:
التقسيم الوصفي الواقعي الذي دلَّ عليه العقل والنقل، وأجمع عليه أهل العلم معنىً وإن اختلفوا لفظًا، وبين الشروط الكلامية الفاسدة التي ألصقها المتكلمون بهذا التقسيم، وجعلوها سلَّمًا لردِّ السنة، والطعن في أخبار الآحاد في باب الاعتقاد.
بل جاوز ذلك إلى مصادمة صريحة لأقوال أئمة الهدى، من السلف والخلف، ممن قرروا هذا التقسيم واستعملوه، كالإمام الشافعي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، وابن حجر، والإمام الألباني، وابن باز، وابن عثيمين، وغيرهم من أئمة السنة والحديث.
وليس هذا فحسب، بل إن جواب المؤلف عند سؤالي له في التعليقات على صفحته (الفيس بوك) عن حقيقة مقصوده – بقوله: «بل أصل الكتاب نقد لهذا التقسيم من أصله بتلك الشروط الباطلة» – يكشف بجلاء عن تعالمٍ ظاهر، وخلطٍ فادح بين الأصل والعارض، وبين الوصف العلمي واللازم الكلامي، وهو خلط لا يصدر إلا عن أحد أمرين:
1- إما ضعف في التصور العلمي للمسألة.
2- أو جرأة غير محمودة على مناهج الأئمة، مع قلة إنصاف وسوء أدب في الخطاب.
فإن الطعن في أصل التقسيم، لا في لوازمه الباطلة فحسب، هو في حقيقته طعن في منهج المحدثين أنفسهم، وتشويش على طلاب العلم، وفتحٌ لباب الغرائب، تحت شعار: (محاربة الاصطلاح)، بينما النتيجة العملية هي تقويض قواعد الاحتجاج بالسنة لا نصرُها.
وإن من أعظم البلاء في هذا الباب: أن يُلبَّس الباطلُ لباسَ الغيرة على السنة، ويُرفع شعار الاتباع، بينما يُخالف صنيع الأئمة، ويُصادَم إجماعهم العملي، وتُرَدُّ اصطلاحاتهم المقرَّرة، بزعم أنها (بدعية)، مع أن معانيها مقرَّرة عند السلف ضرورةً وعقلًا ونقلًا.
وعليه؛ فهذا الرد ليس ردًّا على مجرَّد كتاب، ولا على شخصٍ بعينه، بل هو دفعٌ لاضطرابٍ منهجيٍّ خطير، لو سُلِّم به لأفضى إلى:
الطعن في مناهج أهل الحديث، وتشويش أصول الاستدلال، وفتح الباب لردِّ قليلي العلم والأدب على الأئمة الأعلام.
نسأل الله الهداية والإنصاف، وأن يرزقنا الأدب مع العلم وأهله، وأن يجعلنا من الذابين عن سنة نبيه ﷺ على بصيرة، لا على جهلٍ أو تهوُّر.
أولًا: أصل التقسيم ومعناه:
لا نزاع بين العقلاء فضلًا عن أهل العلم في أن الأخبار متفاوتة:
فمنها ما يُجزم بصدقه ولا يُتصور فيه النقيض، ومنها ما يغلب على الظن صدقه، ومنها ما يُتوقف فيه، ومنها ما يُجزم بكذبه.
وهذا التفاوت أمرٌ ضروري، سواء سُمِّي: متواترًا وآحادًا، أو سُمِّي بغير ذلك. فالنزاع ليس في المعنى، وإنما في الاصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا عُرف مأخذه، وضُبط مدلوله، واحترز من لوازمه الباطلة.
ولو رُدَّ كل اصطلاح لم ينطق به السلف بألفاظه، لبطلت اصطلاحات التفسير والفقه وأصول الحديث، بل لزم تعطيل العلوم.
ثانيًا: موقف أهل السنة من لوازم المتكلمين:
المتكلمون قالوا:
المتواتر يفيد العلم القطعي، وخبر الآحاد لا يفيد إلا الظن، ثم رتبوا على ذلك قولهم: العقائد لا تُثبت إلا بالعلم، فأسقطوا أخبار الآحاد في باب الصفات وغيرها.
وهذا لازم باطل، لا يلتزمه أهل السنة، ولا يلزم من القول بالتقسيم التزامه.
فنحن نفرق بين: أن هذا التقسيم صحيح - كما سيأتي -، وأن لازم المتكلمين: فاسد مردود.
ثالثًا: تقرير أئمة أهل السنة للتقسيم:
أذكر نموذجين لجبلين من جبال العلم في هذا الشأن وغيره:
الأول: شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – قرر تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد، وقسَّم المتواتر إلى:
متواتر لفظي كحديث: «من كذب علي متعمدًا…»)، ومتواتر معنوي (كأحاديث فضائل أبي بكر وعمر، وحديث الشفاعة، والحوض، والمسح على الخفين).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في (مجموع الفتاوى) [18/40]: «وأما المتواتر: فالصواب الذي عليه الجمهور أن المتواتر ليس له عدد محصور؛ بل إذا حصل العلم عن إخبار المخبرين كان الخبر متواترا، وكذلك الذي عليه الجمهور أن العلم يختلف باختلاف حال المخبرين به، فرب عدد قليل أفاد خبرهم العلم بما يوجب صدقهم، وأضعافهم لا يفيد خبرهم العلم؛ ولهذا كان الصحيح أن خبر الواحد قد يفيد العلم إذا احتفت به قرائن تفيد العلم، وعلى هذا فكثير من متون الصحيحين متواتر اللفظ عند أهل العلم بالحديث، وإن لم يعرف غيرهم أنه متواتر؛ وهذا كان أكثر متون (الصحيحين) مما يعلم علماء الحديث علما قطعيا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، تارة لتواتره عندهم، وتارة لتلقي الأمة له بالقبول.
