الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

2- احذر من الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة في الطلب

١٠ ربيع الأول ١٤٤٧ هـ٢ سبتمبر ٢٠٢٥
المقالاتالمنهج والدعوة السلفيةالرقائق والآداب
2- احذر من الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة في الطلب:
يا طالب العلم، إيّاك أن تغترَّ ببريق الشاشات، أو تنخدع بلمعان الصفحات الإلكترونية، فتظنَّ أن العلم يُنال بنقرةٍ على زرّ، أو يُدرك بلمسة على شاشة، أو يُستوعب بقراءةٍ عابرة من غير عالمٍ راسخٍ أو شيخٍ ناصح، أو كتابٍ موثوقٍ أو أصلٍ صريحٍ، لأن العلمَ لا يورَّثُ إلا لمن صبر على لأوائه، واحتمل شدائدَ بلائه، وخدم حَمَلته وأولياءه، وتمرّس بأصوله وأسسه، وجثا بالرُّكَب في حلق علمائه، وأدام الطَّرْق على أبواب مصنّفاته، يكرع من معينها الصافي، ويرتوي من نميرها العذب الوافي.
والتكنولوجيا – وإن قربت البعيد، ويسّرت الوصول إلى الجديد – فإنها لا تُغني عن الأصول، ولا تَصنع الراسخين، بل قد تَزرعُ في القلب العُجب والغرور، وتَجرُّ الطالب إلى التشتّت بين المراجع، والتنقّل بين الصفحات، فلا يظفر بتحقيق، ولا يُحسن تحريرًا ولا تدقيقًا.
وكم من مبتدئٍ جعل عُدَّته الهاتف والكمبيوتر، فأخفق في تأسيسه، وضعُف في تأصيله، فلمَّا جدَّت المباحث وطالت المدارك، وجد نفسه خواءً لا يحسن استنباطًا، ولا يملك فقهًا راسخًا.
فإيّاك ثم إيّاك أن تشرع في أوَّلِ الطريق متكئًا على هذه الوسائل، بل الزم المصحفَ والكتبَ والأوراقَ، وصاحب العلماء والأشياخ، وخذ العلم من أفواههم كما أُخذ عنهم من قبل، فذلك طريقُ النجاة، ومفتاحُ الرسوخ والثبات.
فإذا رسخت قدماك في أرض الطلب، وثبّت الله أصولك في تربة الأدب، وأشرق على قلبك نور المنهج بصفائه، وتجلّى لك الطريق في جلاء بهائه؛ هنالك لا جناح عليك أن تجعل هذه الوسائل الحديثة عونًا لا أصلاً، وزيادةً لا بديلًا، وردفًا لا قائدًا، وخادمًا لا سيّدًا. فهي حينئذٍ نعم المساعد والمعين، والرديف المكمّل الأمين، تقرّب البعيد، وتسهّل العسير، وتجمع شتات المتفرّق، وتقرّب موارد المراجع، ولكنها – مع كل ذلك – لا تُغني عن الأصول، ولا تضعك في مصافّ الراسخين إلا إذا أخذت العلم من منابعه الأولى، وجثوت بركبك في حلق أهله، كما قال ربّنا جلّ شأنه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
أمّا قبل ذلك – قبل رسوخ القدم، وقبل استحكام الأصول، وقبل أن يشرق في القلب نور الدليل – فإنها والله فتنةٌ مُلهية، ومصيبةٌ مُردية؛ سمٌّ في دَسَم، وزُخرفٌ في وَهَم؛ تخدع بنضارتها، وتُغري بلمعانها، وتُظهر لك أنك عالمٌ بما حويت، وأنت في الحقيقة فقيرٌ إلى ما فات؛ تلهيك أكثر مما تبني، وتُضعفك أكثر مما تُقوّي، وتُنسيك الأصول، وتُحبِّب إليك الفضول، وتجعلك أسير شاشة، أسير نقرة، أسير طرفة عين، لا تذوق لذّة البحث، ولا تشمّ رائحة الصبر على المطوّلات، ولا تعرف قدر العلم الذي ورّثه الأنبياء للأمناء.

من كتابي (الحلم في نصح طالب العلم)

مواد ذات صلة