كشف الملابسات عن بعض المغالطات
مقال الأسبوع: (كشف الملابسات عن بعض المغالطات)
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
لقد كثر في هذا الزمان الخلط والاضطراب في كثيرٍ من المفاهيم والمصطلحات الدعوية والمنهجية، حتى غابت المعايير واضطربت الموازين، فالتبس الحق بالباطل، واختفى نورُ التمييز بين الخطأ والصواب وبين الثبات والانحراف، وصار الثابت على المنهج الحق يُرمى بالتشدد والغلو، والمميِّع الملبِّس يُزيَّن بثوب الحكمة والاتزان.
وهكذا انقلبت المفاهيم، فاحتاج الناس إلى بيانٍ يجلِّي الحقائق، ويكشف الزيف، ويردُّ الأمور إلى نصابها الشرعي الصحيح.
ومن أكثر ما شاع في هذا الباب - الآن - ثلاث مغالطات يجدر كشفها وبيان وجه الصواب فيها، حفظًا لمنهج السلف من التحريف، ودفعًا للشبهات عن طريق أهل الحق، فأقول مستعيناً بالله:
أولاً: المغالطة الأولى: دعوى ظهور جماعة «الوضوح» أو فرقة «الوضوح»:
لقد شاع بين بعض من هم على جادَّة السلفية في الآونة الأخيرة وصفُ طائفةٍ من طلاب العلم أو الدعاة بأنهم «جماعة الوضوح»، وكأنهم كيانٌ حزبيٌّ جديد أو فرقةٌ مُحدَثة خرجت عن سواء السبيل! وهذه الدعوى في حقيقتها لا تصدر إلا عن جهلٍ بحقائق الأمور أو سوءِ ظنٍّ بأهل السُّنَّة، أو تأثُّرٍ بدعايات المرجفين الذين يُهوِّلون الصغائر ويُشوِّشون على الحق وأهله.
فليس في الدعوة إلى الوضوح تأسيسُ جماعةٍ ولا إنشاءُ لافتةٍ جديدة، وإنما هو تأكيدٌ لمعنى أصيلٍ في المنهج السلفي، راسخٍ في جذور الدعوة منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم، إذ لم يكن دينُهم غموضًا ولا باطنيةً، بل كان دينَ نورٍ وبيانٍ، يقوم على الجلاء والصفاء، كما قال تعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّـهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) [المائدة: 15]، وقال تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) [الحجر: 94].
إنَّ الوضوحَ في المنهج السلفي ليس ترفًا لفظيًّا، ولا شعارًا مرحليًّا، بل هو من لوازم الإخلاص لله والصدق في البلاغ عنه، لأن الدعوة إلى الله لا تقوم على التلبيس ولا على الغموض، ولا على المداراة في الحق أو الخفاء في الموقف، بل تقوم على البيان الصادق، والإفصاح الجريء، والثبات على المبدأ ولو خالفك الخلق أجمعون.
وقد كان السلف الصالح ـ رحمهم الله ـ يكرهون الغموض والتلون في الاعتقاد، ويعدُّونه من سمات أهل الأهواء، دخل أبو مسعود على حذيفة فقال: أوصنا يا أبا عبد الله. فقال حذيفة: (أما جاءك اليقين ؟). قال: بلى وربي. قال: (فإن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر وأن تنكر ما كنت تعرف وإياك والتلون فإن دين الله واحد). وقال عدي بن حاتم رضي الله عنه: (إنكم لن تزالوا بخير ما لم تعرفوا ما كنتم تنكرون وتنكروا ما كنتم تعرفون وما دام عالمكم يتكلم بينكم غير خائف).
وكان العلامة محمد أمان الجامي رحمه الله يقول: (الوضوح الوضوح في المنهج والقوة القوة في المواقف، هكذا ينبغي أن يكون السلفي).
وكذلك شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله حسم الأمر في قضية ابن هادي (المصعفقة) فقال: «خذوا عن الواضحين » أي: في باب التلقي يجب أن تأخذ العلم عمن وضح في منهجه وضوح الشمس وتترك المتسترين المتلونين، فالأمر كما قال ابن سيرين رحمه الله: « إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ » (صحيح). انظر كتابي: نزل الأبرار في السلسلة الصحيحة من الآثار [1/59].
ولأنَّ الوضوح في المعتقد والمنهج والولاء والبراء دليلٌ على الثبات والرسوخ، وهو علامةُ الصادقين الذين لا يعرفون المواربة في الحق ولا التردُّد في نصرة السنة وأهلها.
فالوضوح في لسان السلف عنوانُ سلامة القلب، وطهارة المعتقد، وصدق الاتجاه، وهو مضادٌّ للتَّعمية والتَّقية والتَّذبذب التي كان عليها أهل البدع والضلال.
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلَّم، تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ واضحٍ لا يخفى على أحد، كما وصفه الصحابة، فعَنْ أَنَسٍ، أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: « كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا، حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ » رواه البخاري.
فكيف يُجعل هذا الأصل الشرعي الرفيع تهمةً أو ذريعةً للطعن في أهل السُّنَّة؟! بل الواجب أن يُشجَّع من رفع راية الوضوح في زمنٍ كثر فيه الالتباس، واشتبهت فيه المواقف، وقلَّ فيه الثابتون على الجادة.
