الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

بماذا تنصحون من كثر زلله في باب الشهوات مع العلم أنه كلما ندم وتاب رجع للذنب مرة أخرى وله مدة من الزمن على هذا الحال وهو يخشى من ذنبه…

٢٨ ربيع الأول ١٤٤٧ هـ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٥
الفتاوىالرقائق والآداب
السؤال مئة واثنان وأربعون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا أنار الله دربكم وغفر الله لنا ولكم
بماذا تنصحون من كثر زلله في باب الشهوات مع العلم أنه كلما ندم وتاب رجع للذنب مرة أخرى وله مدة من الزمن على هذا الحال وهو يخشى من ذنبه ومعصيته ويخاف أن يموت على هذه الحال لا قدر الله ذالك
أبسطوا لنا في الإجابة غفر الله لكم

الحمد لله:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
فقد سألتَ ـ رعاك الله ـ: بماذا نُوصي من كثر زلله في باب الشهوات؟ وهذا سؤال يطرق قلوبنا جميعًا، إذ من ذا الذي سلِم من الذنب؟ ولكن الفرق بين سعيدٍ وشقي أن الأول كلما أذنب رجع إلى ربه نادمًا مستغفرًا، والثاني أعرض واستكبر.

ولهذا أبشرك أن خوفك من ذنبك وحرصك على النجاة علامة خير، ودليل على أن في قلبك حياة تدفعك لطرق باب ربك، وباب التوبة لا يُغلق حتى تطلع الشمس من مغربها أو تبلغ الروح الحلقوم.
ولهذا أقول: هذه عشر وصايا للمبتلى في باب الشهوات عسى الله أن ينفعنا وإياكم بها :

١- لا تيأس من رحمة الله
فإن عظم الذنب يقابله عظم الغفران، والله أرحم بك من نفسك.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53].

٢- أغلق أبواب الفتنة قبل أن تفتح
فالسلامة في البُعد عن المواطن الفاسدة، والفرار من رفقة السوء.
وفي قصة الرجل الذي قتل مائة نفس، فلما قصد العالم يسأله عن التوبة، قال له: «ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ولكنك بأرض سوء، فاخرج منها إلى أرض فيها قوم يعبدون الله» [متفق عليه]. فكان تركه لأرض المعصية وطلبه أرض الطاعة سببًا لقبول توبته ورجائه.

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32].
فاترك كل سبيل يوصلك إلى المعصية.

٣- دواء الصيام:
الصوم يكسر الشهوة ويهذب النفس.
قال النبي ﷺ: «يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعليه بالصَّوْمِ؛ فإنَّه له وِجَاءٌ» متفق عليه.
وسُمِّي الصوم وجاءً لأنه يكسر الشهوة كما يكسرها الزواج، فمن اعتاده هدأت نفسه وانكسرت شهوته؛ إذ الشهوة تقوى مع كثرة الأكل وتضعف مع قلته.

٤- اشغل فراغك بما ينفعك
فالفراغ بريد الشيطان، ومجال الشهوة.
قال ﷺ: «نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ منَ النَّاسِ الصِّحَّةُ والفراغُ» رواه البخاري في (صححه) [رقم: ٦٤١٢].

٥- اجعل للقرآن نصيبًا يوميًا:
فالقرآن هو الهادي إلى أقوم طريق، وهو شفاء لما في الصدور.
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9].
وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾
[ يونس: 57]

٦- الزم الصحبة الصالحة:
فإنهم عونٌ لك على الطاعة ووقاية من الانزلاق. فالصاحب ساحب كما يقولون،؛ وأفضل منه قوله ﷺ: «المرءُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم مَن يُخاللُ» رواه الترمذي] وغيره وصححه الإمام ابن باز رحمه الله كما في (مجموع الفتاوى) [٦/ ٣٠٦].

٧- قُم بين يدي الله بالليل
في جوف الليل حيث السكون، اجعل لك نصيبًا من القيام والدعاء، فإن الله قريب مجيب.
ففي الحديث المتواتر قال ﷺ: «ينزلُ اللهُ كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا ، حين يبقى ثلثُ الليلِ الآخرِ ، فيقولُ: من يدعوني فأستجيبُ له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرُني فأغفرُ له».

٨- استحضر نظر الله إليك
فإذا هممت بالذنب فتذكر أن عين الله لا تنام.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14].
آية تقرع القلوب، وتغرس في المؤمن يقينًا بمراقبة الله له في كل قول وفعل، فيستحي أن يراه مولاه على معصية.

٩- تذكّر عاقبة الذنوب:
المعصية وإن راقت لحظة، فإن عاقبتها مرّة، تورث ضيق الصدر وحرمان الرزق.
قال ﷺ: «إن العبد ليُحرَم الرزق بالذنب يصيبه» رواه ابن ماجه (رقم 4022) وغيره، لكن إسناده فيه ضعف.

ومعناه صحيح تشهد له نصوص أخرى، منها:

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: 96].

١٠- اجعل قلبك بين الخوف والرجاء:
خوفًا من سوء الخاتمة، ورجاءً في رحمة الله الواسعة.
قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۝ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50].

وفي الختام... اعلم ـ رحمك الله ـ أن ربك أرحم بك من أمك، وأنه يفرح بتوبتك، وينتظرك إذا رجعت إليه، ولا يطرد من طرق بابه ولا يرد من لجأ إليه. فإن أقدمت على طاعته فُتحت لك أبواب البركة والأنس، وإن ضعفت فاستغفرته غفر لك وأعطاك من واسع كرمه.

أخي المبارك، إن لحظة لذة الشهوة فانية، وإن لذة الطاعة باقية في القلب والآخرة، فاختر الباقي على الفاني. ولا تنسَ أن الله وعد الصابرين على شهواتهم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

قال تعالى:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ۝ آخذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: 15-16].

فتخيَّل نفسك وقد جاوزتَ عقبات الشهوة، وصبرت على الطاعة، فإذا بك بين أنهار الجنة وقصورها، تسمع سلام الملائكة، وترى وجه ربك الكريم. فهنيئًا لمن جاهد نفسه في الدنيا ساعة، فنال الخلود في نعيم لا ينفد.
فابشر، ولا تحزن من ضعفك، ما دمت لا تزال تطرق باب ربك، وتقول في كل مرة: "اللهم تب عليّ". ومن أدام الطرق فُتح له الباب، ومن صدق مع الله صدق الله معه، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. والله أعلم
من ضمن(سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص )

مواد ذات صلة