وخبر الواحد المتلقي بالقبول يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول أكثر أصحاب الأشعري؛ كالإسفرائيني، وابن فور) اهـ
قلت: ولا يُتصور أن يُتهم شيخ الإسلام – وهو من أعظم الناس في قمع البدع ونصرة السنة – بأنه قرر تقسيمًا يُفضي إلى رد العقائد.
الآخر: هو محدث العصر في زماننا الإمام المبجل الألباني رحمه الله:
1- قال في مقدمة كتابه: (قصة المسيح الدجال) [ص: 7]: (فتبين لي بعد هذه الدراسة الدقيقة أن الحديث بجميع فقراته - إلا قليلا منها - هو من الصحيح لغيره؛ بل إن كثيرا منها من قبيل المتواتر المقطوع ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ومن ذلك ما يتعلق بخروج الدجال الأعور، ونزل عيسى عليه السلام من السماء، وقتله إياه.) اهـ.
2- وقال في (السلسلة الصحيحة) [1/90 رقم: 9]: (بل إنه ليرتقي إلى درجة المتواتر عند بعض العلماء) اهـ.
3- وقال في (السلسلة الصحيحة) [2/717]: (...وهو المحفوظ في "الصحيحين" وغيرهما، وهو متواتر كما ذكر ابن عبد البر في "التمهيد" ) اهـ.
4- وقال في (السلسلة الصحيحة) [2/717]: وهو يرد على الكوثري: (هب أنه أحط منهما في الصحة، فذلك مما لا يقدح فيه عند أهل المعرفة بهذا العلم الشريف، ألا ترى أن الحديث الحسن لغيره أحط في الثبوت من الحسن لذاته، وهذا أحط في الصحة من الصحيح لغيره، وهذا أحط من الصحيح لذاته، وهكذا يقال في المشهور، والمستفيض مع المتواتر كما هو ظاهر، والكوثري لا يخفى عليه هذا، ولكنها المكابرة واتباع الهوى الذي يحمله على الغمز في الحديث الصحيح لمخالفته لمذهبه ، بل لهواه، كما يأتي بيانه!) انتهى.
فانظر كيف استعمل هذا التقسيم إمام الأئمة في هذا الشأن في زماننا بلا منازع؟ ولو استطردت لأتيت بعشرات بل مئات من النقول عمن يقرر ذلك عن الأئمة الأثبات.
رابعًا: لماذا قال بعض المحدثين كابن الصلاح: لا يوجد المتواتر عند أهل الحديث؟
قال ابن الصلاح: «المتواتر الذي يذكره أهل الفقهِ وأصولِه، وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المُشعِر بمعناه الخاص، وإن كان الحافظُ الخطيبُ قد ذكره ففي كلامه ما يُشعر بأنه اتَّبع فيه غير أهل الحديث، ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتُهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم، فإنه عبارة عن الخبر الذي ينقله مَن يحصل العلم بصِدقه ضَرورَة، ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه » انتهى من (معرفة أنواع علوم الحديث) لابن الصلاح [ص: ٢٦٧-٢٦٩].
ونفهم من قولِ ابن الصلاح: «ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه» أنَّ المتواتر الذي ينفي وجودَه هو الذي يتوفر فيه العدد الكثير عن كل راوٍ يرويه، بحيث يروى عنه بعدد يستحيل اتفاقهم على الكذب، لا في كل طبقة كما قرره العلماء ومنهم ابن حجر في كتبه كالنزهة وغيرها؛ قال: «ومِن أحسنِ ما يُقرَّر به كونُ المتواتر موجودًا وجودَ كثرةٍ في الأحاديث أن الكتبَ المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقًا وغربًا المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها، إذا اجتمعت على إخراج حديث، وتعددت طرقُه تعددًا تُحيلُ العادةُ تواطؤَهم على الكذب إلى آخر الشروط؛ أفاد العلم اليقيني بصحته إلى قائله، ومِثلُ ذلك في الكتب المشهورةِ كثيرٌ» انتهى من (نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر)لابن حجر، [ص: ٤٥-٤٦].
قلت: وكلام ابن الصلاح ومن وافقه يُفهم على وجهه:
أهل الحديث يبحثون في الخبر من حيث الثبوت وعدمه، والمتواتر لا يُتصور فيه عدم الثبوت، فلا يحتاجون للبحث فيه، لا لأنهم ينكرون وجوده أو معناه.
والكلام هنا على وجود هذا التقسيم في كتب الأئمة المتقدمين، لا من أجل تحرير شروط المتواتر.
خامسًا: خبر الواحد بين العلم والظن:
إذا ضبطنا معنى العلم والظن زال الإشكال:
العلم: هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكا جازما، أي: ما لا يحتمل النقيض، صادق مئة بالمئة.
الظن: الاحتمال الراجح. -يعني الذي يغلب على الظن ثبوته- .
فلو جاءنا خبرٌ من طريق إمامٍ كالثوري أو شعبة أو مالك بن أنس – رحمهم الله – مع جلالتهم وإمامتهم: فلا نجزم بأنهم لم يهموا أو يخطئوا؟ لأنهم غير معصومين، وقد حُفظ عليهم أوهام.
