أنا شاب عمري 21سنة أرغب في دراسة مجال التمريض، ومدة الدراسة فيه ثلاث سنوات، وخلال فترة الدراسة قد أُكلَّف بالتدريب في المستشفى، وهذا…
السؤال: مئة واثنان وثمانون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حياكم الله أستاذي الحبيب
أحسن الله إليكم هذا يسأل:
بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخنا الفاضل، حفظكم الله ورعاكم، أسأل الله أن يجزيكم خير الجزاء على ما تقدمونه من نصح وتوجيه.
أنا شاب عمري 21سنة أرغب في دراسة مجال التمريض، ومدة الدراسة فيه ثلاث سنوات، وخلال فترة الدراسة قد أُكلَّف بالتدريب في المستشفى، وهذا التدريب قد يضطرني أحيانًا إلى التعامل مع نساء مريضات، بل ربما أكون في قسم المستعجلات وتدخل حالات طارئة لنساء، وقد أُضطر إلى الاطلاع على عوراتهن أثناء العمل أو المساعدة الطبية.
وكذلك بعد التخرج، عندما أعمل في المستشفيات، قد يُطلب مني أن أعمل مع زميلات نساء أو أن أرعى مريضات نساء في بعض الحالات.
أما عن ظروفي الحالية يا شيخ، فإني كنت أعيش في دولة الإمارات، وقد اشتغلت هناك لمدة سنة وثلاثة أشهر، لكن واجهتني مشكلة وهي أن شهادة البكالوريا وحدها لا تنفع كثيرًا في مجال العمل، إذ يشترطون أن تكون عندي شهادة تخصص بعد البكالوريا أو حرفة معينة تمتد دراستها على الأقل سنتين.
وحاليًا، كل الجامعات والمدارس مغلقة أبوابها تقريبًا، وهذه المدرسة الخاصة للتمريض هي الوحيدة التي قَبِلَت طلبي، لكنها مدفوعة الأجر.
ولا أجد مجالًا آخر مناسبًا أدرسه أو أعمل فيه في الوقت الراهن.
وأنتم تعلمون يا شيخ الواقع في بلادنا، فـالمستشفيات فيها اختلاط بين الرجال والنساء، ولا يوجد فيها قسم خاص بالنساء وحدهن أو الرجال وحدهم، وهذا يجعل الأمر صعبًا على من يريد أن يلتزم بالضوابط الشرعية التامة
سؤالي يا شيخ:
ما حكم دراسة هذا المجال والعمل فيه مع وجود مثل هذه الأمور؟
وهل يجوز أن أستمر في هذا التخصص إذا كانت نيتي صالحة لخدمة الناس، مع محاولتي قدر الإمكان تجنب المحرمات؟
وما الضوابط الشرعية التي يجب أن ألتزم بها في مثل هذه الحالات؟
وإن كان هذا المجال يا شيخ قد يُغضب الله عز وجل أو يُبعدني عن طاعته، فإني غير راغب فيه، لأني أرجو رضا الله والجنة، وأؤمن أن الأرزاق بيد الله، وأن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، فنحن نعمل بالأسباب ونسأل الله أن ييسر لنا ما فيه الخير.
جزاكم الله خير الجزاء ورفع قدركم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته:
الجواب المختصر:
الأصل أن الاختلاط والاطلاع على عورات النساء محرم لا يجوز، إلا في حال الضرورة أو الحاجة المعتبرة شرعًا، كحال الطبيب أو الممرض الذي لا يوجد من يقوم مقامه من النساء أو الرجال في نفس الجنس، فترتفع الحرمة بقدر الضرورة فقط.
الجواب بالتفصيل:
أولًا: حكم دراسة التمريض للرجال:
الأصل في دراسة التمريض الإباحة، لأن التمريض مهنة إنسانية نافعة، فيها خدمةٌ للمسلمين وحفظٌ للأنفس، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]
لكن الإشكال ليس في الدراسة نفسها، بل في الواقع العملي الذي يصاحبها من اختلاط أو كشف عورة أو خلوة أو لمس، وهذه أمور محرمة إلا عند الضرورة الشرعية، كأن لا يوجد في المكان من النساء من يقوم بعلاج النساء.
