عندي سؤال يتعلق بمسألة التكفير: ورد في الحديث الصحيح «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما». فهل يفهم من ظاهر هذا الحديث أنَّ…
السؤال: مئة وخمسة وسبعون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الفاضل،
أحسن الله إليكم ونفع بكم.
عندي سؤال يتعلق بمسألة التكفير: ورد في الحديث الصحيح «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما». فهل يفهم من ظاهر هذا الحديث أنَّ من كفَّر أخاه المسلم يقع في الكفر الأكبر مباشرة؟ وهل نصَّ بعض أهل العلم على أن ذلك يُعدُّ كفراً أكبر؟
وكذلك، هل يُنصح مَن وقع في هذا القول أن يُجدّد الشهادة احتياطاً؟ وهل يأثم المسلم إذا أخذ بالظاهر المحض للحديث وفهم منه أن من كفّر أخاه فقد كفر هو؟
وأيضاً: إذا قال شخص لإخوانه «احذروا من التكفير، فإنكم قد تقعوا في الكفر»، فهل هذا التعبير صحيح شرعاً؟
أيضًا، إذا أخذ أخ المعنى الظاهر واعتبره كفرًا عظيمًا وكان مخطئًا تمامًا، فهل يجب عليه التوبة عن اعتناق هذا الرأي؟ أم أن علماء آخرين من الماضي قد تبنوا هذا الرأي.
الحمد لله:
أولاً: معنى الحديث ووجه الدلالة:
حديث النبي ﷺ: « إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا » (متفق عليه)
هذا كفر دون كفر، فالحديث هذا ليس نصًا في وقوع الكفر الأكبر على القائل، وإنما هو تحذيرٌ شديد من إطلاق ألفاظ التكفير على المسلمين بغير علم ولا بينة، لما في ذلك من خطرٍ عظيم على الدين.
قال شيخنا شيخ الإسلام الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله في برنامج (نور على الدرب شرح حديث: "من قال لأخيه يا كافر ...") [على موقعه]: ( والمعنى التحذير، ليس معناه أنه كفر أكبر، بل معناه التحذير من هذا الكلام السيئ، وأن صاحبه على خطر عظيم إذا قاله لأخيه، فينبغي حفظ اللسان وأن لا يتكلم إلا عن بصيرة) اهـ.
وقال شيخنا العلامة المحدث: محمد بن على بن آدم الإتيوبي رحمه الله: : عندي أرجح الأقوال هو ما قاله القرطبيُّ، كما أشار إليه الحافظ، وخلاصته أن رجوع الكفر إلى القائل إذا لَمْ يكن المقول له أهلًا لتلك الكلمة إنما هو رجوع معرَّتِها، وإثمها، لا رجوع نفس الكفر إليه بمعنى كونه يخرج بقوله من الإسلام، وقد سبق أن كثيرًا من النصوص التي وردت بلفظ الكفر محمولة على كفر دون كفر، وقد عقد الإمام البخاريّ في "كتاب الإيمان" من صحيحه لذلك بابًا، فقال: "باب كفران العشير، وكفر بعد كفر"، ثم أورد فيه حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، وفيه: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان"، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. انتهى من (البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج) [2/396].
وقال ابن عاشور رحمه الله في (كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ) [ص: 388]: (والمعنى أنَّ أصل الكلام الصدق، فمن قال لأخيه المسلم: يا كافر، فهو لا يخلو من إحدى حالتين: إمَّا أن يكون صادقًا بأن يكون تحقق كفر المشتوم، فيكون المشتوم قد باء بذلك السب، ومن لوازمه أنَّه قد باء بإثم الكفر بشهادة مسلم، وإمَّا أن يكون الشاتم كاذبًا، بأن يكون قد قال ذلك بهتانًا، فيكون قد سبَّ نفسه، وهو لا يدري إذ قد عدَّ حالة الإيمان كفرًا، ولا يعدُّ الإيمان كفرًا إلا كافرٌ؛ إذ إيمان المؤمن يقتضي الكفر بضدِّ الإيمان، فيكون قد كفى المسبوب أمر الرد عليه؛ فقد رجع الساب سابًّا لنفسه من حيث لا يشعر؛ إذ قد عدَّ حال الإيمان حال كفر فهو يرضى لنفسه الحال المتصف بها المسبوب، فيلزم منه أنه يرضى لنفسه خلافها، وخلاف الإيمان كفر، فكان جديرًا بأن يسب بأنَّه كافر بوجه أحق من الوجه الذي سبَّ به صاحبه؛ لأنَّ حاله هو أشبهت حال الكافر، فكان عود السب إليه أحرى وأجدر.