فإذا وُجد احتمال – ولو ضعيف – نزل الخبر عن مرتبة العلم القطعي إلى الظن الغالب، مع كونه واجب القبول والعمل بإجماع من يُعتد بقوله من أهل العلم.
سادسًا: خبر الواحد يفيد العلم بالقرائن:
هذا هو التحقيق الذي عليه أئمة أهل السنة: خبر الواحد في أصله يفيد الظن، لكنه قد يفيد العلم إذا احتفت به قرائن، كما قرره: شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم ، وابن رجب، وابن حجر.
ومن هذه القرائن:
• إخراج الحديث في الصحيحين أو أحدهما.
• تعدد الطرق مع سلامتها من العلل.
• تلقِّي الأئمة له بالقبول.
• رواية الأئمة بعضهم عن بعض، بحيث يستحيل تواطؤهم على وهم.
• فهذه القرائن تُسقط احتمال الخطأ، فيرتقي الخبر إلى إفادة العلم.
سابعاً: الانحراف بدأ بالإعراض عن السنة لا بالمصطلحات:
الخوارج: الأحاديث فيهم متواترة بشهادة الإمام أحمد وشيخ الإسلام، حتى قال الإمام أحمد: (صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه)، وقال شيخ الإسلام: (إن حديث الخوارج متواتر).
فإن أصل انحراف الخوارج لم يكن في ردِّ القرآن، وإنما في الإعراض عن سنة النبي ﷺ، إذ تمسكوا بعمومات مجملة من القرآن وتركوا تفصيل السنة المتواتر عند الصحابة في مسائل كالجهنمية. وهذا المسلك العملي يجسد مبكرًا مقولة: عدم الاحتجاج إلا بما يظنونه قطعيًا. ومن هنا يظهر أن نظرية ردِّ الآحاد بزعم الظنية ليست مجرد تقريرٍ نظري متأخر، بل منهج تطبيقي قديم سلكه الخوارج. فالعلة الحقيقية ليست في تقسيم الأخبار، وإنما في ردِّ السنة بدعوى احتمال الخطأ.
ثامناً: الربط بين منهج الخوارج ومنهج المتكلمين:
إن التطبيق العملي لنظرية (لا يُحتج إلا بالقطعي) و(ردِّ الظني في الاعتقاد) ظهر قبل ما يلوكها ويتفيهق بها المتكلمون، وظهر أول ما ظهر عند الخوارج.
فالخوارج عمليًا قالوا: هذه النصوص التي تروونها عن النبي ﷺ ليست حجة، لأنها – بزعمهم – تحتمل الخطأ، أو لأنها ليست قطعية الدلالة أو الثبوت، وهذا بعينه هو جوهر مقولة المتكلمين وإن اختلف اللفظ والأسلوب.
تاسعاً: التفريق بين استعمال السلف للألفاظ واستعمال المتكلمين:
ومن أعظم الفوائد هو التنبيه على أن: لفظ (الآحاد) و (المتواتر) مستعمل عند المتقدمين، لكن بمعانٍ غير معاني المتكلمين.
فالشافعي، وأئمة الحديث، إذا قالوا: (خبر واحد)، لم يقصدوا: (خبرًا ظنيًا لا يفيد علمًا ولا يُحتج به في الاعتقاد) بل قصدوا: بيان طريق الرواية، لا نفي الحجية ولا نفي إفادة العلم، وهذه من أفضل الفوائد فعض عليها بالنواجذ، لذلك وقع الخلط عند الكثير ومنهم (كنتوش)، فظنوا اتحاد المعنى لاتحاد اللفظ.
عاشراً: خطأ صلاح كنتوش:
بناءً على هذا التقرير:
فإن قول صلاح كنتوش كما هو مبين في تعليقه على سؤالي له: (والصورة مرفقة مع هذا الرد:
«بل أصل الكتاب نقد لهذا التقسيم من أصله بتلك الشروط الباطلة»
يتضمن خلطًا ظاهرًا بين أمرين:
1- الشروط الكلامية الباطلة (وهي التي يجب نقدها).
2- أصل التقسيم من حيث هو توصيف واقعي لتفاوت الأخبار (وهو حق).
فإفراد الرد على الأئمة:
كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن حجر، وابن رجب، وغيرهم الأئمة المعاصرين كالألباني وابن باز وابن عثيمين والفوزان وجمهور علمائنا المعاصرين في أصل التقسيم، هو موافقة – من حيث لا يشعر – لمنهج أهل الغرائب الذين يرفعون شعار (إبطال الاصطلاح) بينما يفتحون باب الطعن في مناهج أهل السنة الحديثية، مثل الشيخ سالم الطويل حيث قال هو الآخر: «تقسيم الخبر إلى آحاد ومتواتر أمر محدث لا دليل عليه»
قولهم مجمل: حقه وباطله مختلط، يوهم طلاب العلم أن هذا التقسيم بدعة مذمومة بإطلاق، مع أن معناه مقرَّر عند أئمة السلف وإن اختلفت الألفاظ.
تنبيهٌ منهجيٌّ مهم:
ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا السياق: أنني أُخبرتُ من جهةٍ موثوقةٍ أن عرفات المحمدي يتقصَّد تعقُّب الإمام الألباني – رحمه الله – في عددٍ كبيرٍ من الأحاديث، بلغ نحو أربعين حديثًا، على طريقةٍ تندرج في السياق نفسه الذي نبهنا على خطورته آنفًا.