فالوضوح ـ في مثل هذه الأيام ـ عبادةٌ ومنقبة، لا مثلبة ولا مذمَّة، لأن صاحبَه يصدع بالحق لا يخاف في الله لومة لائم، ويُبيُّن موقفه في الولاء والبراء، وفي الانحراف والاعتدال، كما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) [الحجر: 94] .
قال شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله: « أما منهج السلف فواضح غاية الوضوح كامل كل الكمال شامل كل الشمول لأنه مُستمَدٌّ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومما دَوَّنه علماءُ السُّنَّة من القرون الأولى إلى هذا العصر يؤكد اللاحق منهم ما قرره السابق». انتهى من (مجموع مؤلفاته) [11/٢٤٨].
ولما سئل شيخنا العلامة عبيد الجابري رحمه الله: (ما الفرق بين وجوب الوضوح في المنهج، ومراعاة الحكمة في الدعوة ؟
فأجاب: بل من الحكمة الوضوح، بأن يقرر المرء أحكام الله-سبحانه وتعالى- في العبادة اعتقادية كانت أو عملية، وفي المعاملة، وفي السلوك، في هذه الأبواب يقرر أحكام الله من الكتاب والسنة وعلى فهم السف الصالح ...) اهـ.
وفي المقابل، حذَّر العلماء من كلِّ تكتُّلٍ حزبيٍّ يُفرِّق الصفَّ السَّلفي، ومن تحويل الأوصاف الشرعية إلى لافتاتٍ تُرفع على سبيل الانتماء والتميُّز، فإنَّ المنهج السَّلفي قائمٌ على الاجتماع على الحق والأصول الثابتة لا على التفرُّق والتشرذم تحت الشعارات.
ولذلك لا تعارض بين قول من يوصي بالأخذ عن «الواضحين» الثابتين على الحق، وبين من يحذِّر من اتخاذ «الوضوح» رايةً حزبيَّة، لأنَّ الأول يُثني على الصفة الشرعية المحمودة، والثاني يُنكر الانحراف بها إلى التعصُّب المذموم.
غير أنَّ العيبَ كلَّ العيب، والخوفَ كلَّ الخوف – وللأسف واقع - أن يُتَّخذ هذا اللفظ الشريف (الوضوح) سلاحًا للتنفير من كل من يصدع بالحق بين الملبِّسين المموِّهين، وأن يُجعل اللقب ذريعةً لإسكات الأصوات الصادعة بالبيان في زمنٍ قلَّ فيه الصادقون، فذلك قلبٌ للحقائق، ونصرةٌ للغموض على حساب الوضوح الذي هو من سمات أهل السُّنَّة السلفيين، والله المستعان.
ثانيًا: المغالطة الثانية:
الطعن في من يستعمل وسائل التواصل في نشر العلم، وتسميتهم بـ «الفيسبوكيين»
من المغالطات العصرية التي تُشير إلى سوء الفهم وقصور النظر: الاستهانة بالمشايخ والدعاة وطلبة العلم الذين يسخِّرون منصَّات التواصل الحديثة لنشر الخير، وتسميتهم على سبيل التحقير والاستهزاء بـ «الفيسبوكيين» أو «اليوتيوبيين»، وكأنهم طلابُ شهرةٍ لا طلابُ علم، أو دعاةُ ظهورٍ لا دعاةُ هداية.
وهذا وصفٌ مجافٍ للإنصاف، ومناقضٌ للواقع، لأن الوسائل لا تُذم لذاتها، وإنما يُمدح أو يُذم بها استعمالها ومقصد صاحبها.
لقد تغيَّرت الوسائل ولم تتغيَّر الثوابت؛ وتبدَّلت أدوات البلاغ وبقي المبلَّغ عنه واحدًا – ولله الحمد والمنة -.
ففي العصور الأولى كان العلماء يبلِّغون العلم بالمشافهة في المساجد والمجالس، ثم انتقلوا إلى التدوين والتأليف، ثم إلى الطباعة، ثم إلى البث الإذاعي والتلفزيوني، ثم جاء عهد الشبكات والمنصَّات الرقمية التي تجاوز بها البلاغ حدود البلدان واللغات.
وكل هذه وسائل ـ إن استُعملت لنشر الكتاب والسُّنَّة بفهم السلف الصالح ـ فهي نعمةٌ ربانية عظيمة تستوجب الشكر، لأنها فتحت أبواب الدعوة بعد أن كانت مغلقة، وقرَّبت البعيد بعد أن كان بعيدًا، وجعلت من الشيخ الواحد أو طالب العلم الواحد منارةً يسمعها الآلاف في لحظة واحدة.