قال ابن مفلح في (الآداب الشرعية) [2/442]: (فَإِنْ مَرِضَتْ امْرَأَةٌ وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَطِبُّهَا غَيْرُ رَجُلٍ جَازَ لَهُ مِنْهَا نَظَرُ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى نَظَرَهُ مِنْهُ حَتَّى الْفَرْجَيْنِ وَكَذَا الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَطِبُّهُ سِوَى امْرَأَةٍ فَلَهَا نَظَرُ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى نَظَرِهِ مِنْهُ حَتَّى فَرْجَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي يَجُوزُ لِلطَّبِيبِ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ الْمَرْأَةِ إلَى الْعَوْرَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَحَرْبٍ وَالْأَثْرَمِ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ، وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَالْمَرُّوذِيِّ وَكَذَلِكَ تَجُوزُ خِدْمَةُ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَيُشَاهِدُ مِنْهَا عَوْرَةً فِي حَالِ الْمَرَضِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَحْرَمٌ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَلِذَلِكَ يَجُوزُ لِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ أَنْ يَلِيَ بَعْضَهُمْ عَوْرَةَ بَعْضٍ عِنْدَ الضَّرُورَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ وَإِسْمَاعِيلَ.
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْأَةُ يَكُونُ بِهَا الْكَسْرُ فَيَضَعُ الْمُجَبِّرُ يَدَهُ عَلَيْهَا قَالَ: هَذِهِ ضَرُورَةٌ وَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُجَبِّرٌ يَعْمَلُ بِخَشَبَةٍ فَقَالَ لَا بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أَكْشِفَ صَدْرَ الْمَرْأَةِ وَأَضَعَ يَدِي عَلَيْهَا، قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ يُؤْجَرُ قُلْتُ ابْنُ مُضَرِّسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ فَأَيْشٍ تَقُولُ؟ قَالَ هَذِهِ ضَرُورَةٌ وَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا اهـ.
ثانيًا: حكم العمل في المستشفيات المختلطة:
إذا كان في بلدٍ لا يتيسر فيه التخصُّص في أقسام منفصلة للرجال والنساء، فحينئذ:
يجوز لك أن تعمل بقدر الحاجة مع الحرص على تجنب الحرام ما أمكن، مثل:
• أن تختار الأقسام الرجالية ما استطعت.
• وأن لا تلمس المرأة إلا عند الضرورة الطبية المحققة.
• وأن لا تكشف من بدنها إلا ما تدعو إليه الحاجة العلاجية.
• وأن تغضَّ بصرك ما استطعت.
• وأن لا تخلو بامرأة مريضة وحدك.
• وأن تكون نيتك خدمة المسلمين واحتساب الأجر.
• فإذا رُوعيت هذه الضوابط، فـ الإثم مرفوع إن شاء الله، لأنك تعمل ضمن باب الضرورة أو الحاجة العامة.
ثالثًا: في حال تيسُّر البديل:
إذا تيسر لك في المستقبل أن تنتقل إلى: قسم خاص بالرجال، أو مستشفى فيها نظام فصل بين الجنسين، أو وظيفة أخرى خالية من هذه المحاذير؛ فإن الواجب عليك الانتقال إليها بلا تردد؛ لأن ما أُبيح للضرورة يبطل بزوالها.
رابعًا: القواعد والضوابط في النظر للعلاج:
• عورة الرجل: ما بين السرة والركبة، وهي محرمة النظر واللمس.
• المرأة كلها عورة أمام الأجنبي، لا يجوز له النظر إليها إلا لضرورة معتبرة.
• الأصل حرمة النظر والمسِّ، لقوله ﷺ: « لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ» رواه مسلم، ولقوله ﷺ: «لَأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ» رواه الطبراني في الكبير وصححه الإمام الألباني رحمه الله في (الصحيحة) [1/ رقم: 226]..
