الحلقة الثانية: في الرد على الأخ محمد بن حسني القاهري - هداه الله – بعنوان
الحلقة الثانية: في الرد على الأخ محمد بن حسني القاهري - هداه الله – بعنوان:
رفع الكُرْبَة في نقض مقالة «التعامل مع المنحرفين في واقع الغُربة»
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فقد اطَّلعت على مقالةٍ وُضعت بعنوان: (كيف تتعامل مع المنحرفين في واقع الغربة والاستضعاف؟!) للأخ: محمد بن حسني القاهري - هداه الله - ، وإذا بها تحمل في ظاهرها زُخْرفَ القول، وفي باطنها تمييعًا للمنهج، وتضييعًا لبعض معالمه. وها أنا أضع الرد عليها بما يجلِّي الحق ويفضح الباطل، مستعينًا بالله، معتمدًا أقوال الأئمة الراسخين، فأقول وبالله التوفيق والسداد:
أولًا: في تقسيم الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى "داعية" و"عامي":
قال الأخ (محمد بن حسني القاهري): أخي! إنك إما أن تكون داعية متصدرا، أو تكون من عوام السلفيين.
هذا تقسيم لا أصل له في نصوص الوحي، ولا في كلام السلف. بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم بحسب قدرته، كما قال النبي ﷺ: « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلِيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ». رواه مسلم في (صحيحه) [1/50 رقم: 49] من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ) فقد خاطب الأمة جمعاء، العالم والتاجر والجندي والغني والفقير، ولم يقسمهم إلى "داعية متصدِّر" و"عامي تابع" كما توهَّم هذا الكاتب.
فالصحابةُ رضي الله عنهم: فيهم من اشتهر بالعلم والرواية كابن مسعودٍ وأبي هريرة وابن عمر، وفيهم من اشتهر بالتجارة والثراء كأبي بكرٍ وعمر وعبد الرحمن بن عوف، وفيهم من عُرف بالشجاعة والإقدام كخالدٍ وعليٍّ، وفيهم من تميَّز بالزهد والعبادة كسلمان وأبي الدرداء، رضي الله عنهم أجمعين؛ فكان كلٌّ منهم لبنةً في صرح هذه الأمَّة، ومثالًا في بابه، ومع ذلك كلُّهم مأمورون بالأمر بالمعروف وبإنكار المنكر بحسب استطاعتهم، ولم يقل أحد منهم إن ذلك خاص بالمتصدرين للعلم والرواية.
ثانيًا: في المنع من ذكر أسماء الأئمة الأعلام:
قال الأخ (محمد بن حسني): (عند النقل عن أهل العلم: تجنب ذكر العلماء الذين يؤدي ذكرهم إلى تشغيب عليك؛ فإن كنت ترد على صوفي أو أشعري ؛ فلا تذكر ابن تيمية -مثلا-، بل اذكر من يعظمونه، كالنووي).
وهذا تملُّقٌ مذموم، وخيانة علمية. فالحق يُذكر من قائله، سواء قبله المخالف أو رده، وقد قَالَ اللهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) [الأحزاب: 39]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) [1/57 - 58]: (وبعض الناس يقول: يا رب إني أخافك وأخاف من لا يخافك فهذا كلام ساقط لا يجوز؛ بل على العبد أن يخاف الله وحده ولا يخاف أحدا فإن من لا يخاف الله أذل من أن يخاف فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان فالخوف منه قد نهى الله عنه وإذا قيل قد يؤذيني قيل: إنما يؤذيك بتسليط الله له وإذا أراد الله دفع شره عنك دفعه فالأمر لله؛ وإنما يسلط على العبد بذنوبه وأنت إذا خفت الله فاتقيته وتوكلت عليه كفاك شر كل شر ولم يسلطه عليك فإنه قال: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} وتسليطه يكون بسبب ذنوبك وخوفك منه. فإذا خفت الله وتبت من ذنوبك واستغفرته لم يسلط عليك كما قال: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}) اهـ.
فهل صار ذِكرُ أئمة المِلَّة وعُلَماء السُّنَّة مَثلبةً تُعاب؟! أَيُلام السلفي إذا روى عن الإمام أحمد، أو استشهد بقول البخاري، أو نقل عن مالك والشافعي؟! أم يُجرَّم إذا ساق فتاوى الألباني وابن باز والعثيمين رحمهم الله؟!
