الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

الردود العلمية بين السلفيين: نصرة للحق وحماية للمنهج

٢١ جمادى الأولى ١٤٤٧ هـ١٢ نوفمبر ٢٠٢٥
المقالاتالعقيدة والتوحيدالمنهج والدعوة السلفية
الردود العلمية بين السلفيين: نصرة للحق وحماية للمنهج

الحمد لله الذي جعل هذه الأمة قائمةً بالحق، تثبت على دينها، وتنهض بعلمائها، ولا يضرها من خالفها ولا من خذلها، بل تبقى قوَّةً في الأرض، تحمل لواء السُّنَّة، وتحمي حدود الشرع، وتشيد دعائم الإيمان.
والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أكمل الله به الدين وأتمَّ به النعمة، وعلى آله الطيبين، وصحبه الغرِّ الميامين، ومن اهتدى بهديهم وسار على صراطهم المستقيم إلى يوم الدين، حاملين لواء الحق، متمسكين بسنة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، داعين إلى الله بالحق والهدى، رافعين راية العلم والعدالة، مبتعدين عن الباطل والشطط، محافظين على منهج السلف الصالح في القول والعمل.

أما بعد:
فقد ظهرت في هذه الآونة دعوى باطلة يروِّجها بعض الناس، تقول: إن الردود العلمية بين السلفيين – إذا أخطأ بعضهم – لا تجوز أو أنها فتنة تفرِّق الصف، أو أنها سبب للشماتة بين أهل الحق وأعدائهم كالمصعفقة.
وهذه الدعوى عقيمة منطقًا وشرعًا، وهي بحاجة إلى توضيح وتفنيد من عدة وجوه، مع بيان مقام الردود العلمية في المنهج السلفي، وفضائلها، وشرعية الثبات على الحق، وحقيقة حماية الدين والمنهج من الانحراف:
أولًا: الرد العلمي بالحق أصلٌ من أصول المنهج السلفي:
المنهج السلفي يقوم على تصحيح الخطأ، والرد على المخالف كائنًا من كان، لا عصبية لشخص ولا لطائفة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) [4/13]: (فالرادُّ ‌على ‌أهل ‌البدع ‌مجاهدٌ، حتى كان يحيى بن يحيى يقول: «الذبُّ عن السُّنة أفضلُ من الجهاد») اهـ.، وذكر ابن مبارك رجلاً فقال: "يكذب"، فقيل: يا أبا عبد الرحمن تغتاب؟ قال: "اسكت، إذا لم نبين كيف ‌يعرف ‌الحق من الباطل؟) انتهى (سؤالات أبي عبيد الآجري أبا داود السجستاني في الجرح والتعديل) [ص:34]، فالرد ليس خصومة، بل هو رحمة بالمخطئ ونصح للأمة وصيانة للدين من التحريف.

ثانيًا: السلف ردَّ بعضهم على بعض ولم يروا في ذلك بأسًا:
قال العلامة المحدث مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: (والعلماء من زمن قديم يرد بعضهم على بعض، فأبو حاتم وأبو زرعة قد بينا بعض أخطاء الإمام البخاري في " تاريخه "، والدارقطني قد انتقد على البخاري ومسلم قدر مائتي حديث، والخطيب في كتابه" موضح أوهام الجمع والتفريق " يرد على البخاري بعض أوهامه في " التاريخ"، ولم يزل العلماء يختلفون في صحة بعض الأحاديث وضعفها وفي توثيق الرجل وتجريحه ولقد أحسن من قال:
وجدال أهل العلم ليس بضائري … ما بين غالبهم من المغلوب) انتهى من (غارة الفصل على المعتدين على كتب العلل) [ص: 6].
فهل كان أولئك الأئمة (يشمت بهم المصعفقة)؟ أم كانوا يبتغون وجه الله بإظهار الحق؟