• الضرورات تبيح المحظورات، لكن تقدَّر بقدرها، فلا يُكشف ولا يُنظر إلا بقدر الحاجة الطبية.
• يقدَّم في العلاج الجنس المماثل؛ فيُقدَّم الطبيب للرجال والطبيبة للنساء.
• ثم الطبيبة المسلمة، فالكافرة، فالرجل المسلم، فالكافر، بحسب الحاجة والضرورة.
• يُقتصر على موضع المرض فقط، مع غضِّ البصر قدر الإمكان، واستشعار أن الأصل في ذلك المنع.
• لا خلوة في العلاج، بل لا بد من وجود محرم أو امرأة ثقة، حفظًا للقلوب من الفتنة.
• اللمس بقدر الحاجة: إن كفَّى الوصف، حرم النظر، وإن كفَّى النظر، حرم اللمس، وإن كفَّى اللمس بحائل، حرم بغير حائل.
• يشترط أمن الفتنة وثوران الشهوة من الطرفين؛ فإن خيفت الفتنة حرم الكشف ولو مع وجود الحاجة.
• تشتد الحرمة بقدر تغليظ العورة؛ فالنظر إلى الوجه أهون من النظر إلى السوأتين، ولا يباح إلا بأشد الضرورات.
• لا يجوز الكشف التحسيني أو الوهمي، وإنما يباح عند ألمٍ حقيقي أو مرضٍ يُخشى ضرره.
• واجب الأطباء تقوى الله، واستشعار رقابة الله، وأن الرخصة لا ترفع أصل الحرمة إلا لحاجة محققة.
• واجب الأمة إعداد النساء الكافيات في الطب والتمريض، لتقليل الضرورة واختلاط الجنسين.
هذا... وإن استشعرت في قلبك أن عملك سيجرُّك إلى ما لا يرضي الله، فاتركه لله واطلب غيره، والله أكرم وأرحم وأوسع رزقًا.
أما إن وثقت من نفسك أنك ستلتزم بالضوابط وتغض بصرك وتعمل بنية صالحة، فامضِ وتوكل على الله، ولا تنسَ مراقبته في كل لحظة. والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حياكم الله أستاذي الحبيب
أحسن الله إليكم هذا يسأل:
بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخنا الفاضل، حفظكم الله ورعاكم، أسأل الله أن يجزيكم خير الجزاء على ما تقدمونه من نصح وتوجيه.
أنا شاب عمري 21سنة أرغب في دراسة مجال التمريض، ومدة الدراسة فيه ثلاث سنوات، وخلال فترة الدراسة قد أُكلَّف بالتدريب في المستشفى، وهذا التدريب قد يضطرني أحيانًا إلى التعامل مع نساء مريضات، بل ربما أكون في قسم المستعجلات وتدخل حالات طارئة لنساء، وقد أُضطر إلى الاطلاع على عوراتهن أثناء العمل أو المساعدة الطبية.
وكذلك بعد التخرج، عندما أعمل في المستشفيات، قد يُطلب مني أن أعمل مع زميلات نساء أو أن أرعى مريضات نساء في بعض الحالات.
أما عن ظروفي الحالية يا شيخ، فإني كنت أعيش في دولة الإمارات، وقد اشتغلت هناك لمدة سنة وثلاثة أشهر، لكن واجهتني مشكلة وهي أن شهادة البكالوريا وحدها لا تنفع كثيرًا في مجال العمل، إذ يشترطون أن تكون عندي شهادة تخصص بعد البكالوريا أو حرفة معينة تمتد دراستها على الأقل سنتين.
وحاليًا، كل الجامعات والمدارس مغلقة أبوابها تقريبًا، وهذه المدرسة الخاصة للتمريض هي الوحيدة التي قَبِلَت طلبي، لكنها مدفوعة الأجر.
ولا أجد مجالًا آخر مناسبًا أدرسه أو أعمل فيه في الوقت الراهن.
