الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

لعبة الحرب بالوكالة: خيوط المؤامرة وكيف نتصدَّى لها

٩ جمادى الأولى ١٤٤٧ هـ٣١ أكتوبر ٢٠٢٥
المقالاتالسودانالنوازل والأحداثالرقائق والآداب
مقال:

(لعبة الحرب بالوكالة: خيوط المؤامرة وكيف نتصدَّى لها)

الحمد لله العليم الحكيم، القويِّ العزيز، الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد:

فقد تناقلت وسائل الإعلام خبر القبض على المجرم السفَّاح الفاتح عبد الله إدريس الملقب بـ «أبو لولو»، أحد أذرع الإجرام التابعة لميليشيا الدعم السريع التي عاثت في السودان فسادًا وخرابًا، وسفكت الدماء، وانتهكت الحرمات، وروَّعت الآمنين.
ذاع صيته لما اقترفته يداه من فظائع في مدينة الفاشر، حيث كان يقتل بدمٍ باردٍ، ويُظهر من القسوة ما لا يفعله إلا من مات قلبه وطمس الله على بصيرته، حتى صار رمزًا للوحشية والبغي، ومثالًا يُذكَر كلما ذُكر القتل والتنكيل بالمستضعفين.

وما إن أُعلن عن اعتقاله حتى عمَّت الفرحة أوساط الناس، واستبشر كثيرون بقدوم القصاص من البغاة المجرمين الخونة، غير أنَّ العاقل لا يُخدَع بالمظاهر حتى يفقه المقاصد، ولا يُغريه بريق الأخبار حتى يتبيَّن حقيقتها.

فلماذا جاء هذا الإعلان الآن بعد أن ارتكب هذا المجرم من المجازر ما تتفطر منه القلوب وتذرف منه العيون دماً لا دموعاً؟!
ولماذا تُرك يعيث في الأرض فسادًا شهورًا طويلةً دون أن تمتد إليه يد العدالة؟!

الجواب – يا رعاك الله – أن الأمر ليس إلا مشهدًا من مسرحيةٍ سياسيةٍ قذرة، يراد بها امتصاص الغضب الشعبي، وتلميع صورةٍ تلطَّخت بالدماء، وتسكينٌ مؤقتٌ للشارع بعد أن انكشف المستور، وظهرت حقائقُ الدعم والتسليح والتواطؤ.

لقد كشفت تقارير موثوقة أن الميليشيات المتمردة لم تكن لتقوى على ما صنعت لولا ما أُمدَّت به من سلاحٍ حديثٍ وتمويلٍ متدفِّقٍ من أنظمةٍ عربيةٍ نافذة، صارت اليوم أداةً في يد القوى الاستعمارية، تُنفِّذ سياساتها وتغرس خناجرها في جسد الأمة من داخلها.

وهكذا تكرَّر المشهد نفسه في كل قُطرٍ مسلمٍ يُراد له أن يسقط أو يُقسَّم:
تبدأ القصة بادعاء الإصلاح، وتنتهي بانهيار البلدان، وسفك دماء الأبرياء، بينما يجلس المتآمرون في العواصم البعيدة يوزِّعون الأدوار، ويُديرون الفتن كما يُدار المسرح بخيوطٍ خفيةٍ لا يراها الجمهور.

أما السفَّاح «أبو لولو» فهو مجرَّد أداةٍ من أدواتهم، وورقةٍ استُخدمت لترويع الناس حينًا، ثم تُحرق في الوقت المناسب حين اقتضت الخطة أن تُقدَّم قربانًا لتهدئة الرأي العام مثلاً.
وسيُظهرونه اليوم بمظهر المجرم المنبوذ، ليُخفوا خلفه مجرمين آخرين ما زالوا يعبثون بالأرض والعرض والدم.

أيها المسلمون،
إنَّ ما يحدث في السودان ليس قضية رجلٍ ولا ميليشيا فحسب، بل هو امتحان للأمة كلها، ودرسٌ في كيف يُدار الشرُّ حين يَلبس لباسَ الإصلاح، وكيف يُغتال الحقُّ باسم السلام، ويُكمَّم صوت المظلوم باسم «التهدئة» و«وقف التصعيد».