وليس المعنى فقد باء بصدق السب أحدهما، أي: باء كافرًا؛ لأنَّ اللفظ لا يقتضيه والقواعد الشرعية تنافيه؛ ولأنَّ السب إنشاء والإنشاء لا نسبة له في الخارج مطابقة أو لا مطابقة، وبهذا اندفع عن الحديث الإشكال.) اهـ.
ثانياً: وهل نصَّ بعض أهل العلم على أن ذلك يُعدُّ كفراً أكبر؟
نعم إذا حمله على المستحل، فهو قول لبعض أهل العلم كما ذكر النووي لما عدد الأوجه كما سيأتي، ولكنه قول مرجوح ضعيف لا يعتد به كما ذهب إلى ذلك كل من أعرفه من أهل العلم المعتبرين كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن الصلاح والنووي وابن حجر وغيرهم، وعليه جميع علمائنا المعاصرين كابن باز وابن عثيمين والألباني والفوزان وغيرهم.
قال النووي رحمه الله في (شرح مسلم) [2 / 49 - 50]: (هذا الحديث مما عَدَّه بعض العلماء من المشكلات، من حيث إن ظاهره غير مراد، وذلك أن مذهب أهل الحقِّ أنه لا يَكْفَر المسلم بالمعاصي، كالقتل والزنا، وكذا قوله لأخيه: كافر اعتقاد من غير بطلان دين الإسلام، وإذا عُرِف ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه:
[أحدها]: أنه محمول على المستحلِّ لذلك، وهذا يَكْفُر، فعلى هذا معنى "باء بها" أي بكلمة الكفر، وكذا "حار عليه"، وهو معنى "رَجَعت عليه" أي رجع عليه الكفر، فباء، وحار، ورجع بمعنى واحد.
[والوجه الثاني]: معناه رَجعت عليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره. [والثالث]: أنه محمول على الخوارج المكفِّرين للمؤمنين، وهذا الوجه نقله القاضي عياض رحمه الله، عن الإمام مالك بن أنس، وهو ضعيف؛ لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون، أن الخوارج لا يُكَفَّرون، كسائر أهل البدع.
[والوجه الرابع]: معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر، وذلك أن المعاصي كما قالوا: بريد الكفر، ويُخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر، ويؤيد هذا الوجه، ما جاء في رواية لأبي عوانة الإسفراييني في كتابه الْمُخَرَّج على "صحيح مسلم": "فإن كان كما قال، وإلا فقد باء بالكفر"، وفي رواية: "إذا قال لأخيه: يا كافر، وجب الكفر على أحدهما".
[والوجه الخامس]: معناه فقد رَجَع عليه تكفيره، فليس الراجع حقيقة الكفر، بل التكفير؛ لكونه جعل أخاه المؤمن كافرًا، فكأنه كَفَّر نفسه، إما لأنه كَفَّر مَن هو مثله، وإما لأنه كَفر من لا يُكَفره إلَّا كافر، يعتقد بطلان دين الإسلام) اهـ.
ثالثاً: هل يُجدِّد القائل الشهادة؟
لا، فالتوبة تكفي، ولا يحتاج إلى تجديد الشهادة، لأن قوله لأخيه: يا كافر فهو كفر دون كفر كما سبق، ومن كبائر الذنوب لا من نواقض الإيمان.
رابعاً: حكم من يأخذ بظاهر الحديث فيكفِّر القائل:
من فهم الحديث على ظاهره المحض فظن أن القائل يكفر كفرًا أكبر مخرج من الملة، فقد أخطأ في الفهم، لأن النصوص تُفهم بفهم السلف الصالح والراجح من كلام العلماء لا بمجرد ظاهر الألفاظ، وخطؤه على تفصيل:
فإن كان خطؤه عن حسن قصدٍ وطلبٍ للحق وأضله الفهم، فلا يأثم، لكن يجب عليه الرجوع للعلماء بعد ظهور الصواب له.
أما إن أصرَّ على رأيه بعد البيان فهو على منهج الخوارج الذين يكفرون بالكبيرة؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ [الأحزاب: 5].
خامساً: وهل يجب عليه التوبة من اعتناق هذا الرأي؟
أما وجوب التوبة من هذا الرأي الباطل، فهو واجبٌ لا ريب فيه، لأن القول بتكفير المسلم بغير حجةٍ من كتابٍ أو سنةٍ من أعظم البغي والعدوان على دين الله، ومزلَّةٌ خطيرة لطالب العلم.
فالواجب على من وقع في ذلك أن يبادر بالتوبة النصوح، وأن يرجع إلى منهج أهل السنة والجماعة في باب الإيمان والتكفير، فيقيد لسانه بالعلم والدليل، ويكثر من الاستغفار والدعاء بالثبات على الحق، فإن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل.
سادساً: في قول القائل: «احذروا من التكفير فإنكم قد تقعون في الكفر»
هذا القول صحيح في الجملة إذا كان المقصود به التنبيه من خطورة التسرع في إطلاق أحكام التكفير بغير علم، لأن الخوض في هذا الباب بغير بينةٍ قد يفضي إلى الكفر إذا اقترن بالاستحلال.
فالحذر الحذر من تكفيرِ المعيَّن، وإن وقع في أمورٍ تُعدُّ من المكفِّرات، حتى يُتحقق من توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه؛ فليس كل من وقع في الكفر وقع الكفرُ عليه، إذ قد يعذر بجهلٍ أو تأويلٍ أو إكراهٍ أو غير ذلك من الموانع المعتبرة عند أهل العلم.
فإنَّ التكفيرَ من أخطر المسالك وأعظمها ضررًا على المسلمين، فقد ترتب عليه عبر التاريخ سفكُ الدماء، وانتهاكُ الأعراض، واستحلالُ الأموال، وخرابُ العمران، وهدمُ البنيان.
فاحذر –رحمك الله– من التورط في تكفير المسلمين بغير علمٍ أو بينة، واجعل نفسك في منأى عن هذا المسلك الهدَّام، لما يترتب عليه من مفاسد عظيمة وتبعات جسيمة في الدنيا والآخرة.
وأختم جواب هذا السؤال العظيم بقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: (ومَن جالسني يعلم ذلك مني: أني مِن أعظم الناس نهيًا عن أن يُنسَبَ معيَّنٌ إلى تكفيرٍ وتفسيقٍ ومعصيةٍ، إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية، التي من خالفها كان كافرًا تارةً، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعمُّ الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية) انتهي من (مجموع فتاوى) [3 / 229]. والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الفاضل،
أحسن الله إليكم ونفع بكم.
عندي سؤال يتعلق بمسألة التكفير: ورد في الحديث الصحيح «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما». فهل يفهم من ظاهر هذا الحديث أنَّ من كفَّر أخاه المسلم يقع في الكفر الأكبر مباشرة؟ وهل نصَّ بعض أهل العلم على أن ذلك يُعدُّ كفراً أكبر؟
وكذلك، هل يُنصح مَن وقع في هذا القول أن يُجدّد الشهادة احتياطاً؟ وهل يأثم المسلم إذا أخذ بالظاهر المحض للحديث وفهم منه أن من كفّر أخاه فقد كفر هو؟
وأيضاً: إذا قال شخص لإخوانه «احذروا من التكفير، فإنكم قد تقعوا في الكفر»، فهل هذا التعبير صحيح شرعاً؟
أيضًا، إذا أخذ أخ المعنى الظاهر واعتبره كفرًا عظيمًا وكان مخطئًا تمامًا، فهل يجب عليه التوبة عن اعتناق هذا الرأي؟ أم أن علماء آخرين من الماضي قد تبنوا هذا الرأي.
الحمد لله:
أولاً: معنى الحديث ووجه الدلالة:
حديث النبي ﷺ: « إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا » (متفق عليه)
هذا كفر دون كفر، فالحديث هذا ليس نصًا في وقوع الكفر الأكبر على القائل، وإنما هو تحذيرٌ شديد من إطلاق ألفاظ التكفير على المسلمين بغير علم ولا بينة، لما في ذلك من خطرٍ عظيم على الدين.
قال شيخنا شيخ الإسلام الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله في برنامج (نور على الدرب شرح حديث: "من قال لأخيه يا كافر ...") [على موقعه]: ( والمعنى التحذير، ليس معناه أنه كفر أكبر، بل معناه التحذير من هذا الكلام السيئ، وأن صاحبه على خطر عظيم إذا قاله لأخيه، فينبغي حفظ اللسان وأن لا يتكلم إلا عن بصيرة) اهـ.
وقال شيخنا العلامة المحدث: محمد بن على بن آدم الإتيوبي رحمه الله: : عندي أرجح الأقوال هو ما قاله القرطبيُّ، كما أشار إليه الحافظ، وخلاصته أن رجوع الكفر إلى القائل إذا لَمْ يكن المقول له أهلًا لتلك الكلمة إنما هو رجوع معرَّتِها، وإثمها، لا رجوع نفس الكفر إليه بمعنى كونه يخرج بقوله من الإسلام، وقد سبق أن كثيرًا من النصوص التي وردت بلفظ الكفر محمولة على كفر دون كفر، وقد عقد الإمام البخاريّ في "كتاب الإيمان" من صحيحه لذلك بابًا، فقال: "باب كفران العشير، وكفر بعد كفر"، ثم أورد فيه حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، وفيه: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان"، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. انتهى من (البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج) [2/396].
وقال ابن عاشور رحمه الله في (كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ) [ص: 388]: (والمعنى أنَّ أصل الكلام الصدق، فمن قال لأخيه المسلم: يا كافر، فهو لا يخلو من إحدى حالتين: إمَّا أن يكون صادقًا بأن يكون تحقق كفر المشتوم، فيكون المشتوم قد باء بذلك السب، ومن لوازمه أنَّه قد باء بإثم الكفر بشهادة مسلم، وإمَّا أن يكون الشاتم كاذبًا، بأن يكون قد قال ذلك بهتانًا، فيكون قد سبَّ نفسه، وهو لا يدري إذ قد عدَّ حالة الإيمان كفرًا، ولا يعدُّ الإيمان كفرًا إلا كافرٌ؛ إذ إيمان المؤمن يقتضي الكفر بضدِّ الإيمان، فيكون قد كفى المسبوب أمر الرد عليه؛ فقد رجع الساب سابًّا لنفسه من حيث لا يشعر؛ إذ قد عدَّ حال الإيمان حال كفر فهو يرضى لنفسه الحال المتصف بها المسبوب، فيلزم منه أنه يرضى لنفسه خلافها، وخلاف الإيمان كفر، فكان جديرًا بأن يسب بأنَّه كافر بوجه أحق من الوجه الذي سبَّ به صاحبه؛ لأنَّ حاله هو أشبهت حال الكافر، فكان عود السب إليه أحرى وأجدر.
وليس المعنى فقد باء بصدق السب أحدهما، أي: باء كافرًا؛ لأنَّ اللفظ لا يقتضيه والقواعد الشرعية تنافيه؛ ولأنَّ السب إنشاء والإنشاء لا نسبة له في الخارج مطابقة أو لا مطابقة، وبهذا اندفع عن الحديث الإشكال.) اهـ.
ثانياً: وهل نصَّ بعض أهل العلم على أن ذلك يُعدُّ كفراً أكبر؟
نعم إذا حمله على المستحل، فهو قول لبعض أهل العلم كما ذكر النووي لما عدد الأوجه كما سيأتي، ولكنه قول مرجوح ضعيف لا يعتد به كما ذهب إلى ذلك كل من أعرفه من أهل العلم المعتبرين كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن الصلاح والنووي وابن حجر وغيرهم، وعليه جميع علمائنا المعاصرين كابن باز وابن عثيمين والألباني والفوزان وغيرهم.
قال النووي رحمه الله في (شرح مسلم) [2 / 49 - 50]: (هذا الحديث مما عَدَّه بعض العلماء من المشكلات، من حيث إن ظاهره غير مراد، وذلك أن مذهب أهل الحقِّ أنه لا يَكْفَر المسلم بالمعاصي، كالقتل والزنا، وكذا قوله لأخيه: كافر اعتقاد من غير بطلان دين الإسلام، وإذا عُرِف ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه:
[أحدها]: أنه محمول على المستحلِّ لذلك، وهذا يَكْفُر، فعلى هذا معنى "باء بها" أي بكلمة الكفر، وكذا "حار عليه"، وهو معنى "رَجَعت عليه" أي رجع عليه الكفر، فباء، وحار، ورجع بمعنى واحد.
[والوجه الثاني]: معناه رَجعت عليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره. [والثالث]: أنه محمول على الخوارج المكفِّرين للمؤمنين، وهذا الوجه نقله القاضي عياض رحمه الله، عن الإمام مالك بن أنس، وهو ضعيف؛ لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون، أن الخوارج لا يُكَفَّرون، كسائر أهل البدع.
[والوجه الرابع]: معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر، وذلك أن المعاصي كما قالوا: بريد الكفر، ويُخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر، ويؤيد هذا الوجه، ما جاء في رواية لأبي عوانة الإسفراييني في كتابه الْمُخَرَّج على "صحيح مسلم": "فإن كان كما قال، وإلا فقد باء بالكفر"، وفي رواية: "إذا قال لأخيه: يا كافر، وجب الكفر على أحدهما".
[والوجه الخامس]: معناه فقد رَجَع عليه تكفيره، فليس الراجع حقيقة الكفر، بل التكفير؛ لكونه جعل أخاه المؤمن كافرًا، فكأنه كَفَّر نفسه، إما لأنه كَفَّر مَن هو مثله، وإما لأنه كَفر من لا يُكَفره إلَّا كافر، يعتقد بطلان دين الإسلام) اهـ.
ثالثاً: هل يُجدِّد القائل الشهادة؟
لا، فالتوبة تكفي، ولا يحتاج إلى تجديد الشهادة، لأن قوله لأخيه: يا كافر فهو كفر دون كفر كما سبق، ومن كبائر الذنوب لا من نواقض الإيمان.
رابعاً: حكم من يأخذ بظاهر الحديث فيكفِّر القائل:
من فهم الحديث على ظاهره المحض فظن أن القائل يكفر كفرًا أكبر مخرج من الملة، فقد أخطأ في الفهم، لأن النصوص تُفهم بفهم السلف الصالح والراجح من كلام العلماء لا بمجرد ظاهر الألفاظ، وخطؤه على تفصيل:
فإن كان خطؤه عن حسن قصدٍ وطلبٍ للحق وأضله الفهم، فلا يأثم، لكن يجب عليه الرجوع للعلماء بعد ظهور الصواب له.
أما إن أصرَّ على رأيه بعد البيان فهو على منهج الخوارج الذين يكفرون بالكبيرة؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ [الأحزاب: 5].
خامساً: وهل يجب عليه التوبة من اعتناق هذا الرأي؟
أما وجوب التوبة من هذا الرأي الباطل، فهو واجبٌ لا ريب فيه، لأن القول بتكفير المسلم بغير حجةٍ من كتابٍ أو سنةٍ من أعظم البغي والعدوان على دين الله، ومزلَّةٌ خطيرة لطالب العلم.
فالواجب على من وقع في ذلك أن يبادر بالتوبة النصوح، وأن يرجع إلى منهج أهل السنة والجماعة في باب الإيمان والتكفير، فيقيد لسانه بالعلم والدليل، ويكثر من الاستغفار والدعاء بالثبات على الحق، فإن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل.
سادساً: في قول القائل: «احذروا من التكفير فإنكم قد تقعون في الكفر»
هذا القول صحيح في الجملة إذا كان المقصود به التنبيه من خطورة التسرع في إطلاق أحكام التكفير بغير علم، لأن الخوض في هذا الباب بغير بينةٍ قد يفضي إلى الكفر إذا اقترن بالاستحلال.
فالحذر الحذر من تكفيرِ المعيَّن، وإن وقع في أمورٍ تُعدُّ من المكفِّرات، حتى يُتحقق من توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه؛ فليس كل من وقع في الكفر وقع الكفرُ عليه، إذ قد يعذر بجهلٍ أو تأويلٍ أو إكراهٍ أو غير ذلك من الموانع المعتبرة عند أهل العلم.
فإنَّ التكفيرَ من أخطر المسالك وأعظمها ضررًا على المسلمين، فقد ترتب عليه عبر التاريخ سفكُ الدماء، وانتهاكُ الأعراض، واستحلالُ الأموال، وخرابُ العمران، وهدمُ البنيان.
فاحذر –رحمك الله– من التورط في تكفير المسلمين بغير علمٍ أو بينة، واجعل نفسك في منأى عن هذا المسلك الهدَّام، لما يترتب عليه من مفاسد عظيمة وتبعات جسيمة في الدنيا والآخرة.
وأختم جواب هذا السؤال العظيم بقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: (ومَن جالسني يعلم ذلك مني: أني مِن أعظم الناس نهيًا عن أن يُنسَبَ معيَّنٌ إلى تكفيرٍ وتفسيقٍ ومعصيةٍ، إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية، التي من خالفها كان كافرًا تارةً، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعمُّ الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية) انتهي من (مجموع فتاوى) [3 / 229]. والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)