قال الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت: 33]. فمن دعا إلى الله بوسيلةٍ مشروعة، وعمل صالحًا، وصدع بالحق على بصيرة، فهو داخل في عموم هذا الثناء الرباني، لا يضره إن استخدم منبرًا خشبيًّا أو شاشةً إلكترونية، فالعبرة بالمنهج لا بالوسيلة، وبالصدق لا بالمكان.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً » رواه البخاري، وهذا الحديث ـ على وجازته ـ أصلٌ في التبليغ بكل وسيلةٍ متاحة، ما دامت مضبوطة بضوابط الشرع والعلم، فكيف يُذمُّ من بلَّغ آيةً أو حديثًا من خلال وسيلةٍ يسمعها الآلاف في مشارق الأرض ومغاربها؟
بل إن ترك هذه المنابر الواسعة للمبتدعة وأهل الشهوات يُعدُّ من تضييع الواجب وإهمال النصيحة للأمة.
إنَّ مَنْ يَسْخَر من الدعاة العاملين على هذه الوسائل غفل عن أن الدعوة لم تعد محصورة في المسجد والمنبر، بل امتدَّ صوتها عبر الفضاء المفتوح، وأصبح للعلم موضعٌ في كل بيتٍ يحمل هاتفًا أو جهازًا.
ولئن كان الخطيب في المسجد يسمعه عشرات، فإن الداعية في الفضاء الرقمي يسمعه عشرات الألوف، بل مئات الآلاف، في بلدٍ واحدٍ أو في العالم كله، في ساعةٍ واحدة.
فهل يُعقل أن يُجعل هذا الاتساع في الخير مدعاةً للقدح لا للشكر؟! بل والله هي نعمة تستوجب الحمد والاستثمار، كما قال تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: 11].
نعم، لا يجوز أن يكون الظهور الإلكتروني سبيلاً للرياء أو التصدر بغير علم، فهذا مذموم بكل حال، سواء كان على المنابر أو على الشاشات، لكن لا يُتَّخذ خطأُ بعض الأفراد – ممن تذبَّب قبل أن يتحصرم - ذريعةً لطمس خيرٍ واسعٍ ووسيلةٍ نافعةٍ عظيمة.
فالميزان في هذا الباب هو العلم والبصيرة والإخلاص، لا الوسيلة ولا المنصَّة. قال الله تعالى: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) [يوسف: 108].
فمن دعا إلى الله على بصيرة، واستعمل ما يسَّر الله له من الوسائل الحديثة، فقد سار على نهج النبي صلى الله عليه وسلم، وواصل طريق البلاغ الذي حمله الصحابة من بعده، غير مبدِّل ولا مغيِّر.
لكن الخوف كل الخوف أن يُتخذ هذا الوصف ـ «الفيسبوكيون» أو غيره من الألقاب ـ سلاحًا للتنقُّص من المشايخ وطلبة العلم الصادقين، ممن سخَّروا هذه الوسائل لنشر السُّنَّة والدعوة إلى الله بصدق وإخلاص.
فكم من مخلصٍ نفع الله به في هذه المنصَّات نفعًا عظيمًا، وكم من مغرضٍ أراد أن يطفئ نور الحق بوصفٍ ساخرٍ أو لقبٍ مزرٍ!
فينبغي الحذر من هذه المغالطة، ومن تردادها على ألسنة بعض المرضى أو الحاسدين الذين يريدون تنفير الناس عن دعاة السُّنَّة بحجة «الفيسبوكية».
فيا من يستهين بدعاة الوسائل الحديثة: تذكَّر أن سكوت صوت الحق في هذه المنصَّات يملؤها الباطل، وأن ترك أهل السُّنَّة لساحتها يفتح الباب لأهل البدعة والضلال.
فواجب الوقت أن يستثمرها الدعاة المخلصون لنشر العلم والبيان، لا أن يتركوها فارغةً من الهدى والنور، فإن في ذلك تضييعًا لفرصةٍ عظيمة، وتخلُّفًا عن ميدانٍ فسيحٍ من ميادين الدعوة إلى الله، والله المستعان.
ثالثًا: المغالطة الثالثة:
(دعوى أن القتال في دولة السودان قتال فتنة بين المسلمين يقتل بعضهم بعضًا)
وهذه - ولا ريب - ثالثة الأثافي وأخطرها، لأنها تتعلق بأعظم ما في الدين بعد التوحيد: دماء المسلمين، والقول فيها بغير علمٍ من كبائر الذنوب ومزلَّات الأقدام، قال الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء: 36].
ليس كل قتالٍ بين طائفتين من المسلمين يُعَدُّ قتال فتنة يتكافأ فيه الفريقان، بل قد تكون إحداهما مصيبة والأخرى مخطئة، والواجب الشرعي هو نصرة المحقَّة ومعاقبة الباغية، كما قال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) [الحجرات: 9]
فلا يجوز السكوت أو الاعتزال في مثل هذا، لأن في ذلك تركًا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتمكينًا للباطل. ولو كان الفريقان مصيبين معًا لجاز أن يكون الشيء الواحد حلالًا وحرامًا في وقتٍ واحد، وهذا من أبطل الباطل.
ولهذا قاتل الصحابةُ البغاةَ مع أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه، وعدُّوا قتالهم إياهم طاعةً لله تعالى، كما قال ابن عمر: «ما وجدت في نفسي شيئًا كوجدي أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله».