وأنتم تعلمون يا شيخ الواقع في بلادنا، فـالمستشفيات فيها اختلاط بين الرجال والنساء، ولا يوجد فيها قسم خاص بالنساء وحدهن أو الرجال وحدهم، وهذا يجعل الأمر صعبًا على من يريد أن يلتزم بالضوابط الشرعية التامة
سؤالي يا شيخ:
ما حكم دراسة هذا المجال والعمل فيه مع وجود مثل هذه الأمور؟
وهل يجوز أن أستمر في هذا التخصص إذا كانت نيتي صالحة لخدمة الناس، مع محاولتي قدر الإمكان تجنب المحرمات؟
وما الضوابط الشرعية التي يجب أن ألتزم بها في مثل هذه الحالات؟
وإن كان هذا المجال يا شيخ قد يُغضب الله عز وجل أو يُبعدني عن طاعته، فإني غير راغب فيه، لأني أرجو رضا الله والجنة، وأؤمن أن الأرزاق بيد الله، وأن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، فنحن نعمل بالأسباب ونسأل الله أن ييسر لنا ما فيه الخير.
جزاكم الله خير الجزاء ورفع قدركم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته:
الجواب المختصر:
الأصل أن الاختلاط والاطلاع على عورات النساء محرم لا يجوز، إلا في حال الضرورة أو الحاجة المعتبرة شرعًا، كحال الطبيب أو الممرض الذي لا يوجد من يقوم مقامه من النساء أو الرجال في نفس الجنس، فترتفع الحرمة بقدر الضرورة فقط.
الجواب بالتفصيل:
أولًا: حكم دراسة التمريض للرجال:
الأصل في دراسة التمريض الإباحة، لأن التمريض مهنة إنسانية نافعة، فيها خدمةٌ للمسلمين وحفظٌ للأنفس، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]
لكن الإشكال ليس في الدراسة نفسها، بل في الواقع العملي الذي يصاحبها من اختلاط أو كشف عورة أو خلوة أو لمس، وهذه أمور محرمة إلا عند الضرورة الشرعية، كأن لا يوجد في المكان من النساء من يقوم بعلاج النساء.
قال ابن مفلح في (الآداب الشرعية) [2/442]: (فَإِنْ مَرِضَتْ امْرَأَةٌ وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَطِبُّهَا غَيْرُ رَجُلٍ جَازَ لَهُ مِنْهَا نَظَرُ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى نَظَرَهُ مِنْهُ حَتَّى الْفَرْجَيْنِ وَكَذَا الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَطِبُّهُ سِوَى امْرَأَةٍ فَلَهَا نَظَرُ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى نَظَرِهِ مِنْهُ حَتَّى فَرْجَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي يَجُوزُ لِلطَّبِيبِ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ الْمَرْأَةِ إلَى الْعَوْرَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَحَرْبٍ وَالْأَثْرَمِ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ، وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَالْمَرُّوذِيِّ وَكَذَلِكَ تَجُوزُ خِدْمَةُ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَيُشَاهِدُ مِنْهَا عَوْرَةً فِي حَالِ الْمَرَضِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَحْرَمٌ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَلِذَلِكَ يَجُوزُ لِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ أَنْ يَلِيَ بَعْضَهُمْ عَوْرَةَ بَعْضٍ عِنْدَ الضَّرُورَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ وَإِسْمَاعِيلَ.
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْأَةُ يَكُونُ بِهَا الْكَسْرُ فَيَضَعُ الْمُجَبِّرُ يَدَهُ عَلَيْهَا قَالَ: هَذِهِ ضَرُورَةٌ وَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُجَبِّرٌ يَعْمَلُ بِخَشَبَةٍ فَقَالَ لَا بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أَكْشِفَ صَدْرَ الْمَرْأَةِ وَأَضَعَ يَدِي عَلَيْهَا، قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ يُؤْجَرُ قُلْتُ ابْنُ مُضَرِّسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ فَأَيْشٍ تَقُولُ؟ قَالَ هَذِهِ ضَرُورَةٌ وَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا اهـ.
