الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المنقولات

الحلقة الثالثة

٧ رجب ١٤٤٧ هـ٢٧ ديسمبر ٢٠٢٥
المنقولاتالعقيدة والتوحيدالمنهج والدعوة السلفية
الحلقة الثالثة:
(قراءةٌ منهجية لمختاراتٍ من كلام شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله)
الحمد لله الذي جَمَعَ شَمْلَ دينه، وأصلح به قلوب عباده، ووضع لمنهجه دستورًا للهدى والنجاة، وميَّز به الحق عن الباطل، والضياء عن الظلام، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ، سيد المرسلين وخاتم الأنبياء، الهادي إلى سواء السبيل، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
ففي هذه الحلقة نتعرض لتقرير مهم من تقريرات شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله، تقرير يجمع بين الصرامة العلمية والدقة المنهجية والبلاغة التحذيرية، ويبيُّن حدود الانتساب الصحيح للسلفية، ويفضح المتظاهرين بالانتماء مع معاداتهم للمنهج السلفي.
‏قال شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله:
(لا يجوز أن يقال: هذا سلفيٌ عقيدةً حركيٌ منهجاً بل هذا تفريق قبيح وتمزيق للدين، كيف تترك المنهج السلفي وتصبح عدوا له وتقول أنا سلفي؟ لأن هذا المنهج الذي تأخذ به حربٌ على المنهج السلفي وعلى العقيدة السلفية
فأنت تنضم إلى صفوف المحاربين، وتقول إنك سلفي؟ انتهى من (‏المجموع للشيخ ربيع) [١٤: ٤٩٤].
أقول وبالله التوفيق:
فإن هذا النصَّ لشيخنا الإمام ربيع رحمه الله من النصوص المنهجية الجامعة، التي تُغلق أبواب التلبيس، وتقطع دابر التقسيمات الحادثة التي أحدثها أهل الأهواء؛ لتسويغ انحرافاتهم المنهجية، تحت لافتاتٍ ظاهرها الانتساب إلى السنة، وباطنها مفارقة سبيل السلف الصالح.

أولًا: بطلان التفريق بين العقيدة والمنهج:
قال رحمه الله: «لا يجوز أن يقال: هذا سلفيٌّ عقيدةً حركيٌّ منهجًا، بل هذا تفريق قبيح وتمزيق للدين».
يتضمن هذا الكلام قاعدةً سلفيةً مقرَّرة، وهي أن العقيدة والمنهج شيءٌ واحدٌ في حقيقة الدين؛ فالعقيدة الصحيحة تُثمر منهجًا صحيحًا، والمنهج المنحرف دليلٌ على خللٍ في فهم العقيدة أو في تنزيلها على الواقع.

وقد كان السلف رحمهم الله إذا أطلقوا لفظ السنة أرادوا به: الاعتقاد، والقول، والعمل، والمنهج في التلقي والاستدلال، والموقف من المخالف؛ فلا يعرفون هذا الفصل المصطنع بين (ما يُعتقد) و(ما يُسلك).

وإنما نشأ هذا التفريق عند الحركيين والحزبيين؛ ليُبقوا على دعوى الانتساب إلى السنة، مع تمرير مناهج محدثة في الدعوة، والولاء والبراء، والمواقف من البدع وأهلها.

ثانيًا: لزوم المنهج السلفي ولوازمه:
ثم قال رحمه الله: «كيف تترك المنهج السلفي وتصبح عدوًّا له، وتقول أنا سلفي؟»
وهذا استفهامٌ إنكاريٌّ يدل على امتناع الجمع بين الانتساب الحقيقي والمعاداة العملية؛ إذ لا يُتصوَّر صدق الانتساب مع نقض لوازمه.

ومن لوازم الانتساب للسلفية:
1 - التسليم لقواعدها في فهم النصوص: الالتزام بفهم الكتاب والسنة وفق منهج السلف الصالح، بعيدًا عن التأويلات التي تُسقِط النصوص في أهواء شخصية أو مصالح حزبية.

2- قبول منهجها في الجرح والتعديل: اتباع ما رسمه السلف في تقييم العلماء والرجال، دون التهويل أو التخفيف، والتمسك بحقيقة أهل العلم واعتبار حججهم ثابتة ما لم يرد بها دليل معتبر.

3- الوقوف مع أصولها في التحذير من البدع وأهلها: نصرة الحق وتحذير المسلمين من البدع والانحرافات، مع معرفة أبعادها وأهلها، وعدم التردد في بيانها بالقدر المشروع شرعًا.