وشهد مع عليٍّ رضي الله عنه كبار التابعين من أمثال أويس القرني، وعبيدة السلماني، وعلقمة، وأبي وائل، وعمرو بن شرحبيل وغيرهم، مما يدل على أن القتال مع الإمام الشرعي ضد البغاة واجبٌ شرعيٌّ لا فتنة - بل انعقد الإجماع على ذلك - وأن كسر السيوف والاختفاء عند هيج القتال ضد البغاة خنوع وخشوع نفاق وليس من منهج السلف، بل الواجب هو نصرة المحقِّ وردع المخطئ حتى يرجع إلى حكم الله.
نعم؛ ليس كل قتالٍ يقع في بلدٍ مسلم يُسمَّى «قتال فتنة» بإطلاق، بل يُنظر في الرايات والمقاصد والغايات، فإن كانت الراية راية شرعية، يقودها حاكم مسلم وجيشٌ نظاميٌّ لحماية البلاد والعباد، والدفاع عن الدين والأرض والعِرض، وصدِّ العدوان، وحقن الدماء، ضد راية بغيٍ وخروجٍ على ولاة أمر المسلمين، ورفعٍ للسلاح لنشر الفوضى والفساد، فإن هذا جهادٌ مشروعٌ ضد البغاة والمفسدين، يجب تأييد ونصرته، فقد قال النبي ﷺ في وصف الخوارج: « يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (متفق عليه).
ومن ثمَّ، فالأحرى أن نعلم أن ما يجري اليوم في السودان اليوم ليس قتال فتنة كما يزعم الملبِّسون، بل هو قتال بين الحق والباطل، بين الراية الشرعية وراية البغي، بين من يريد حفظ الدين والدولة ومن يريد الهدم والفوضى. ومن يسوِّي بين الفريقين فقد ظلم وبغى، وخالف العدل والبيِّنات الشرعية.
وقال النووي رحمه الله في شرح مسلم [18/10]: (وَقَالَ مُعْظَمُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّةِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ يَجِبُ نَصْرُ الْمُحِقِّ فِي الْفِتَنِ وَالْقِيَامُ مَعَهُ بِمُقَاتَلَةِ الْبَاغِينَ كَمَا قَالَ تعالى (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) الْآيَةَ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَتُتَأَوَّلُ الْأَحَادِيثُ عَلَى مَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ المُحِقُّ أَوْ عَلَى طائفتين ظالمتين لا تأويل لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُونَ لَظَهَرَ الْفَسَادُ وَاسْتَطَالَ أَهْلُ الْبَغْيِ وَالْمُبْطِلُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ) اهـ.
وقال ابن حجر في (الفتح) [13/34]: (وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين، وحمل هؤلاء الأحاديث الواردة في ذلك على من ضعف عن القتال أو قصر نظره عن معرفة صاحب الحق) اهـ.
والموقف الشرعي الواجب هو:
• الثبات خلف القيادة الشرعية والجيش الذي يدافع عن البلاد ويحفظ بيضة الإسلام.
• دعم أهل الحق بما يستطيع المسلم من دعاءٍ أو كلمةٍ أو نصيحةٍ أو توعيةٍ.
• الحذر من الإشاعات التي تُلبِّس الأمور وتسوُّي بين الجاني والمجني عليه، وبين الباغي والمبغيِّ عليه.
• والدعاء بالنصر والتمكين لأهل الحق، وبالفرج والأمن للبلاد والعباد، وأن يردَّ الله كيد الخوارج والمفسدين في نحورهم، وأن يقطع دابرهم.
فهذه ليست فتنة بين طائفتين متكافئين، بل معركة عقيدة ومنهج ومصير، والواجب فيها التمييز لا التلبيس، والنصرة لا الحياد، والبيان لا الصمت، حتى لا يُغتال الحق تحت راياتٍ مزوَّرة، وشعاراتٍ خادعة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، ومن يسوِّي بين الفريقين فقد ظلَم، وغيَّبَ أدلة الشرع والحقيقة، ومن القواعد العظيمة التي يجب استحضارها في هذا الباب: أن الحق واحد لا يتعدَّد؛ فهذه قاعدة جليلة تحفظ للأمة صفاء منهجها، وتسدُّ باب التَّلبيس والاضطراب = إذ الحق في نفسه ثابت لا يختلف ولا يتناقض، وإنما تتعدد وجوه الباطل وتتنوع سُبُله.
ولما عجز أهل الباطل عن طمس نور الحق وإزالته، لجؤوا إلى أخبث وسيلة، وهي الخلط والتلبيس، يحاولون مزج الحق بالباطل حتى يشتبه الأمر على الناس؛ وقد وصف الله حالهم بقوله: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) [الصف: 8].
فالحق لا يقبل التعدد، ومن زعم أن لكل طرفٍ من المتنازعين حقًا = فقد ضيَّع الحقَّ نفسه، وفتح الباب للفتن والضلال، قال ابن القيم -رحمه الله-: (والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق، وطرق الباطل متشعبة، ومتعددة) [بدائع الفوائد: 1/127]. والله أعلم.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه وسلم
وكتب: أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري – عفا الله عنه –
الثغر السكندري – حرسه الله – من الديار المصرية – حفظها الله من كل مكروه وسوء وسائر بلاد المسلمين –
ليلة الجمعة: 9 / جمادى الأولى / 1447 هـ.