ثالثًا: الشماتة لا تُغيِّر حكم الشرع:
إنَّ من أعظم ما يبتلى به بعض الناس في هذا الزمان أن يتركوا قولَ الحق، أو يُهملوا بيانَ الصواب، خشيةَ شماتةِ خصومٍ أو تعليقاتِ مُبغضين، وكأنَّ رضى المخلوقين يُقدَّم على رضى الخالق!
وهذا – في ميزان الشرع – ضعفٌ في التوحيد، ونقصٌ في الإيمان، وخللٌ بيِّنٌ في المنهج السلفيِّ؛ لأنَّ الحقَّ لا يُترك لأجل من خالفه، ولا يُوارى حياءً من أهل الباطل.
قال الله جلَّ وعلا في وصف أوليائه الصادقين: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: 54]، فلا يُثنيهم لومُ لائمٍ، ولا شماتةُ شامتٍ، ولا نعيقُ مبطلٍ عن المضيِّ في سبيل الحقِّ الذي آمنوا به ودعوا إليه.
فهم قومٌ عرفوا أن العبرة برضا الله لا برضا الناس، وأنَّ من طلب السلامة من ألسنة الخلق ضيَّع سلامةَ دينه، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس.
ولهذا قال معمرٌ رحمه الله: تلا قتادةُ هذه الآيةَ: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: 5]، ثم قال: من ترك الحقَّ مرجَ عليه رأيُه، والتبس عليه دينُه. انتهى من (تفسير عبد الرزاق) [3/228 رقم: ٢٩٤٨]. أي: من خاف الناسَ فتركَ بيانَ الحقِّ، اضطربَ عليه أمرُه، واختلطَ عليه وجهُ الصواب، فلم يثبت على منهجٍ ولا على بينةٍ، فما أعظمها من عاقبةٍ، حين يُبتلى المرءُ بالمداهنة في دين الله تحت ستار (الرفق) أو (الخوف من الشماتة)!!.

رابعًا: المذموم هو الرد بالهوى لا الرد بالعلم:
إنَّ الردود بين أهل السُّنَّة عبادةٌ قبل أن تكون عبارة، ومنهجٌ شرعيٌّ قبل أن تكون موقفًا شخصيًّا، فلا تُقبل إلا إذا بُنيت على العلم والعدل والإخلاص.
فليست العبرة بمجرد الردِّ، وإنما العبرة بمنهجه ومقصده وطريقته، إذ الردُّ بالهوى يفسد أكثر مما يُصلح، ويُفرِّق الصفَّ أكثر مما يجمعه.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8]. فجعل سبحانه القيام بالقسط والعدل في الخصومة والردِّ من أعظم صفات المؤمنين، ونهاهم أن يحملهم البغضُ أو الخلافُ على ترك العدل أو الميل إلى الظلم، لأن مَنْ عَدَلَ لله في قوله وحكمه وردِّه، نال التوفيق والقبول، ومن جار بالهوى أو العصبية، خسر علمه وأجره، ولو أصاب في بعض كلامه.
وإنَّ الردَّ السلفيِّ الحقَّ لا يخرج عن ميزان العلم والإنصاف، فهو يردُّ الباطل بالحجة، ويبيِّن الخطأ بالدليل، ويقصد الإصلاح لا التشهير، والتبيين لا التنفير، فالعبرة أن يُقام الحق لا أن يُغلب الخصم.
أما الردود بغير علم وأدب التي تجرُّ إلى التباغض والتجريح، وتشحن النفوس وتزرع العداوات، فليست من منهج السلف في شيء، وإن زخرفت بعبارات (الغيرة على المنهج) أو (النصح للأمة) بل نريدها ردوداً علمية كصنيع أكابرنا.
فمن استبدل العدلَ بالخصومة، والإنصافَ بالتشهير، والبيانَ بالهدم، فقد خالف نهج السلف وإن رفع رايتهم.