ثانيًا: حكم العمل في المستشفيات المختلطة:
إذا كان في بلدٍ لا يتيسر فيه التخصُّص في أقسام منفصلة للرجال والنساء، فحينئذ:
يجوز لك أن تعمل بقدر الحاجة مع الحرص على تجنب الحرام ما أمكن، مثل:
• أن تختار الأقسام الرجالية ما استطعت.
• وأن لا تلمس المرأة إلا عند الضرورة الطبية المحققة.
• وأن لا تكشف من بدنها إلا ما تدعو إليه الحاجة العلاجية.
• وأن تغضَّ بصرك ما استطعت.
• وأن لا تخلو بامرأة مريضة وحدك.
• وأن تكون نيتك خدمة المسلمين واحتساب الأجر.
• فإذا رُوعيت هذه الضوابط، فـ الإثم مرفوع إن شاء الله، لأنك تعمل ضمن باب الضرورة أو الحاجة العامة.
ثالثًا: في حال تيسُّر البديل:
إذا تيسر لك في المستقبل أن تنتقل إلى: قسم خاص بالرجال، أو مستشفى فيها نظام فصل بين الجنسين، أو وظيفة أخرى خالية من هذه المحاذير؛ فإن الواجب عليك الانتقال إليها بلا تردد؛ لأن ما أُبيح للضرورة يبطل بزوالها.
رابعًا: القواعد والضوابط في النظر للعلاج:
• عورة الرجل: ما بين السرة والركبة، وهي محرمة النظر واللمس.
• المرأة كلها عورة أمام الأجنبي، لا يجوز له النظر إليها إلا لضرورة معتبرة.
• الأصل حرمة النظر والمسِّ، لقوله ﷺ: « لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ» رواه مسلم، ولقوله ﷺ: «لَأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ» رواه الطبراني في الكبير وصححه الإمام الألباني رحمه الله في (الصحيحة) [1/ رقم: 226]..
• الضرورات تبيح المحظورات، لكن تقدَّر بقدرها، فلا يُكشف ولا يُنظر إلا بقدر الحاجة الطبية.
• يقدَّم في العلاج الجنس المماثل؛ فيُقدَّم الطبيب للرجال والطبيبة للنساء.
• ثم الطبيبة المسلمة، فالكافرة، فالرجل المسلم، فالكافر، بحسب الحاجة والضرورة.
• يُقتصر على موضع المرض فقط، مع غضِّ البصر قدر الإمكان، واستشعار أن الأصل في ذلك المنع.
• لا خلوة في العلاج، بل لا بد من وجود محرم أو امرأة ثقة، حفظًا للقلوب من الفتنة.
• اللمس بقدر الحاجة: إن كفَّى الوصف، حرم النظر، وإن كفَّى النظر، حرم اللمس، وإن كفَّى اللمس بحائل، حرم بغير حائل.
• يشترط أمن الفتنة وثوران الشهوة من الطرفين؛ فإن خيفت الفتنة حرم الكشف ولو مع وجود الحاجة.
• تشتد الحرمة بقدر تغليظ العورة؛ فالنظر إلى الوجه أهون من النظر إلى السوأتين، ولا يباح إلا بأشد الضرورات.
• لا يجوز الكشف التحسيني أو الوهمي، وإنما يباح عند ألمٍ حقيقي أو مرضٍ يُخشى ضرره.
• واجب الأطباء تقوى الله، واستشعار رقابة الله، وأن الرخصة لا ترفع أصل الحرمة إلا لحاجة محققة.
• واجب الأمة إعداد النساء الكافيات في الطب والتمريض، لتقليل الضرورة واختلاط الجنسين.
هذا... وإن استشعرت في قلبك أن عملك سيجرُّك إلى ما لا يرضي الله، فاتركه لله واطلب غيره، والله أكرم وأرحم وأوسع رزقًا.
أما إن وثقت من نفسك أنك ستلتزم بالضوابط وتغض بصرك وتعمل بنية صالحة، فامضِ وتوكل على الله، ولا تنسَ مراقبته في كل لحظة. والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)