بل هؤلاء الأعلام هم معالم الهُدى، ومنارات السنَّة، ومصنَّفاتهم وأقوالهم من أعظم ما انكشف به زيف الباطل، وانفضح به أهل الأهواء والضلال.
فإخفاء أسمائهم بحجَّة المداراة ليس ورعًا ولا حكمة، وإنما هو تضييع للأمانة، وطمس لبركة العلم، وتلبيس على الناس. ومن وراء هذه الدعوة رائحة مكرٍ خبيث، يراد به أن يُمحى ذكرُ أئمة هذا العصر، وفي مقدمتهم العلَّامة ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ الذي قام لله وحده، فكشف عوار الحركيين والسروريين والقطبيين، وفضح الحدادية ومن هو أخسّ منهم، وأقام الحجج الدامغة على أهل البدع والضلال.
وليُعلَم أن ستر أسماء الأئمة وطمسها على طريقة الكاتب لا يخدم إلا خصوم السنَّة؛ إذ لا يريد أهل البدع أن يُعرف مَن هتك أستارهم، ولا أن يبقى في الأذهان مَن فضح باطلهم وأبطل شبهاتهم.
وإن كان بعضهم يتذرع بما اشتهر من أن رجلًا نزع غلاف كتاب التوحيد ليُقدِّمه إلى شيخ هندي كان يطعن في شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، فليس ذلك مبررًا يُتَّخذ قاعدةً يُعمَّم بها، فيُسوَّغ لضعاف الدعاة أن يطمسوا أسماء الأئمة، ويعفوا آثارهم، فيذيبوا مَعالم السلفية، ويمسخوا قوَّتها ووضوحها.
ثالثاً: في الدعوة إلى ترك التصريح بالبدعة:
قال الأخ (محمد بن حسني القاهري): (إن كان المخطئ مبتدعا؛ فلا تصرح بأنه مبتدع).
فنقول: هذا الكلام عين الضلال والتمييع، ومناقضٌ للمنهج السلفي الذي قام على البيان والتحذير وكشف أهل الأهواء. وقد كان السلف ـ رحمهم الله ـ يصرِّحون بأسماء المبتدعة ويحذِّرون من مجالستهم وسماع كلامهم، حمايةً للدين وصيانةً لعقائد المسلمين. قال الإمام ابن سيرين رحمه الله: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ» ؟! وقال الإمام أحمد رحمه الله: «إِذَا أَجَابَ العَالِمُ تَقِيَّةً وَالجَاهِلُ بِجَهْلٍ، فَمَتَى يَتَبَيَّنُ الحَقُّ؟!» كما في كتاب (المحنة) لأبي علي حنبل بن إسحاق بن حنبل [ص: ٩٥].
فالواجب الشرعي هو البيانُ الجلي، والتحذيرُ الصريح من المبتدع ووسمه بما فيه، رحمةً بالأمة وصيانةً لعقيدتها ودينها؛ ولو كان السكوت جائزًا لَسكت الأئمة عن الجهمية والرافضة والقدرية، ولما صنَّفوا مئات المصنفات في كشف أباطيلهم وفضح ضلالهم.
فالدعوة إلى ترك التصريح ببدعة المبتدع ليست إلا دعوةً إلى دفن الحق، وإعانةً للباطل على الانتشار، وخيانةً للأمانة التي حمَّلها الله أهل العلم: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنْهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنْهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159].
قال شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله: (الأصل أن من فعل البدعة يقال له مبتدع هذا هو الأصل، من فعل البدعة يقال له: مبتدع... إلى أن قال: فالمسلم يمتثل أمر الرسول ﷺ ويؤيد ما قاله عليه الصلاة والسلام، ويحذر من البدع ويسمي أهلها مبتدعين حتى يتوبوا إلى الله عز وجل، والجاهل يعلم ومن تاب تاب الله عليه) انتهى من موقعه على الشبكة تحت عنوان: (الضابط في الحكم على الشخص بأنه مبتدع).
رابعًا: في التهوين من التحذير من المادح للمبتدع:
على نحو قول الكاتب: إن أثنى أحد الدعاة السلفيين على المنحرف؛ فانصحه، فإن لم يستجب فاصبر، وإن تعصب فاتركه، ولا تحذر منه لأن في ذلك مفسدة.