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
لقد كثر في هذا الزمان الخلط والاضطراب في كثيرٍ من المفاهيم والمصطلحات الدعوية والمنهجية، حتى غابت المعايير واضطربت الموازين، فالتبس الحق بالباطل، واختفى نورُ التمييز بين الخطأ والصواب وبين الثبات والانحراف، وصار الثابت على المنهج الحق يُرمى بالتشدد والغلو، والمميِّع الملبِّس يُزيَّن بثوب الحكمة والاتزان.
وهكذا انقلبت المفاهيم، فاحتاج الناس إلى بيانٍ يجلِّي الحقائق، ويكشف الزيف، ويردُّ الأمور إلى نصابها الشرعي الصحيح.
ومن أكثر ما شاع في هذا الباب - الآن - ثلاث مغالطات يجدر كشفها وبيان وجه الصواب فيها، حفظًا لمنهج السلف من التحريف، ودفعًا للشبهات عن طريق أهل الحق، فأقول مستعيناً بالله:
أولاً: المغالطة الأولى: دعوى ظهور جماعة «الوضوح» أو فرقة «الوضوح»:
لقد شاع بين بعض من هم على جادَّة السلفية في الآونة الأخيرة وصفُ طائفةٍ من طلاب العلم أو الدعاة بأنهم «جماعة الوضوح»، وكأنهم كيانٌ حزبيٌّ جديد أو فرقةٌ مُحدَثة خرجت عن سواء السبيل! وهذه الدعوى في حقيقتها لا تصدر إلا عن جهلٍ بحقائق الأمور أو سوءِ ظنٍّ بأهل السُّنَّة، أو تأثُّرٍ بدعايات المرجفين الذين يُهوِّلون الصغائر ويُشوِّشون على الحق وأهله.
فليس في الدعوة إلى الوضوح تأسيسُ جماعةٍ ولا إنشاءُ لافتةٍ جديدة، وإنما هو تأكيدٌ لمعنى أصيلٍ في المنهج السلفي، راسخٍ في جذور الدعوة منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم، إذ لم يكن دينُهم غموضًا ولا باطنيةً، بل كان دينَ نورٍ وبيانٍ، يقوم على الجلاء والصفاء، كما قال تعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّـهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) [المائدة: 15]، وقال تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) [الحجر: 94].
إنَّ الوضوحَ في المنهج السلفي ليس ترفًا لفظيًّا، ولا شعارًا مرحليًّا، بل هو من لوازم الإخلاص لله والصدق في البلاغ عنه، لأن الدعوة إلى الله لا تقوم على التلبيس ولا على الغموض، ولا على المداراة في الحق أو الخفاء في الموقف، بل تقوم على البيان الصادق، والإفصاح الجريء، والثبات على المبدأ ولو خالفك الخلق أجمعون.
وقد كان السلف الصالح ـ رحمهم الله ـ يكرهون الغموض والتلون في الاعتقاد، ويعدُّونه من سمات أهل الأهواء، دخل أبو مسعود على حذيفة فقال: أوصنا يا أبا عبد الله. فقال حذيفة: (أما جاءك اليقين ؟). قال: بلى وربي. قال: (فإن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر وأن تنكر ما كنت تعرف وإياك والتلون فإن دين الله واحد). وقال عدي بن حاتم رضي الله عنه: (إنكم لن تزالوا بخير ما لم تعرفوا ما كنتم تنكرون وتنكروا ما كنتم تعرفون وما دام عالمكم يتكلم بينكم غير خائف).
وكان العلامة محمد أمان الجامي رحمه الله يقول: (الوضوح الوضوح في المنهج والقوة القوة في المواقف، هكذا ينبغي أن يكون السلفي).
وكذلك شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله حسم الأمر في قضية ابن هادي (المصعفقة) فقال: «خذوا عن الواضحين » أي: في باب التلقي يجب أن تأخذ العلم عمن وضح في منهجه وضوح الشمس وتترك المتسترين المتلونين، فالأمر كما قال ابن سيرين رحمه الله: « إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ » (صحيح). انظر كتابي: نزل الأبرار في السلسلة الصحيحة من الآثار [1/59].
ولأنَّ الوضوح في المعتقد والمنهج والولاء والبراء دليلٌ على الثبات والرسوخ، وهو علامةُ الصادقين الذين لا يعرفون المواربة في الحق ولا التردُّد في نصرة السنة وأهلها.
فالوضوح في لسان السلف عنوانُ سلامة القلب، وطهارة المعتقد، وصدق الاتجاه، وهو مضادٌّ للتَّعمية والتَّقية والتَّذبذب التي كان عليها أهل البدع والضلال.
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلَّم، تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ واضحٍ لا يخفى على أحد، كما وصفه الصحابة، فعَنْ أَنَسٍ، أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: « كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا، حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ » رواه البخاري.
فكيف يُجعل هذا الأصل الشرعي الرفيع تهمةً أو ذريعةً للطعن في أهل السُّنَّة؟! بل الواجب أن يُشجَّع من رفع راية الوضوح في زمنٍ كثر فيه الالتباس، واشتبهت فيه المواقف، وقلَّ فيه الثابتون على الجادة.
