الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

يسأل أحد الإخوة سؤالاً: إذا كان الطالب يحفظ القرآن ويُراجعه بقصد الاستعداد لدرسه مع شيخه حتى لا يغضب الشيخ، فهل تُعَدُّ هذه نية صالحة؟…

١٥ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ٧ أكتوبر ٢٠٢٥
الفتاوىالرقائق والآداب
السؤال: مئة وستة وسبعون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يسأل أحد الإخوة سؤالاً: إذا كان الطالب يحفظ القرآن ويُراجعه بقصد الاستعداد لدرسه مع شيخه حتى لا يغضب الشيخ، فهل تُعَدُّ هذه نية صالحة؟ وكيف يمكن تصحيح النية وجعلها خالصة لله تعالى؟
الحمد لله:
سؤال جميل جدًا، يدل على حرصك على صفاء النية وصحة القصد، وهذا باب عظيم من أبواب الإخلاص الذي هو أحد شرطي قبول العمل.
أولًا: قد تضافرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على اشتراط الإخلاص في الأعمال والأقوال الشرعية، وأن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له، وابتُغي به وجهه الكريم؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5].
ولذلك كان السلف الصالح رحمهم الله يجتهدون غاية الاجتهاد في تفقد نياتهم وتصحيح مقاصدهم، ويعدُّون الإخلاص أعزَّ ما يُطلب، وأشقَّ ما يُنال، لما علموه من عظمة الله، وما يجب له من تعظيمٍ وإجلال، ولِما أدركوه من دقَّة آفات النفوس وخفاء علل الأعمال.
(فعن سفيان الثوري رحمه الله قال: ما عالجت شيئًا أشدَّ عليَّ من نيتي، لأنها تتقلب عليَّ، وقال سهل بن عبدالله رحمه الله: ليس على النفس شيءٌ أشقُّ من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب؛ وقال يوسف بن الحسين الرازي رحمه الله: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر!، وقال مطرف بن عبدالله بن الشخير رحمه الله: صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية، وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: "في قوله تعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك: 2]؛ أخلصه وأصوبه، فإنه إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل حتى يكون خالصًا، والخالص إذا كان لله، والصواب إذا كان على السُّنَّة)، وكل هذه الآثار صحيحة كما حررتها في كتابي (نزل الأبرار في السلسلة الصحيحة من الآثار).
فلم تكن همَّتهم في مجرد العمل - إذ ذلك سهلٌ عليهم - ولكن همُّهم الأعظم أن يكون العمل سالمًا من الشوائب، صافيًا من الرياء، مقبولًا عند الله تعالى؛ وقال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله كما في (مجموع الفتاوى) [28/ 291]: (وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات) كلمة جامعة كاملة فإن ‌النية ‌للعمل ‌كالروح ‌للجسد؛ وإلا فكل واحد من الساجد لله والساجد للشمس والقمر قد وضع جبهته على الأرض فصورتهما واحدة؛ ثم هذا أقرب الخلق إلى الله تعالى وهذا أبعد الخلق عن الله) اهـ.
وعليه؛ فإن من راجع حفظ القرآن خوفًا من غضب شيخه أو طلبًا لرضاه فحسب، فنيَّته فاسدة وباطلة، لأن المقصود حينئذٍ ليس وجه الله تعالى، بل فيه التفاتٌ كامل إلى المخلوق، وتحويلٌ للعبادة من مقام التعبد لله إلى مداراة الناس وخشيتهم، وهذا مما يُنقِض الإخلاص ويُذْهِبُ القَبول؛ أمَّا إن كان عمله مختلط بين نية صحيحة ابتداءً (حفظ القرآن ومراجعته لله) ثم نية دنيوية (مخافة غضب الشيخ وطلب رضاه) فإن عمله لا يُبطل من أصله، لكنه ينقص من أجره بقدر ما شابَه من قصدٍ لغير الله، والواجب عليه أن يجاهد نفسه في تصحيح نيته وتجريد قصده لله وحده، فإن الإخلاص لا يتم إلا بالمجاهدة الدائمة.
ثانيًا: تصحيح النية: ويمكن تصحيحها بأمرين:
1- استحضار الغاية الكبرى:
ذكِّر نفسك أن حفظك للقرآن ومراجعتك له عبادةٌ لله، وطاعةٌ يُتقرب بها إليه، وأن الشيخ إنما هو وسيلة من وسائل التعلم لا غاية في ذاته.
فكأن قلبك يقول: يا رب، إني أراجع القرآن لأتقنه كما تحب وترضى، ولأنتفع بتعليمي على يد الشيخ.
2- النية المتعدِّدة المشروعة: فلا حرج أن تنوي بعملك أكثر من نيةٍ صالحة، كأن تقول في نفسك: أريد أن أراجع القرآن لله، ولأحسن الأدب مع شيخي، ولأكون قدوةً في الحرص على العلم؛ فكلها نيات صحيحة ترجع إلى وجه الله، وقد دلَّت الأدلة الشرعية على أن اجتماع نيّاتٍ صالحةٍ في العمل الواحد لا يُنقِص الأجر، بل قد يزيده، إذا كان الأصل في النية هو التقرب إلى الله تعالى، ولهذا قيل: «النياتُ تجارةُ العلماء»، لأنهم يجمعون بنيةٍ واحدةٍ وجوهًا من الخير والطاعة.
وقد تحرَّج الصحابة رضي الله عنهم من التجارة في مواسم الحج خشية أن تُنافي الإخلاص، فبيَّن الله تعالى أنه لا حرج في طلب الرزق ما دام القصد الأساس هو أداء النسك، فقال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198]. وروى البخاريُّ في تفسيرها عن ابن عباس، قال: "كانت عُكاظ ومجنَّة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثَّموا أن يتَّجِروا في المواسم، فنزلَت الآية"، وروى الطبري في "تفسيره" عنه قال: كانوا لا يتَّجرون في أيام الحج، فنزلت الآية.
وعلى هذا يُقال في حفظ القرآن الكريم:
من حفظه طاعةً لله، وأراد مع ذلك احترامًا لشيخه واسترضاءً له، أو إدخال السرور على قلب والديه، فكلُّ ذلك من النيات الحسنة المتفرعة عن الأصل، شريطة أن يكون مبدأ الحفظ وغايتُه لله وحده لا شريك له، إذ الأصل في الإخلاص أن يكون العمل لله، ثم تُضم إليه النيات الفرعية التي تُعين على الطاعة ولا تزاحمها. والله أعلم.

من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص).

مواد ذات صلة