فنقول: سبحان الله! وهل أعظم مفسدة من أن يُلمَّع المبتدع بلسان من يُظن فيه العلم والدعوة؟! وهل الفتنة الكبرى إلا في سكوت الدعاة عن الانحراف أو تزكيتهم لأهله؟! بل الواجب ـ ديانةً ونصحًا للأمة ـ أن يُكشف هذا الخلل، ويُحذّر الناس من مادح المبتدع كما يُحذِّرون من المبتدع نفسه، إذ المادح له دالٌّ عليه، ومزيِّن لبدعته، بل تزكية المبتدع أعظم ضررًا من بدعته نفسها، لأن البدعة قد تُعرف، أما التزكية فتصرف وجوه العامة إليه، فيثقون به وينهلون من ضلاله. ولهذا كان السلف يُحذرون حتى من الجلوس مع المبتدع فضلا عن الثناء عليه.
ومن أعظم ما اتفق عليه السلف: التحذير من أهل الأهواء، وترك مجالستهم، والإعراض عنهم؛ فإن القلب ضعيف، والشبهة خطَّافة.
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، أَنَّهُ كَانَ " إِذَا سَمِعَ كَلِمَةً ، مِنْ صَاحِبِ بِدْعَةٍ ، وَضَعَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِي أَنْ أُكَلِّمَهُ حَتَّى يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ. وعن صَالِحٌ الْمُرِّيُّ ، قَالَ: دَخَلَ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ فُلَانٌ يَعْنِي رَجُلًا مُبْتَدِعًا ، وَأَنَا شَاهِدٌ ، فَفَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْقَدَرِ ، فَتَكَلَّمَ فِيهِ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ سِيرِينَ: «أُحِبُّ لَكَ أَنْ تَقُومَ وَإِمَّا أَنْ نَقُومَ» أي : قم، أو نقوم، وهو مع قدرته على الرد؛ لكنه آثر طريق الصحابة والتابعين: الهجر والمفارقة.
وقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: «مَنْ يُجَالِسُ أَهْلَ الْبِدَعِ أَشَدُّ عَلَيْنَا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ»
وعن يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ: «إِذَا لَقِيتَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فِي طَرِيقٍ ، فَخُذْ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى». وعن إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ مُبْتَدَعٍ دَاعِيَةٍ يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ يُجَالِسُ ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «لَا يُجَالَسُ ، وَلَا يُكَلَّمُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ» انظر (الإبانة الكبرى) [2/475].
فالمنهج الحق أن يُترك المبتدع فلا يُجالس ولا يُسمع له، ولا يُفتح معه باب مناظرة إلا بقدر الحاجة ومع أهل العلم الراسخين. فكيف إذا رأينا من يزكِّي أهل الأهواء ويثني عليهم؟!
خامسًا: في دعوى المفسدة الراجحة:
قال الأخ (محمد بن حسني القاهري): إن تعصب وعاند؛ فاتركه، واتخذ منه موقفا يُفهم من حولك أنك تنكر عليه، وليكن هذا بأن تهجره في خاصة نفسك، وأما التحذير منه؛ فإنه غالبا يؤدي إلى مفسدة راجحة.
جعل الكاتب هذا الأصل مطيةً للتفلت من البيان، وكلما ذُكر التحذير قال: مفسدة راجحة. وهذا من تلبيس إبليس، فإن المفسدة تُقدَّر بقدرها، ولا تُتخذ ذريعة لتعطيل أصل الولاء والبراء، ومخالفة الإجماع على وجوب التحذير من أهل البدع والأهواء؛ نَقَلَ البَغَويُّ في (شرح السنة) [1/227] إجْماعَ الصَّحابةِ والتابِعينَ وعُلماءِ أهلِ السُّنَّةِ على مُعاداةِ أهلِ البِدَعِ؛ حَيثُ قال: (قد مَضَتِ الصَّحابةُ والتابِعونَ وأتباعُهم وعُلماءُ السُّنَّة على هذا مُجْمِعِين مُتَّفِقِين، على مُعاداةِ أهلِ البِدَعِ، ومُهاجَرَتِهم) اهـ.، وقال شيخنا الإمام ابن عثيمين رحمه الله في (شرح لمعة الاعتقاد) [1/159]: (وهِجرانُ أهلِ البِدَعِ واجِبٌ؛ لقَولِه تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المُجادَلة: 22] ، ولِأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هجَرَ كعبَ بنَ مالِكٍ وصاحِبَيه حينَ تَخَلَّفوا عن غَزوةِ تَبوك) اهـ.