فالوضوح ـ في مثل هذه الأيام ـ عبادةٌ ومنقبة، لا مثلبة ولا مذمَّة، لأن صاحبَه يصدع بالحق لا يخاف في الله لومة لائم، ويُبيُّن موقفه في الولاء والبراء، وفي الانحراف والاعتدال، كما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) [الحجر: 94] .
قال شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله: « أما منهج السلف فواضح غاية الوضوح كامل كل الكمال شامل كل الشمول لأنه مُستمَدٌّ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومما دَوَّنه علماءُ السُّنَّة من القرون الأولى إلى هذا العصر يؤكد اللاحق منهم ما قرره السابق». انتهى من (مجموع مؤلفاته) [11/٢٤٨].
ولما سئل شيخنا العلامة عبيد الجابري رحمه الله: (ما الفرق بين وجوب الوضوح في المنهج، ومراعاة الحكمة في الدعوة ؟
فأجاب: بل من الحكمة الوضوح، بأن يقرر المرء أحكام الله-سبحانه وتعالى- في العبادة اعتقادية كانت أو عملية، وفي المعاملة، وفي السلوك، في هذه الأبواب يقرر أحكام الله من الكتاب والسنة وعلى فهم السف الصالح ...) اهـ.
وفي المقابل، حذَّر العلماء من كلِّ تكتُّلٍ حزبيٍّ يُفرِّق الصفَّ السَّلفي، ومن تحويل الأوصاف الشرعية إلى لافتاتٍ تُرفع على سبيل الانتماء والتميُّز، فإنَّ المنهج السَّلفي قائمٌ على الاجتماع على الحق والأصول الثابتة لا على التفرُّق والتشرذم تحت الشعارات.
ولذلك لا تعارض بين قول من يوصي بالأخذ عن «الواضحين» الثابتين على الحق، وبين من يحذِّر من اتخاذ «الوضوح» رايةً حزبيَّة، لأنَّ الأول يُثني على الصفة الشرعية المحمودة، والثاني يُنكر الانحراف بها إلى التعصُّب المذموم.
غير أنَّ العيبَ كلَّ العيب، والخوفَ كلَّ الخوف – وللأسف واقع - أن يُتَّخذ هذا اللفظ الشريف (الوضوح) سلاحًا للتنفير من كل من يصدع بالحق بين الملبِّسين المموِّهين، وأن يُجعل اللقب ذريعةً لإسكات الأصوات الصادعة بالبيان في زمنٍ قلَّ فيه الصادقون، فذلك قلبٌ للحقائق، ونصرةٌ للغموض على حساب الوضوح الذي هو من سمات أهل السُّنَّة السلفيين، والله المستعان.
ثانيًا: المغالطة الثانية:
الطعن في من يستعمل وسائل التواصل في نشر العلم، وتسميتهم بـ «الفيسبوكيين»
من المغالطات العصرية التي تُشير إلى سوء الفهم وقصور النظر: الاستهانة بالمشايخ والدعاة وطلبة العلم الذين يسخِّرون منصَّات التواصل الحديثة لنشر الخير، وتسميتهم على سبيل التحقير والاستهزاء بـ «الفيسبوكيين» أو «اليوتيوبيين»، وكأنهم طلابُ شهرةٍ لا طلابُ علم، أو دعاةُ ظهورٍ لا دعاةُ هداية.
وهذا وصفٌ مجافٍ للإنصاف، ومناقضٌ للواقع، لأن الوسائل لا تُذم لذاتها، وإنما يُمدح أو يُذم بها استعمالها ومقصد صاحبها.
لقد تغيَّرت الوسائل ولم تتغيَّر الثوابت؛ وتبدَّلت أدوات البلاغ وبقي المبلَّغ عنه واحدًا – ولله الحمد والمنة -.
ففي العصور الأولى كان العلماء يبلِّغون العلم بالمشافهة في المساجد والمجالس، ثم انتقلوا إلى التدوين والتأليف، ثم إلى الطباعة، ثم إلى البث الإذاعي والتلفزيوني، ثم جاء عهد الشبكات والمنصَّات الرقمية التي تجاوز بها البلاغ حدود البلدان واللغات.
وكل هذه وسائل ـ إن استُعملت لنشر الكتاب والسُّنَّة بفهم السلف الصالح ـ فهي نعمةٌ ربانية عظيمة تستوجب الشكر، لأنها فتحت أبواب الدعوة بعد أن كانت مغلقة، وقرَّبت البعيد بعد أن كان بعيدًا، وجعلت من الشيخ الواحد أو طالب العلم الواحد منارةً يسمعها الآلاف في لحظة واحدة.