فإياكم أن تُخدعوا ببريق التصريحات، أو تسكنوا إلى وعودٍ من قومٍ لا يؤمنون بكم ولا بدينكم.
إنَّ دماء المسلمين أكرم عند الله من أن تُتاجر بها السياسات، وأعظم من أن تُسكَت عنها الأقلام باسم الدبلوماسية.

قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}.

فالواجب على أهل الإسلام أن يكونوا على بصيرةٍ من أمرهم، وأن يُحسنوا الفهم عن الله وعن الواقع، وأن يعلموا أن سكوت الإعلام وغياب الكاميرات لا يعني سكوت المجازر، وأن غياب الصور لا يعني غياب الدماء، وإنما هي جولةٌ من جولات المكر، وسرعان ما تنكشف بإذن الله.

نداء إلى رجال السودان الأوفياء وشبابها الأشاوس:
يا رجال السودان الأوفياء...
يا من سقيتم التاريخ مواقفًا من العزِّ والرجولة والإباء،
يا من ورثتم من أسلافكم الشجاعة والصبر والكرامة،
إنَّ نداء الحقِّ اليوم يُناديكم من قلب الجراح، أن اصطفُّوا صفًّا واحدًا خلف قيادتكم الشرعية وقواتكم المسلحة في وجه البغي والعدوان، وأن لا تتركوا وطنكم نهبًا لذئابٍ مأجورةٍ، باعت دينها وشرفها بثمنٍ بخسٍ في سوق السياسة المظلمة.

إنَّ ما حلَّ ببلادكم من فتنٍ ومجازر ما كان ليقع إلا بإذن الله وتقديره ثم لولا تآمرُ المجرمين، وتواطؤُ المتخاذلين، وغفلةُ الغافلين.
ولقد رأيتم كيف أُريقت الدماء الزكية في الفاشر وغيرها، وكيف تحوَّلت المدن الآمنة إلى أطلالٍ ينعق فيها البغي، ويتسلَّط فيها الظالمون، وعلى رأسهم السفَّاح حميدتي وتلميذه أبو لولو، الذي امتهن القتل والتمثيل بالمستضعفين، وجعل من سفك الدماء شهوةً وهوى.
فأين أنتم يا شباب السودان من الوقوف في وجه هذا الإجرام؟
وأين غيرتكم على دينكم وعِرضكم وأرضكم؟

إنَّ الواجب اليوم أن تُدركوا أن المعركة ليست بين أشخاصٍ ولا فصائل، وإنما هي بين أن تكونوا أو لا تكونوا، بين الحق والباطل، بين من يريد للسودان أن يبقى مسلمًا عزيزًا، ومن يريده تابعًا ذليلًا ممزقًا.
فاصدقوا الله في نياتكم، وتوكلوا عليه في مسعاكم، وكونوا كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}.

يا شباب السودان الأبي،
احذروا دعاة الفتنة الذين يزيِّنون الباطل ويُلبسونه ثوب الإصلاح، فإنهم ما دخلوا بلدًا إلا أفسدوه، وما رفعوا شعار السلام إلا ليمرِّروا به خطط الهدم والتفتيت.
وكونوا على وعيٍ وبصيرة، فكم من عدوٍّ قاتلكم بسلاحه مرة، ثم قاتلكم بفكره ألف مرة!

واعلموا أن النصر لا يكون بالعدد ولا بالعدة وحدها، وإنما يكون بالإيمان الصادق، والاعتصام بالكتاب والسنة، والالتفاف حول قيادتكم العسكرية الشرعية، وأن تكونوا يدًا واحدةً في وجه الميليشيات والعابثين والمأجورين. {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}.

فاثبتوا يا رجال السودان،
واحملوا راية العزّ كما حملها من قبلكم المجاهدون الصادقون،
ولا تلتفتوا إلى أصوات المرجفين ولا أبواق الإعلام المضلّل،
وثقوا أن الله لا يضيع أجر الصابرين، وأن النصر آتٍ لا محالة، ولو بعد حين. {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

اللهم انصر السودان وأهله، واحفظ جيشه وقيادته من كيد الأعداء، وأطفئ نار الفتنة، واهلك الظالمين بما كسبت أيديهم، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
والحمد لله رب العالمين.

وكتب: أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي – عفا الله عنه –
الثغر السكندري – حرسه الله –
بعد عصر الجمعة
٩ جمادى الأولى ١٤٤٧ هـ

مواد ذات صلة