وفي الختام... هذه المقالة - مع الأسف - دعوة إلى: تمييع المنهج، والسكوت عن المبتدعة، و التلبيس على العامة، والتنازل عن معالم السنة بحجة الرفق والمصلحة.
وأهل السنة الذين هم على جادتها وسط: يدعون إلى الرفق، لكن مع ثباتٍ على الحق، وصدعٍ بالبيان، وولاءٍ للسنة، وبراءٍ من البدعة وأهلها.
ومن ظن أن الحق يُنصر بالسكوت والمداهنة فقد خالف سبيل السلف، وخان الأمانة، وركب سبيل الإخوان المفلسين وأشباههم.
وإنّي لأدعو أخانا محمّدًا بصدق وشفقة أن يُراجع نفسه، ويتوب إلى الله تعالى من هذا المسلك الخطير الذي لا يورث إلا الحسرة والندم، وأن يُعلن براءته لله ولرسوله وللمؤمنين من أهل الكذب والفتن، وفي مقدمتهم أبو عبد الأعلى الكذَّاب ومن شايعه وسار على نهجه؛ فإنَّ العاقل من دان نفسه، ورجع إلى الحقِّ متى تبيَّن له، وليس العيب أن يخطئ المرء، ولكن العيب أن يُصِرَّ على خطئه بعد قيام الحجة ووضوح السبيل. وقد علمتَ ـ رعاك الله ـ أنَّ طريق السلف الصالح هو أوضح الطرق، وأسلمها عاقبة، وأبعدها عن الفتن، فلا تُفوِّت على نفسك هذا الخير، ولا تُعرِّض دينك لوعيدٍ أو ملام، فالرجوع إلى الحقِّ فضيلة، والاستمساك به نجاة، والله يحبُّ التوابين ويحبُّ المتطهرين؛ والله أعلم.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه.
في الثغر السكندري حرسه الله
وسائر بلاد المسلمين.
الثلاثاء: 8 / ربيع الآخر / 1447هـ.
انظر التعليق تجد صورة من أصل المقال المردود عليه!!
إلى الحلقة الثالثة إن شاء الله ... يتبع:
رفع الكُرْبَة في نقض مقالة «التعامل مع المنحرفين في واقع الغُربة»
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فقد اطَّلعت على مقالةٍ وُضعت بعنوان: (كيف تتعامل مع المنحرفين في واقع الغربة والاستضعاف؟!) للأخ: محمد بن حسني القاهري - هداه الله - ، وإذا بها تحمل في ظاهرها زُخْرفَ القول، وفي باطنها تمييعًا للمنهج، وتضييعًا لبعض معالمه. وها أنا أضع الرد عليها بما يجلِّي الحق ويفضح الباطل، مستعينًا بالله، معتمدًا أقوال الأئمة الراسخين، فأقول وبالله التوفيق والسداد:
أولًا: في تقسيم الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى "داعية" و"عامي":
قال الأخ (محمد بن حسني القاهري): أخي! إنك إما أن تكون داعية متصدرا، أو تكون من عوام السلفيين.
هذا تقسيم لا أصل له في نصوص الوحي، ولا في كلام السلف. بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم بحسب قدرته، كما قال النبي ﷺ: « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلِيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ». رواه مسلم في (صحيحه) [1/50 رقم: 49] من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ) فقد خاطب الأمة جمعاء، العالم والتاجر والجندي والغني والفقير، ولم يقسمهم إلى "داعية متصدِّر" و"عامي تابع" كما توهَّم هذا الكاتب.
فالصحابةُ رضي الله عنهم: فيهم من اشتهر بالعلم والرواية كابن مسعودٍ وأبي هريرة وابن عمر، وفيهم من اشتهر بالتجارة والثراء كأبي بكرٍ وعمر وعبد الرحمن بن عوف، وفيهم من عُرف بالشجاعة والإقدام كخالدٍ وعليٍّ، وفيهم من تميَّز بالزهد والعبادة كسلمان وأبي الدرداء، رضي الله عنهم أجمعين؛ فكان كلٌّ منهم لبنةً في صرح هذه الأمَّة، ومثالًا في بابه، ومع ذلك كلُّهم مأمورون بالأمر بالمعروف وبإنكار المنكر بحسب استطاعتهم، ولم يقل أحد منهم إن ذلك خاص بالمتصدرين للعلم والرواية.