قال الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت: 33]. فمن دعا إلى الله بوسيلةٍ مشروعة، وعمل صالحًا، وصدع بالحق على بصيرة، فهو داخل في عموم هذا الثناء الرباني، لا يضره إن استخدم منبرًا خشبيًّا أو شاشةً إلكترونية، فالعبرة بالمنهج لا بالوسيلة، وبالصدق لا بالمكان.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً » رواه البخاري، وهذا الحديث ـ على وجازته ـ أصلٌ في التبليغ بكل وسيلةٍ متاحة، ما دامت مضبوطة بضوابط الشرع والعلم، فكيف يُذمُّ من بلَّغ آيةً أو حديثًا من خلال وسيلةٍ يسمعها الآلاف في مشارق الأرض ومغاربها؟
بل إن ترك هذه المنابر الواسعة للمبتدعة وأهل الشهوات يُعدُّ من تضييع الواجب وإهمال النصيحة للأمة.
إنَّ مَنْ يَسْخَر من الدعاة العاملين على هذه الوسائل غفل عن أن الدعوة لم تعد محصورة في المسجد والمنبر، بل امتدَّ صوتها عبر الفضاء المفتوح، وأصبح للعلم موضعٌ في كل بيتٍ يحمل هاتفًا أو جهازًا.
ولئن كان الخطيب في المسجد يسمعه عشرات، فإن الداعية في الفضاء الرقمي يسمعه عشرات الألوف، بل مئات الآلاف، في بلدٍ واحدٍ أو في العالم كله، في ساعةٍ واحدة.
فهل يُعقل أن يُجعل هذا الاتساع في الخير مدعاةً للقدح لا للشكر؟! بل والله هي نعمة تستوجب الحمد والاستثمار، كما قال تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: 11].
نعم، لا يجوز أن يكون الظهور الإلكتروني سبيلاً للرياء أو التصدر بغير علم، فهذا مذموم بكل حال، سواء كان على المنابر أو على الشاشات، لكن لا يُتَّخذ خطأُ بعض الأفراد – ممن تذبَّب قبل أن يتحصرم - ذريعةً لطمس خيرٍ واسعٍ ووسيلةٍ نافعةٍ عظيمة.
فالميزان في هذا الباب هو العلم والبصيرة والإخلاص، لا الوسيلة ولا المنصَّة. قال الله تعالى: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) [يوسف: 108].
فمن دعا إلى الله على بصيرة، واستعمل ما يسَّر الله له من الوسائل الحديثة، فقد سار على نهج النبي صلى الله عليه وسلم، وواصل طريق البلاغ الذي حمله الصحابة من بعده، غير مبدِّل ولا مغيِّر.
لكن الخوف كل الخوف أن يُتخذ هذا الوصف ـ «الفيسبوكيون» أو غيره من الألقاب ـ سلاحًا للتنقُّص من المشايخ وطلبة العلم الصادقين، ممن سخَّروا هذه الوسائل لنشر السُّنَّة والدعوة إلى الله بصدق وإخلاص.
فكم من مخلصٍ نفع الله به في هذه المنصَّات نفعًا عظيمًا، وكم من مغرضٍ أراد أن يطفئ نور الحق بوصفٍ ساخرٍ أو لقبٍ مزرٍ!
فينبغي الحذر من هذه المغالطة، ومن تردادها على ألسنة بعض المرضى أو الحاسدين الذين يريدون تنفير الناس عن دعاة السُّنَّة بحجة «الفيسبوكية».
فيا من يستهين بدعاة الوسائل الحديثة: تذكَّر أن سكوت صوت الحق في هذه المنصَّات يملؤها الباطل، وأن ترك أهل السُّنَّة لساحتها يفتح الباب لأهل البدعة والضلال.
فواجب الوقت أن يستثمرها الدعاة المخلصون لنشر العلم والبيان، لا أن يتركوها فارغةً من الهدى والنور، فإن في ذلك تضييعًا لفرصةٍ عظيمة، وتخلُّفًا عن ميدانٍ فسيحٍ من ميادين الدعوة إلى الله، والله المستعان.
ثالثًا: المغالطة الثالثة:
(دعوى أن القتال في دولة السودان قتال فتنة بين المسلمين يقتل بعضهم بعضًا)
وهذه - ولا ريب - ثالثة الأثافي وأخطرها، لأنها تتعلق بأعظم ما في الدين بعد التوحيد: دماء المسلمين، والقول فيها بغير علمٍ من كبائر الذنوب ومزلَّات الأقدام، قال الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء: 36].
ليس كل قتالٍ بين طائفتين من المسلمين يُعَدُّ قتال فتنة يتكافأ فيه الفريقان، بل قد تكون إحداهما مصيبة والأخرى مخطئة، والواجب الشرعي هو نصرة المحقَّة ومعاقبة الباغية، كما قال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) [الحجرات: 9]
فلا يجوز السكوت أو الاعتزال في مثل هذا، لأن في ذلك تركًا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتمكينًا للباطل. ولو كان الفريقان مصيبين معًا لجاز أن يكون الشيء الواحد حلالًا وحرامًا في وقتٍ واحد، وهذا من أبطل الباطل.
ولهذا قاتل الصحابةُ البغاةَ مع أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه، وعدُّوا قتالهم إياهم طاعةً لله تعالى، كما قال ابن عمر: «ما وجدت في نفسي شيئًا كوجدي أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله».
وشهد مع عليٍّ رضي الله عنه كبار التابعين من أمثال أويس القرني، وعبيدة السلماني، وعلقمة، وأبي وائل، وعمرو بن شرحبيل وغيرهم، مما يدل على أن القتال مع الإمام الشرعي ضد البغاة واجبٌ شرعيٌّ لا فتنة - بل انعقد الإجماع على ذلك - وأن كسر السيوف والاختفاء عند هيج القتال ضد البغاة خنوع وخشوع نفاق وليس من منهج السلف، بل الواجب هو نصرة المحقِّ وردع المخطئ حتى يرجع إلى حكم الله.
نعم؛ ليس كل قتالٍ يقع في بلدٍ مسلم يُسمَّى «قتال فتنة» بإطلاق، بل يُنظر في الرايات والمقاصد والغايات، فإن كانت الراية راية شرعية، يقودها حاكم مسلم وجيشٌ نظاميٌّ لحماية البلاد والعباد، والدفاع عن الدين والأرض والعِرض، وصدِّ العدوان، وحقن الدماء، ضد راية بغيٍ وخروجٍ على ولاة أمر المسلمين، ورفعٍ للسلاح لنشر الفوضى والفساد، فإن هذا جهادٌ مشروعٌ ضد البغاة والمفسدين، يجب تأييد ونصرته، فقد قال النبي ﷺ في وصف الخوارج: « يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (متفق عليه).
ومن ثمَّ، فالأحرى أن نعلم أن ما يجري اليوم في السودان اليوم ليس قتال فتنة كما يزعم الملبِّسون، بل هو قتال بين الحق والباطل، بين الراية الشرعية وراية البغي، بين من يريد حفظ الدين والدولة ومن يريد الهدم والفوضى. ومن يسوِّي بين الفريقين فقد ظلم وبغى، وخالف العدل والبيِّنات الشرعية.
وقال النووي رحمه الله في شرح مسلم [18/10]: (وَقَالَ مُعْظَمُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّةِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ يَجِبُ نَصْرُ الْمُحِقِّ فِي الْفِتَنِ وَالْقِيَامُ مَعَهُ بِمُقَاتَلَةِ الْبَاغِينَ كَمَا قَالَ تعالى (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) الْآيَةَ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَتُتَأَوَّلُ الْأَحَادِيثُ عَلَى مَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ المُحِقُّ أَوْ عَلَى طائفتين ظالمتين لا تأويل لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُونَ لَظَهَرَ الْفَسَادُ وَاسْتَطَالَ أَهْلُ الْبَغْيِ وَالْمُبْطِلُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ) اهـ.
وقال ابن حجر في (الفتح) [13/34]: (وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين، وحمل هؤلاء الأحاديث الواردة في ذلك على من ضعف عن القتال أو قصر نظره عن معرفة صاحب الحق) اهـ.
والموقف الشرعي الواجب هو:
• الثبات خلف القيادة الشرعية والجيش الذي يدافع عن البلاد ويحفظ بيضة الإسلام.
• دعم أهل الحق بما يستطيع المسلم من دعاءٍ أو كلمةٍ أو نصيحةٍ أو توعيةٍ.
• الحذر من الإشاعات التي تُلبِّس الأمور وتسوُّي بين الجاني والمجني عليه، وبين الباغي والمبغيِّ عليه.
• والدعاء بالنصر والتمكين لأهل الحق، وبالفرج والأمن للبلاد والعباد، وأن يردَّ الله كيد الخوارج والمفسدين في نحورهم، وأن يقطع دابرهم.
فهذه ليست فتنة بين طائفتين متكافئين، بل معركة عقيدة ومنهج ومصير، والواجب فيها التمييز لا التلبيس، والنصرة لا الحياد، والبيان لا الصمت، حتى لا يُغتال الحق تحت راياتٍ مزوَّرة، وشعاراتٍ خادعة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، ومن يسوِّي بين الفريقين فقد ظلَم، وغيَّبَ أدلة الشرع والحقيقة، ومن القواعد العظيمة التي يجب استحضارها في هذا الباب: أن الحق واحد لا يتعدَّد؛ فهذه قاعدة جليلة تحفظ للأمة صفاء منهجها، وتسدُّ باب التَّلبيس والاضطراب = إذ الحق في نفسه ثابت لا يختلف ولا يتناقض، وإنما تتعدد وجوه الباطل وتتنوع سُبُله.
ولما عجز أهل الباطل عن طمس نور الحق وإزالته، لجؤوا إلى أخبث وسيلة، وهي الخلط والتلبيس، يحاولون مزج الحق بالباطل حتى يشتبه الأمر على الناس؛ وقد وصف الله حالهم بقوله: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) [الصف: 8].
فالحق لا يقبل التعدد، ومن زعم أن لكل طرفٍ من المتنازعين حقًا = فقد ضيَّع الحقَّ نفسه، وفتح الباب للفتن والضلال، قال ابن القيم -رحمه الله-: (والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق، وطرق الباطل متشعبة، ومتعددة) [بدائع الفوائد: 1/127]. والله أعلم.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه وسلم
وكتب: أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري – عفا الله عنه –
الثغر السكندري – حرسه الله – من الديار المصرية – حفظها الله من كل مكروه وسوء وسائر بلاد المسلمين –
ليلة الجمعة: 9 / جمادى الأولى / 1447 هـ.