ولقد كان أئمة السلف رحمهم الله ـ كالإمام أحمد، وابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، وغيرهم ـ يكتبون الردود بمنتهى العلم والأدب، يزنون الألفاظ بميزان الورع، ويذكرون المآخذ ويفندونها بالدليل الساطع، ويرجون هداية المخالف قبل سقوطه؛ وهكذا يكون الردُّ نصرةً للحقِّ لا انتصارًا للنفس، وتصحيحاً للمسار لا هدمًا للصفِّ.
فيا طلابَ العلم، ويا أهل المنهج السلفيِّ المبارك:
إنَّ أعظم ما يضرُّ المنهج أن يتقاتل دعاته بألسنتهم، ويُضعف بعضهم بعضًا بالعبارات القاسية، حتى تتبدد صورة العدل والوقار التي تميِّز بها هذا المنهج العظيم.
فاحذروا أن تكونوا سيوفًا في يد الشيطان، يُفرِّق بكم بين أهل السُّنَّة، وكونوا كما أراد الله لكم: قوَّامين بالحق، دعاةً إلى الهدى، حماةً للمنهج بعلمٍ وعدلٍ ورحمة.
ومن أصلح نيَّته، وضبط لسانه، وجعل ردَّه لله لا لنفسه، كان ردُّه برهانًا على صدقه، لا سيفًا على إخوانه، وكان كلامُه نورًا يهدي لا نارًا تُحرق، ودواءً يداوي لا داءً يُمزِّق.
فكم من كلمةٍ خرجت من قلبٍ مخلصٍ فأثمرت هدىً، وكم من ردٍّ طاشَ به الهوى فكان وبالًا على قائله وأتباعه.
فليكن ردُّنا لله وفي الله وبالحقِّ والعدل، فإنما يُراد بالردِّ نصرةُ السُّنَّة لا نصرةُ الذات، وإحياءُ المنهج لا تشويهُه، وجمعُ الصف لا تمزيقُه.
خامسًا: إغلاق باب الردود بحجة (الفتنة) هو عين الفتنة:
لأن في السكوت عن الخطأ تمكينًا له وانتشارًا، وفي الرد عليه حفظًا للدين وصيانةً للمنهج.
إنَّ العلماءَ الرَّاسخين في العلم، الثابتين على الجادَّة، من أهلِ البصيرةِ والدِّيانة، وأربابِ الحكمةِ والعقل، ما زالوا – على مرِّ العصور – يردُّون على المخالفين والأحزاب والجماعات، ويكشفون ما في أقوالهم من زللٍ وانحرافٍ عن الصراط المستقيم، لا انتصارًا للنفس، ولا رغبةً في الجدل، ولكن نصحًا للأمة، وإبراءً للذمَّة، وإقامةً للحجَّة.
لقد ردَّ الأئمةُ الكبارُ – كالإمام أحمدَ، والبخاري، وابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، وابن عبد البر، وغيرهم من أئمة الهدى – على طوائف من الناس: على الجهمية، والقدرية، والرافضة، والخوارج، والمعتزلة، وعلى من زاغ عن الحقِّ من أهل السنة في بعض المسائل، فما أورثت ردودُهم فُرقةً ولا عداوةً بين أهل المنهج الواحد، ولا أقامت في صفوفهم فتنةً ولا خصومةً؛ لأنهم إنما انطلقوا من أصلٍ عظيمٍ: العدل والرحمة، والصدق في النية، والالتزام بمنهج السلف في البيان والردِّ.
ردُّوا بقدر الخطأ، وأقاموا الدليل، وراعوا المصالح والمفاسد، فجمعوا بين النصح والرفق، وبين الغيرة على الحق والحلم على المخطئ، فكان أثرُ ردودهم تصحيحَ المسار، وإحياءَ السُّنَّة، وتثبيتَ الصف، لا تمزيقَه.
وهكذا يكون حال الداعي إلى الله، والناصح للأمة: لا يلتفت إلى صياح المغرضين، ولا يُبالي بشماتة الحاسدين، فإن الحقَّ أبلج، وإن الباطل لجلج، وإن الله ناصرُ من نصره، ومعينُ من صدع بالحقِّ لأجله.
فالثبات على الحقِّ شرفٌ، وتركه لأجل الخلق ضعفٌ، والواجب على من آمن بالله ربًّا، أن يجعل ميزانه في كل أمر: هل في هذا رضا الله؟ فإن كان، فلا عليه بعدها من شماتة الشامتين، ولا من لوم اللائمين، بل يكون صادقًا في قوله، راسخًا في منهجه، مطمئنًّا إلى وعد ربه، ومقتديًا بسلف هذه الأمة في الصدق والعدل والحزم في الحقِّ، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري عفا الله عنه
الثغر السكندري – حرسه الله وبلاد المسلمين –
بعد عصر الأربعاء: 21 / جمادى الأولى / 1447 هـ.

مواد ذات صلة