ثانيًا: في المنع من ذكر أسماء الأئمة الأعلام:
قال الأخ (محمد بن حسني): (عند النقل عن أهل العلم: تجنب ذكر العلماء الذين يؤدي ذكرهم إلى تشغيب عليك؛ فإن كنت ترد على صوفي أو أشعري ؛ فلا تذكر ابن تيمية -مثلا-، بل اذكر من يعظمونه، كالنووي).
وهذا تملُّقٌ مذموم، وخيانة علمية. فالحق يُذكر من قائله، سواء قبله المخالف أو رده، وقد قَالَ اللهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) [الأحزاب: 39]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) [1/57 - 58]: (وبعض الناس يقول: يا رب إني أخافك وأخاف من لا يخافك فهذا كلام ساقط لا يجوز؛ بل على العبد أن يخاف الله وحده ولا يخاف أحدا فإن من لا يخاف الله أذل من أن يخاف فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان فالخوف منه قد نهى الله عنه وإذا قيل قد يؤذيني قيل: إنما يؤذيك بتسليط الله له وإذا أراد الله دفع شره عنك دفعه فالأمر لله؛ وإنما يسلط على العبد بذنوبه وأنت إذا خفت الله فاتقيته وتوكلت عليه كفاك شر كل شر ولم يسلطه عليك فإنه قال: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} وتسليطه يكون بسبب ذنوبك وخوفك منه. فإذا خفت الله وتبت من ذنوبك واستغفرته لم يسلط عليك كما قال: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}) اهـ.
فهل صار ذِكرُ أئمة المِلَّة وعُلَماء السُّنَّة مَثلبةً تُعاب؟! أَيُلام السلفي إذا روى عن الإمام أحمد، أو استشهد بقول البخاري، أو نقل عن مالك والشافعي؟! أم يُجرَّم إذا ساق فتاوى الألباني وابن باز والعثيمين رحمهم الله؟!
بل هؤلاء الأعلام هم معالم الهُدى، ومنارات السنَّة، ومصنَّفاتهم وأقوالهم من أعظم ما انكشف به زيف الباطل، وانفضح به أهل الأهواء والضلال.
فإخفاء أسمائهم بحجَّة المداراة ليس ورعًا ولا حكمة، وإنما هو تضييع للأمانة، وطمس لبركة العلم، وتلبيس على الناس. ومن وراء هذه الدعوة رائحة مكرٍ خبيث، يراد به أن يُمحى ذكرُ أئمة هذا العصر، وفي مقدمتهم العلَّامة ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ الذي قام لله وحده، فكشف عوار الحركيين والسروريين والقطبيين، وفضح الحدادية ومن هو أخسّ منهم، وأقام الحجج الدامغة على أهل البدع والضلال.
وليُعلَم أن ستر أسماء الأئمة وطمسها على طريقة الكاتب لا يخدم إلا خصوم السنَّة؛ إذ لا يريد أهل البدع أن يُعرف مَن هتك أستارهم، ولا أن يبقى في الأذهان مَن فضح باطلهم وأبطل شبهاتهم.
وإن كان بعضهم يتذرع بما اشتهر من أن رجلًا نزع غلاف كتاب التوحيد ليُقدِّمه إلى شيخ هندي كان يطعن في شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، فليس ذلك مبررًا يُتَّخذ قاعدةً يُعمَّم بها، فيُسوَّغ لضعاف الدعاة أن يطمسوا أسماء الأئمة، ويعفوا آثارهم، فيذيبوا مَعالم السلفية، ويمسخوا قوَّتها ووضوحها.
ثالثاً: في الدعوة إلى ترك التصريح بالبدعة:
قال الأخ (محمد بن حسني القاهري): (إن كان المخطئ مبتدعا؛ فلا تصرح بأنه مبتدع).