وإذا وصلتني هذه التعقبات على وجهٍ محررٍ، فسيُنظر فيها حديثًا حديثًا، ويُناقش ما فيها من دعاوى على ضوء القواعد الحديثية المقررة عند أئمة هذا الشأن، لا انتصارًا للنفس، ولا ازدراءً لأحد، وإنما نصرةً للمنهج، وصيانةً للسنة، ورحمةً بطلاب العلم من الاضطراب والتشويش.
فإن الإشكال ليس في المخالفة العلمية المجردة، ولا في المناقشة المنهجية المنضبطة، وإنما في تحويل التعقُّب إلى مسلكٍ يُوهِم التضعيف الشامل لإمام الأئمة في زماننا الألباني قدس الله روحه، ويُسقِط الثقة بمناهج الأئمة، ويفتح الباب لجرأة غير المؤهلين على نقض ما استقر عليه علم الحديث، والله المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
الخلاصة المنهجية:
وخلاصة القول بعد هذه الجولة المختصرة:
أن العلماء لم يُنكروا قطُّ تفاوت الأحاديث الصحيحة في مراتب القوة، ولم يردُّوا أصل تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد من حيث هو توصيفٌ لواقع النقل (أعني: من حيث تعدد الطرق)، وإنما أنكروا اللوازم الفاسدة التي أُلصقت بهذا التقسيم، حين جُعل ذريعةً للتفريق بين أحاديث صحيحة يُحتج بها في جميع أبواب الدين، وأخرى صحيحة يُمنع الاحتجاج بها في بعضه، ولا سيما في باب الاعتقاد.
وقد حكى ابن عبد البر إجماع أهل السنة على قبول خبر الآحاد الصحيح والعمل به في العقائد والأحكام جميعًا، فقال رحمه الله: «وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعًا ودينًا في معتقده، على ذلك جماعة أهل السنة، ولهم في الأحكام ما ذكرنا» انتهى من (التمهيد) [١/٨].
وهذا النصُّ يقطع مادة النزاع، ويبيِّن أن الخلاف ليس في التقسيم، وإنما في سوء توظيفه ومخالفة إجماع السلف في الاحتجاج بالسنة الصحيحة.
ويمكن تلخيص ما يُستفاد مما سبق في نقاط:
1- أصل الانحراف في الاعتقاد هو ردُّ السنة أو تهميشها، والخوارج أول من مارس هذا المنهج عمليًا.
2- المتكلمون صاغوا هذا المنهج في صورة قواعد نظرية.
3- بطلان لازم المتكلمين لا يستلزم بطلان أصل التقسيم.
4- السلف يثبتون أن خبر الواحد قد يفيد العلم إذا تلقته الأمة بالقبول.
5- إن تقسيم الأخبار من جهة نقلها إلى آحاد ومتواتر وغير ذلك هو أمر واقعي لا يمكن إنكاره، فقد حفلت به دواوين الأئمة الكبار من أهل العلم، وهو تقسيم من حيث وصوله إلينا أي من حيث تعدد الطرق.
6- إنكار التقسيم مطلقًا يؤدي إلى تشويش منهج السلف لا نصرته.
7- ومن فوائد التقسيم: أنه يُستعمل كوجهٍ من وجوه الترجيح بين الأخبار المتعارضة التي لا يمكن الجمع بينها، فيُقدَّم المتواتر على الآحاد عند التعارض المتعذر الجمع، أما حقيقته عند أهل الأهواء: هذا التقسيم بصورته الإقصائية قسمةٌ بدعية ذات أصل اعتزالي، تلقّفتها طوائف من أهل الأهواء للطعن في الأحاديث الصحيحة المخالِفة لمذاهبهم.
8- وموقف أهل السنة = أهل الحديث: لا فرق بين المتواتر والآحاد من حيث القبول والاحتجاج والعمل، فكل حديثٍ صحيحٍ حجة في جميع أبواب الدين.
9- والغرض التعليمي المشروع: تقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد، ثم تقسيم الآحاد إلى غريب وعزيز ومشهور، إنما هو اصطلاح تعليمي لتقريب فهم طرق الرواية وتعدد الأسانيد، ومن باب تقريب العلم وتسهيله لطلابه، لا لإسقاط حجية شيءٍ من السنة.
وبهذا يظهر أن الاعتراض المنهجي الصحيح ليس على التقسيم، وإنما على اللوازم الفاسدة التي أُلصقت به، وأن الخلط بين الأمرين هو منشأ الاضطراب في هذا الباب. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب: أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري عفا الله عنه
الثغر السكندري – حرسه الله – وسائر بلاد المسلمين.
ليلة الخميس: 12 رجب الفرد 1447 هـ
فيه الرد على كتاب صلاح كنتوش [كبوة الجواد بتقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد ]
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
فإن إنكار تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد بدعوى أنه دخيل من الأصوليين، وأن الأصوليين تلقَّوه من المتكلمين، ليس إنكارًا مبنيًّا على تحقيقٍ علميٍّ رصين، ولا على استقراءٍ لمنهج السلف وأئمة الحديث، وإنما هو نظرٌ قاصرٌ إلى لازمٍ فاسد رتَّبه المتكلمون على هذا التقسيم، فظنَّه المنكِرون جزءًا من ذات التقسيم، فاختلط عليهم الأصل الصحيح بـ اللازم الباطل.