4- عدم تقديم المصالح الحزبية أو الدعوية الموهومة على النص والمنهج: وهذا هو المحور الأخطر، إذ كثير من المنحرفين ينتسبون للسلفية لفظيًا، ويزينون أقوالهم بشعاراتها، بينما عمليًا يقدمون مصالح حزبية أو سياسية على منهج السلف الصالح.
فمن ردَّ هذه اللوازم، أو طعن فيها، أو اتهمها بالتشدُّد والتمزيق، فقد نقض أصل دعواه بالانتساب للسلفية، وإن أحسن في لحن القول وتزويق عبارته.
الخطورة الكبرى للنقطة الأخيرة وهي: (عدم تقديم المصالح الحزبية أو الدعوية الموهومة على النص والمنهج) وقد ظهر هذا جليًّا في واقعنا المعاصر، في بعض النماذج التي ادَّعت الانتساب للسلفية لفظًا، بينما انحرفت أفعالها عن المنهج الحق. فقد تساهلوا في مسألة الخروج على الحاكم الشرعي في بعض مناطق اليمن، ووالوا أطرافًا سياسية بعينها، وأعرضوا عن منهج السلف في السمع والطاعة والنصيحة. وكانت النتيجة العملية لذلك بحور من الدماء وتمزيق للصفوف، وتشتيت للأمة، وتقسيم للبلاد، ونشر للتشرذم والانقسام بين المسلمين.

ومن هنا يتضح الحق جليًّا: الانتساب اللفظي لا يغني عن الالتزام العملي، والشعارات البراقة لا تغطي على الانحراف عن المنهج الثابت. فمن قدم المصالح الحزبية أو السياسية على نصوص الكتاب والسنة والمنهج السلفي الصحيح، فقد أصبح عمليًا في صفوف المعادين للسلفية، وإن زين ادعاؤه بالأسماء والشعارات.
هذا درس صارخ لكل من يرفع لافتة السلفية: فالسلفية ليست لقبًا يُتفاخر به، ولا شعارًا يُرفع على المنابر، بل هي التزام جاد بالعقيدة الصحيحة، واتباع المنهج الثابت الواضح، والعمل على وحدة الصف، وصيانة الأمة من الفتن والتمزيق.

ومن غفل أو تغافل عن هذا الالتزام العملي، فقد أفضى إلى الفتنة وتمزيق الصفوف شاء أم أبى، كما ظهر ذلك من بعض مشايخ عدن – هداهم الله -، حيث كانت الانحرافات العملية سببًا مباشرًا في الاقتتال والانقسام، وتقسيم البلاد، وتشتيت صفوف المسلمين.

ثالثًا: حقيقة الحرب على المنهج السلفي:
وقال رحمه الله: «لأن هذا المنهج الذي تأخذ به حربٌ على المنهج السلفي وعلى العقيدة السلفية».
وفي هذا بيانٌ دقيقٌ لحقيقة المناهج المحدثة؛ فهي ليست مجرد اختلافٍ تنوِّعيٍّ سائغ، بل هي في حقيقتها:
• مزاحِمة للمنهج السلفي.
• ومناقِضة لأصوله الكلية.
• ومفضية إلى تمييع العقيدة السلفية عمليًا، وإن رُفِعت شعاراتها نظريًا.
ولهذا كان السلف رحمهم الله يعدُّون البدع المنهجية أخطر من البدع العملية؛ لما يترتب عليها من تمييع الدين، وجمع الحق بالباطل، والتلبيس على العامة وطلاب العلم.

رابعًا: الانضمام العملي لا اللفظي:
وختم رحمه الله بقوله: «فأنت تنضم إلى صفوف المحاربين، وتقول إنك سلفي؟»
وهذا من أدقّ ما في الكلام؛ إذ يقرر قاعدةً عظيمة، وهي أن العبرة بالاصطفاف العملي لا بالدعوى اللفظية.

فمن: ناصر أهل البدع، أو سوَّغ مناهجهم، أو طعن في أصول السلف، أو استهزأ بعلمائهم ومنهجهم، فقد انضم عمليًا إلى صفوف المحاربين للسلفية، وإن تسمَّى باسمها، أو تزيَّن بشعاراتها.

وفي الختام، فإن هذا التقرير للإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله ليس مجرد نصٍّ عابر، بل ميزان رزين يزن به طالب العلم نفسه قبل غيره، ويكشف الحقائق وسط ضباب الدعاوى المعاصرة وزخارف الانتساب الوهمية للسلفية.

فالسلفية ليست بطاقة تعريف تُرفع، ولا اسمًا يُتفاخر به، ولا شعارات تزين المنابر، بل هي التزام كامل متكامل: عقيدة صحيحة، ومنهج ثابت، وسلوك مستقيم، ظاهرًا وباطنًا. هي التي تُميز الحق من الباطل، وتثبت الأمة على صراط السنة، وتحفظ صفوف المسلمين من الفتنة والتشرذم والانحراف.

نسأل الله العلي القدير أن يرزقنا الصدق في الانتساب والثبات على سنة نبيه محمد ﷺ، وأن يجزي شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي خير الجزاء عن الإسلام وأهله، وأن يجعلنا من الذين ساروا على هدي ومنهج السلف الصالح، وممن حملوا نور العلم، وتمسكوا بالحق، وعملوا به ولدين الله بصدق وإخلاص، والله من وراء القصد وهو يهدي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الثغر السكندري – حرسه الله- وسائر بلاد المسلمين
ليلة الأحد: 8 رجب الفرد 14477 هـ.

مواد ذات صلة