فنقول: هذا الكلام عين الضلال والتمييع، ومناقضٌ للمنهج السلفي الذي قام على البيان والتحذير وكشف أهل الأهواء. وقد كان السلف ـ رحمهم الله ـ يصرِّحون بأسماء المبتدعة ويحذِّرون من مجالستهم وسماع كلامهم، حمايةً للدين وصيانةً لعقائد المسلمين. قال الإمام ابن سيرين رحمه الله: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ» ؟! وقال الإمام أحمد رحمه الله: «إِذَا أَجَابَ العَالِمُ تَقِيَّةً وَالجَاهِلُ بِجَهْلٍ، فَمَتَى يَتَبَيَّنُ الحَقُّ؟!» كما في كتاب (المحنة) لأبي علي حنبل بن إسحاق بن حنبل [ص: ٩٥].
فالواجب الشرعي هو البيانُ الجلي، والتحذيرُ الصريح من المبتدع ووسمه بما فيه، رحمةً بالأمة وصيانةً لعقيدتها ودينها؛ ولو كان السكوت جائزًا لَسكت الأئمة عن الجهمية والرافضة والقدرية، ولما صنَّفوا مئات المصنفات في كشف أباطيلهم وفضح ضلالهم.
فالدعوة إلى ترك التصريح ببدعة المبتدع ليست إلا دعوةً إلى دفن الحق، وإعانةً للباطل على الانتشار، وخيانةً للأمانة التي حمَّلها الله أهل العلم: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنْهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنْهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159].
قال شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله: (الأصل أن من فعل البدعة يقال له مبتدع هذا هو الأصل، من فعل البدعة يقال له: مبتدع... إلى أن قال: فالمسلم يمتثل أمر الرسول ﷺ ويؤيد ما قاله عليه الصلاة والسلام، ويحذر من البدع ويسمي أهلها مبتدعين حتى يتوبوا إلى الله عز وجل، والجاهل يعلم ومن تاب تاب الله عليه) انتهى من موقعه على الشبكة تحت عنوان: (الضابط في الحكم على الشخص بأنه مبتدع).
رابعًا: في التهوين من التحذير من المادح للمبتدع:
على نحو قول الكاتب: إن أثنى أحد الدعاة السلفيين على المنحرف؛ فانصحه، فإن لم يستجب فاصبر، وإن تعصب فاتركه، ولا تحذر منه لأن في ذلك مفسدة.
فنقول: سبحان الله! وهل أعظم مفسدة من أن يُلمَّع المبتدع بلسان من يُظن فيه العلم والدعوة؟! وهل الفتنة الكبرى إلا في سكوت الدعاة عن الانحراف أو تزكيتهم لأهله؟! بل الواجب ـ ديانةً ونصحًا للأمة ـ أن يُكشف هذا الخلل، ويُحذّر الناس من مادح المبتدع كما يُحذِّرون من المبتدع نفسه، إذ المادح له دالٌّ عليه، ومزيِّن لبدعته، بل تزكية المبتدع أعظم ضررًا من بدعته نفسها، لأن البدعة قد تُعرف، أما التزكية فتصرف وجوه العامة إليه، فيثقون به وينهلون من ضلاله. ولهذا كان السلف يُحذرون حتى من الجلوس مع المبتدع فضلا عن الثناء عليه.
ومن أعظم ما اتفق عليه السلف: التحذير من أهل الأهواء، وترك مجالستهم، والإعراض عنهم؛ فإن القلب ضعيف، والشبهة خطَّافة.
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، أَنَّهُ كَانَ " إِذَا سَمِعَ كَلِمَةً ، مِنْ صَاحِبِ بِدْعَةٍ ، وَضَعَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِي أَنْ أُكَلِّمَهُ حَتَّى يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ. وعن صَالِحٌ الْمُرِّيُّ ، قَالَ: دَخَلَ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ فُلَانٌ يَعْنِي رَجُلًا مُبْتَدِعًا ، وَأَنَا شَاهِدٌ ، فَفَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْقَدَرِ ، فَتَكَلَّمَ فِيهِ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ سِيرِينَ: «أُحِبُّ لَكَ أَنْ تَقُومَ وَإِمَّا أَنْ نَقُومَ» أي : قم، أو نقوم، وهو مع قدرته على الرد؛ لكنه آثر طريق الصحابة والتابعين: الهجر والمفارقة.
وقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: «مَنْ يُجَالِسُ أَهْلَ الْبِدَعِ أَشَدُّ عَلَيْنَا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ»
وعن يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ: «إِذَا لَقِيتَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فِي طَرِيقٍ ، فَخُذْ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى». وعن إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ مُبْتَدَعٍ دَاعِيَةٍ يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ يُجَالِسُ ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «لَا يُجَالَسُ ، وَلَا يُكَلَّمُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ» انظر (الإبانة الكبرى) [2/475].