وهذا بعينه هو الاضطراب المنهجي الذي وقع فيه صلاح كنتوش في كتابه الموسوم بعنوانٍ موهمٍ مستفزٍّ: (كبوة الجواد)؛ إذ لم يقتصر الخلل على ضعف المعالجة العلمية، بل تجاوزه إلى سوء الأدب العلمي في التعامل مع تراث الأئمة، ومع مناهجهم، ومع اصطلاحاتهم المقرَّرة، فجاء الرد أسوأ من العنوان، والطرح أضعف من الدعوى.
فإن هذا الكتاب – بحسب ما ظهر من عنوانه وتصريحه – لم يفرِّق بين:
التقسيم الوصفي الواقعي الذي دلَّ عليه العقل والنقل، وأجمع عليه أهل العلم معنىً وإن اختلفوا لفظًا، وبين الشروط الكلامية الفاسدة التي ألصقها المتكلمون بهذا التقسيم، وجعلوها سلَّمًا لردِّ السنة، والطعن في أخبار الآحاد في باب الاعتقاد.
بل جاوز ذلك إلى مصادمة صريحة لأقوال أئمة الهدى، من السلف والخلف، ممن قرروا هذا التقسيم واستعملوه، كالإمام الشافعي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، وابن حجر، والإمام الألباني، وابن باز، وابن عثيمين، وغيرهم من أئمة السنة والحديث.
وليس هذا فحسب، بل إن جواب المؤلف عند سؤالي له في التعليقات على صفحته (الفيس بوك) عن حقيقة مقصوده – بقوله: «بل أصل الكتاب نقد لهذا التقسيم من أصله بتلك الشروط الباطلة» – يكشف بجلاء عن تعالمٍ ظاهر، وخلطٍ فادح بين الأصل والعارض، وبين الوصف العلمي واللازم الكلامي، وهو خلط لا يصدر إلا عن أحد أمرين:
1- إما ضعف في التصور العلمي للمسألة.
2- أو جرأة غير محمودة على مناهج الأئمة، مع قلة إنصاف وسوء أدب في الخطاب.
فإن الطعن في أصل التقسيم، لا في لوازمه الباطلة فحسب، هو في حقيقته طعن في منهج المحدثين أنفسهم، وتشويش على طلاب العلم، وفتحٌ لباب الغرائب، تحت شعار: (محاربة الاصطلاح)، بينما النتيجة العملية هي تقويض قواعد الاحتجاج بالسنة لا نصرُها.
وإن من أعظم البلاء في هذا الباب: أن يُلبَّس الباطلُ لباسَ الغيرة على السنة، ويُرفع شعار الاتباع، بينما يُخالف صنيع الأئمة، ويُصادَم إجماعهم العملي، وتُرَدُّ اصطلاحاتهم المقرَّرة، بزعم أنها (بدعية)، مع أن معانيها مقرَّرة عند السلف ضرورةً وعقلًا ونقلًا.
وعليه؛ فهذا الرد ليس ردًّا على مجرَّد كتاب، ولا على شخصٍ بعينه، بل هو دفعٌ لاضطرابٍ منهجيٍّ خطير، لو سُلِّم به لأفضى إلى:
الطعن في مناهج أهل الحديث، وتشويش أصول الاستدلال، وفتح الباب لردِّ قليلي العلم والأدب على الأئمة الأعلام.
نسأل الله الهداية والإنصاف، وأن يرزقنا الأدب مع العلم وأهله، وأن يجعلنا من الذابين عن سنة نبيه ﷺ على بصيرة، لا على جهلٍ أو تهوُّر.
أولًا: أصل التقسيم ومعناه:
لا نزاع بين العقلاء فضلًا عن أهل العلم في أن الأخبار متفاوتة:
فمنها ما يُجزم بصدقه ولا يُتصور فيه النقيض، ومنها ما يغلب على الظن صدقه، ومنها ما يُتوقف فيه، ومنها ما يُجزم بكذبه.
وهذا التفاوت أمرٌ ضروري، سواء سُمِّي: متواترًا وآحادًا، أو سُمِّي بغير ذلك. فالنزاع ليس في المعنى، وإنما في الاصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا عُرف مأخذه، وضُبط مدلوله، واحترز من لوازمه الباطلة.
ولو رُدَّ كل اصطلاح لم ينطق به السلف بألفاظه، لبطلت اصطلاحات التفسير والفقه وأصول الحديث، بل لزم تعطيل العلوم.
ثانيًا: موقف أهل السنة من لوازم المتكلمين:
المتكلمون قالوا:
المتواتر يفيد العلم القطعي، وخبر الآحاد لا يفيد إلا الظن، ثم رتبوا على ذلك قولهم: العقائد لا تُثبت إلا بالعلم، فأسقطوا أخبار الآحاد في باب الصفات وغيرها.
وهذا لازم باطل، لا يلتزمه أهل السنة، ولا يلزم من القول بالتقسيم التزامه.
فنحن نفرق بين: أن هذا التقسيم صحيح - كما سيأتي -، وأن لازم المتكلمين: فاسد مردود.
ثالثًا: تقرير أئمة أهل السنة للتقسيم:
أذكر نموذجين لجبلين من جبال العلم في هذا الشأن وغيره:
الأول: شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – قرر تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد، وقسَّم المتواتر إلى:
متواتر لفظي كحديث: «من كذب علي متعمدًا…»)، ومتواتر معنوي (كأحاديث فضائل أبي بكر وعمر، وحديث الشفاعة، والحوض، والمسح على الخفين).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في (مجموع الفتاوى) [18/40]: «وأما المتواتر: فالصواب الذي عليه الجمهور أن المتواتر ليس له عدد محصور؛ بل إذا حصل العلم عن إخبار المخبرين كان الخبر متواترا، وكذلك الذي عليه الجمهور أن العلم يختلف باختلاف حال المخبرين به، فرب عدد قليل أفاد خبرهم العلم بما يوجب صدقهم، وأضعافهم لا يفيد خبرهم العلم؛ ولهذا كان الصحيح أن خبر الواحد قد يفيد العلم إذا احتفت به قرائن تفيد العلم، وعلى هذا فكثير من متون الصحيحين متواتر اللفظ عند أهل العلم بالحديث، وإن لم يعرف غيرهم أنه متواتر؛ وهذا كان أكثر متون (الصحيحين) مما يعلم علماء الحديث علما قطعيا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، تارة لتواتره عندهم، وتارة لتلقي الأمة له بالقبول.
وخبر الواحد المتلقي بالقبول يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول أكثر أصحاب الأشعري؛ كالإسفرائيني، وابن فور) اهـ
قلت: ولا يُتصور أن يُتهم شيخ الإسلام – وهو من أعظم الناس في قمع البدع ونصرة السنة – بأنه قرر تقسيمًا يُفضي إلى رد العقائد.
الآخر: هو محدث العصر في زماننا الإمام المبجل الألباني رحمه الله:
1- قال في مقدمة كتابه: (قصة المسيح الدجال) [ص: 7]: (فتبين لي بعد هذه الدراسة الدقيقة أن الحديث بجميع فقراته - إلا قليلا منها - هو من الصحيح لغيره؛ بل إن كثيرا منها من قبيل المتواتر المقطوع ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ومن ذلك ما يتعلق بخروج الدجال الأعور، ونزل عيسى عليه السلام من السماء، وقتله إياه.) اهـ.
2- وقال في (السلسلة الصحيحة) [1/90 رقم: 9]: (بل إنه ليرتقي إلى درجة المتواتر عند بعض العلماء) اهـ.
3- وقال في (السلسلة الصحيحة) [2/717]: (...وهو المحفوظ في "الصحيحين" وغيرهما، وهو متواتر كما ذكر ابن عبد البر في "التمهيد" ) اهـ.
4- وقال في (السلسلة الصحيحة) [2/717]: وهو يرد على الكوثري: (هب أنه أحط منهما في الصحة، فذلك مما لا يقدح فيه عند أهل المعرفة بهذا العلم الشريف، ألا ترى أن الحديث الحسن لغيره أحط في الثبوت من الحسن لذاته، وهذا أحط في الصحة من الصحيح لغيره، وهذا أحط من الصحيح لذاته، وهكذا يقال في المشهور، والمستفيض مع المتواتر كما هو ظاهر، والكوثري لا يخفى عليه هذا، ولكنها المكابرة واتباع الهوى الذي يحمله على الغمز في الحديث الصحيح لمخالفته لمذهبه ، بل لهواه، كما يأتي بيانه!) انتهى.
فانظر كيف استعمل هذا التقسيم إمام الأئمة في هذا الشأن في زماننا بلا منازع؟ ولو استطردت لأتيت بعشرات بل مئات من النقول عمن يقرر ذلك عن الأئمة الأثبات.
رابعًا: لماذا قال بعض المحدثين كابن الصلاح: لا يوجد المتواتر عند أهل الحديث؟
قال ابن الصلاح: «المتواتر الذي يذكره أهل الفقهِ وأصولِه، وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المُشعِر بمعناه الخاص، وإن كان الحافظُ الخطيبُ قد ذكره ففي كلامه ما يُشعر بأنه اتَّبع فيه غير أهل الحديث، ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتُهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم، فإنه عبارة عن الخبر الذي ينقله مَن يحصل العلم بصِدقه ضَرورَة، ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه » انتهى من (معرفة أنواع علوم الحديث) لابن الصلاح [ص: ٢٦٧-٢٦٩].
ونفهم من قولِ ابن الصلاح: «ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه» أنَّ المتواتر الذي ينفي وجودَه هو الذي يتوفر فيه العدد الكثير عن كل راوٍ يرويه، بحيث يروى عنه بعدد يستحيل اتفاقهم على الكذب، لا في كل طبقة كما قرره العلماء ومنهم ابن حجر في كتبه كالنزهة وغيرها؛ قال: «ومِن أحسنِ ما يُقرَّر به كونُ المتواتر موجودًا وجودَ كثرةٍ في الأحاديث أن الكتبَ المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقًا وغربًا المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها، إذا اجتمعت على إخراج حديث، وتعددت طرقُه تعددًا تُحيلُ العادةُ تواطؤَهم على الكذب إلى آخر الشروط؛ أفاد العلم اليقيني بصحته إلى قائله، ومِثلُ ذلك في الكتب المشهورةِ كثيرٌ» انتهى من (نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر)لابن حجر، [ص: ٤٥-٤٦].
قلت: وكلام ابن الصلاح ومن وافقه يُفهم على وجهه:
أهل الحديث يبحثون في الخبر من حيث الثبوت وعدمه، والمتواتر لا يُتصور فيه عدم الثبوت، فلا يحتاجون للبحث فيه، لا لأنهم ينكرون وجوده أو معناه.
والكلام هنا على وجود هذا التقسيم في كتب الأئمة المتقدمين، لا من أجل تحرير شروط المتواتر.
خامسًا: خبر الواحد بين العلم والظن:
إذا ضبطنا معنى العلم والظن زال الإشكال:
العلم: هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكا جازما، أي: ما لا يحتمل النقيض، صادق مئة بالمئة.
الظن: الاحتمال الراجح. -يعني الذي يغلب على الظن ثبوته- .
فلو جاءنا خبرٌ من طريق إمامٍ كالثوري أو شعبة أو مالك بن أنس – رحمهم الله – مع جلالتهم وإمامتهم: فلا نجزم بأنهم لم يهموا أو يخطئوا؟ لأنهم غير معصومين، وقد حُفظ عليهم أوهام.
فإذا وُجد احتمال – ولو ضعيف – نزل الخبر عن مرتبة العلم القطعي إلى الظن الغالب، مع كونه واجب القبول والعمل بإجماع من يُعتد بقوله من أهل العلم.
سادسًا: خبر الواحد يفيد العلم بالقرائن:
هذا هو التحقيق الذي عليه أئمة أهل السنة: خبر الواحد في أصله يفيد الظن، لكنه قد يفيد العلم إذا احتفت به قرائن، كما قرره: شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم ، وابن رجب، وابن حجر.
ومن هذه القرائن:
• إخراج الحديث في الصحيحين أو أحدهما.
• تعدد الطرق مع سلامتها من العلل.
• تلقِّي الأئمة له بالقبول.
• رواية الأئمة بعضهم عن بعض، بحيث يستحيل تواطؤهم على وهم.
• فهذه القرائن تُسقط احتمال الخطأ، فيرتقي الخبر إلى إفادة العلم.
سابعاً: الانحراف بدأ بالإعراض عن السنة لا بالمصطلحات:
الخوارج: الأحاديث فيهم متواترة بشهادة الإمام أحمد وشيخ الإسلام، حتى قال الإمام أحمد: (صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه)، وقال شيخ الإسلام: (إن حديث الخوارج متواتر).
فإن أصل انحراف الخوارج لم يكن في ردِّ القرآن، وإنما في الإعراض عن سنة النبي ﷺ، إذ تمسكوا بعمومات مجملة من القرآن وتركوا تفصيل السنة المتواتر عند الصحابة في مسائل كالجهنمية. وهذا المسلك العملي يجسد مبكرًا مقولة: عدم الاحتجاج إلا بما يظنونه قطعيًا. ومن هنا يظهر أن نظرية ردِّ الآحاد بزعم الظنية ليست مجرد تقريرٍ نظري متأخر، بل منهج تطبيقي قديم سلكه الخوارج. فالعلة الحقيقية ليست في تقسيم الأخبار، وإنما في ردِّ السنة بدعوى احتمال الخطأ.
ثامناً: الربط بين منهج الخوارج ومنهج المتكلمين:
إن التطبيق العملي لنظرية (لا يُحتج إلا بالقطعي) و(ردِّ الظني في الاعتقاد) ظهر قبل ما يلوكها ويتفيهق بها المتكلمون، وظهر أول ما ظهر عند الخوارج.
فالخوارج عمليًا قالوا: هذه النصوص التي تروونها عن النبي ﷺ ليست حجة، لأنها – بزعمهم – تحتمل الخطأ، أو لأنها ليست قطعية الدلالة أو الثبوت، وهذا بعينه هو جوهر مقولة المتكلمين وإن اختلف اللفظ والأسلوب.
تاسعاً: التفريق بين استعمال السلف للألفاظ واستعمال المتكلمين:
ومن أعظم الفوائد هو التنبيه على أن: لفظ (الآحاد) و (المتواتر) مستعمل عند المتقدمين، لكن بمعانٍ غير معاني المتكلمين.
فالشافعي، وأئمة الحديث، إذا قالوا: (خبر واحد)، لم يقصدوا: (خبرًا ظنيًا لا يفيد علمًا ولا يُحتج به في الاعتقاد) بل قصدوا: بيان طريق الرواية، لا نفي الحجية ولا نفي إفادة العلم، وهذه من أفضل الفوائد فعض عليها بالنواجذ، لذلك وقع الخلط عند الكثير ومنهم (كنتوش)، فظنوا اتحاد المعنى لاتحاد اللفظ.
عاشراً: خطأ صلاح كنتوش:
بناءً على هذا التقرير:
فإن قول صلاح كنتوش كما هو مبين في تعليقه على سؤالي له: (والصورة مرفقة مع هذا الرد:
«بل أصل الكتاب نقد لهذا التقسيم من أصله بتلك الشروط الباطلة»
يتضمن خلطًا ظاهرًا بين أمرين:
1- الشروط الكلامية الباطلة (وهي التي يجب نقدها).
2- أصل التقسيم من حيث هو توصيف واقعي لتفاوت الأخبار (وهو حق).
فإفراد الرد على الأئمة:
كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن حجر، وابن رجب، وغيرهم الأئمة المعاصرين كالألباني وابن باز وابن عثيمين والفوزان وجمهور علمائنا المعاصرين في أصل التقسيم، هو موافقة – من حيث لا يشعر – لمنهج أهل الغرائب الذين يرفعون شعار (إبطال الاصطلاح) بينما يفتحون باب الطعن في مناهج أهل السنة الحديثية، مثل الشيخ سالم الطويل حيث قال هو الآخر: «تقسيم الخبر إلى آحاد ومتواتر أمر محدث لا دليل عليه»
قولهم مجمل: حقه وباطله مختلط، يوهم طلاب العلم أن هذا التقسيم بدعة مذمومة بإطلاق، مع أن معناه مقرَّر عند أئمة السلف وإن اختلفت الألفاظ.
تنبيهٌ منهجيٌّ مهم:
ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا السياق: أنني أُخبرتُ من جهةٍ موثوقةٍ أن عرفات المحمدي يتقصَّد تعقُّب الإمام الألباني – رحمه الله – في عددٍ كبيرٍ من الأحاديث، بلغ نحو أربعين حديثًا، على طريقةٍ تندرج في السياق نفسه الذي نبهنا على خطورته آنفًا.
وإذا وصلتني هذه التعقبات على وجهٍ محررٍ، فسيُنظر فيها حديثًا حديثًا، ويُناقش ما فيها من دعاوى على ضوء القواعد الحديثية المقررة عند أئمة هذا الشأن، لا انتصارًا للنفس، ولا ازدراءً لأحد، وإنما نصرةً للمنهج، وصيانةً للسنة، ورحمةً بطلاب العلم من الاضطراب والتشويش.
فإن الإشكال ليس في المخالفة العلمية المجردة، ولا في المناقشة المنهجية المنضبطة، وإنما في تحويل التعقُّب إلى مسلكٍ يُوهِم التضعيف الشامل لإمام الأئمة في زماننا الألباني قدس الله روحه، ويُسقِط الثقة بمناهج الأئمة، ويفتح الباب لجرأة غير المؤهلين على نقض ما استقر عليه علم الحديث، والله المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
الخلاصة المنهجية:
وخلاصة القول بعد هذه الجولة المختصرة:
أن العلماء لم يُنكروا قطُّ تفاوت الأحاديث الصحيحة في مراتب القوة، ولم يردُّوا أصل تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد من حيث هو توصيفٌ لواقع النقل (أعني: من حيث تعدد الطرق)، وإنما أنكروا اللوازم الفاسدة التي أُلصقت بهذا التقسيم، حين جُعل ذريعةً للتفريق بين أحاديث صحيحة يُحتج بها في جميع أبواب الدين، وأخرى صحيحة يُمنع الاحتجاج بها في بعضه، ولا سيما في باب الاعتقاد.
وقد حكى ابن عبد البر إجماع أهل السنة على قبول خبر الآحاد الصحيح والعمل به في العقائد والأحكام جميعًا، فقال رحمه الله: «وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعًا ودينًا في معتقده، على ذلك جماعة أهل السنة، ولهم في الأحكام ما ذكرنا» انتهى من (التمهيد) [١/٨].
وهذا النصُّ يقطع مادة النزاع، ويبيِّن أن الخلاف ليس في التقسيم، وإنما في سوء توظيفه ومخالفة إجماع السلف في الاحتجاج بالسنة الصحيحة.
ويمكن تلخيص ما يُستفاد مما سبق في نقاط:
1- أصل الانحراف في الاعتقاد هو ردُّ السنة أو تهميشها، والخوارج أول من مارس هذا المنهج عمليًا.
2- المتكلمون صاغوا هذا المنهج في صورة قواعد نظرية.
3- بطلان لازم المتكلمين لا يستلزم بطلان أصل التقسيم.
4- السلف يثبتون أن خبر الواحد قد يفيد العلم إذا تلقته الأمة بالقبول.
5- إن تقسيم الأخبار من جهة نقلها إلى آحاد ومتواتر وغير ذلك هو أمر واقعي لا يمكن إنكاره، فقد حفلت به دواوين الأئمة الكبار من أهل العلم، وهو تقسيم من حيث وصوله إلينا أي من حيث تعدد الطرق.
6- إنكار التقسيم مطلقًا يؤدي إلى تشويش منهج السلف لا نصرته.
7- ومن فوائد التقسيم: أنه يُستعمل كوجهٍ من وجوه الترجيح بين الأخبار المتعارضة التي لا يمكن الجمع بينها، فيُقدَّم المتواتر على الآحاد عند التعارض المتعذر الجمع، أما حقيقته عند أهل الأهواء: هذا التقسيم بصورته الإقصائية قسمةٌ بدعية ذات أصل اعتزالي، تلقّفتها طوائف من أهل الأهواء للطعن في الأحاديث الصحيحة المخالِفة لمذاهبهم.
8- وموقف أهل السنة = أهل الحديث: لا فرق بين المتواتر والآحاد من حيث القبول والاحتجاج والعمل، فكل حديثٍ صحيحٍ حجة في جميع أبواب الدين.
9- والغرض التعليمي المشروع: تقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد، ثم تقسيم الآحاد إلى غريب وعزيز ومشهور، إنما هو اصطلاح تعليمي لتقريب فهم طرق الرواية وتعدد الأسانيد، ومن باب تقريب العلم وتسهيله لطلابه، لا لإسقاط حجية شيءٍ من السنة.
وبهذا يظهر أن الاعتراض المنهجي الصحيح ليس على التقسيم، وإنما على اللوازم الفاسدة التي أُلصقت به، وأن الخلط بين الأمرين هو منشأ الاضطراب في هذا الباب. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب: أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري عفا الله عنه
الثغر السكندري – حرسه الله – وسائر بلاد المسلمين.
ليلة الخميس: 12 رجب الفرد 1447 هـ