فالمنهج الحق أن يُترك المبتدع فلا يُجالس ولا يُسمع له، ولا يُفتح معه باب مناظرة إلا بقدر الحاجة ومع أهل العلم الراسخين. فكيف إذا رأينا من يزكِّي أهل الأهواء ويثني عليهم؟!
خامسًا: في دعوى المفسدة الراجحة:
قال الأخ (محمد بن حسني القاهري): إن تعصب وعاند؛ فاتركه، واتخذ منه موقفا يُفهم من حولك أنك تنكر عليه، وليكن هذا بأن تهجره في خاصة نفسك، وأما التحذير منه؛ فإنه غالبا يؤدي إلى مفسدة راجحة.
جعل الكاتب هذا الأصل مطيةً للتفلت من البيان، وكلما ذُكر التحذير قال: مفسدة راجحة. وهذا من تلبيس إبليس، فإن المفسدة تُقدَّر بقدرها، ولا تُتخذ ذريعة لتعطيل أصل الولاء والبراء، ومخالفة الإجماع على وجوب التحذير من أهل البدع والأهواء؛ نَقَلَ البَغَويُّ في (شرح السنة) [1/227] إجْماعَ الصَّحابةِ والتابِعينَ وعُلماءِ أهلِ السُّنَّةِ على مُعاداةِ أهلِ البِدَعِ؛ حَيثُ قال: (قد مَضَتِ الصَّحابةُ والتابِعونَ وأتباعُهم وعُلماءُ السُّنَّة على هذا مُجْمِعِين مُتَّفِقِين، على مُعاداةِ أهلِ البِدَعِ، ومُهاجَرَتِهم) اهـ.، وقال شيخنا الإمام ابن عثيمين رحمه الله في (شرح لمعة الاعتقاد) [1/159]: (وهِجرانُ أهلِ البِدَعِ واجِبٌ؛ لقَولِه تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المُجادَلة: 22] ، ولِأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هجَرَ كعبَ بنَ مالِكٍ وصاحِبَيه حينَ تَخَلَّفوا عن غَزوةِ تَبوك) اهـ.
وفي الختام... هذه المقالة - مع الأسف - دعوة إلى: تمييع المنهج، والسكوت عن المبتدعة، و التلبيس على العامة، والتنازل عن معالم السنة بحجة الرفق والمصلحة.
وأهل السنة الذين هم على جادتها وسط: يدعون إلى الرفق، لكن مع ثباتٍ على الحق، وصدعٍ بالبيان، وولاءٍ للسنة، وبراءٍ من البدعة وأهلها.
ومن ظن أن الحق يُنصر بالسكوت والمداهنة فقد خالف سبيل السلف، وخان الأمانة، وركب سبيل الإخوان المفلسين وأشباههم.
وإنّي لأدعو أخانا محمّدًا بصدق وشفقة أن يُراجع نفسه، ويتوب إلى الله تعالى من هذا المسلك الخطير الذي لا يورث إلا الحسرة والندم، وأن يُعلن براءته لله ولرسوله وللمؤمنين من أهل الكذب والفتن، وفي مقدمتهم أبو عبد الأعلى الكذَّاب ومن شايعه وسار على نهجه؛ فإنَّ العاقل من دان نفسه، ورجع إلى الحقِّ متى تبيَّن له، وليس العيب أن يخطئ المرء، ولكن العيب أن يُصِرَّ على خطئه بعد قيام الحجة ووضوح السبيل. وقد علمتَ ـ رعاك الله ـ أنَّ طريق السلف الصالح هو أوضح الطرق، وأسلمها عاقبة، وأبعدها عن الفتن، فلا تُفوِّت على نفسك هذا الخير، ولا تُعرِّض دينك لوعيدٍ أو ملام، فالرجوع إلى الحقِّ فضيلة، والاستمساك به نجاة، والله يحبُّ التوابين ويحبُّ المتطهرين؛ والله أعلم.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه.
في الثغر السكندري حرسه الله
وسائر بلاد المسلمين.
الثلاثاء: 8 / ربيع الآخر / 1447هـ.
انظر التعليق تجد صورة من أصل المقال المردود عليه!!
إلى الحلقة الثالثة إن شاء الله ... يتبع:
