الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

9- كن ذا هيبة

١٠ ربيع الأول ١٤٤٧ هـ٢ سبتمبر ٢٠٢٥
المقالاتالرقائق والآداب
9- كن ذا هيبة:
يا طالبَ العلم، أوصيك – وفقني اللهُ وإيّاك – أن تكون ذا هيبةٍ تُصان، ووقارٍ يُحاط بالأركان، فإنّ الهيبةَ عزٌّ للعالم، وزينةٌ للطالب، وسياجٌ يحمي العلم من الابتذال، ويجعل القلوب إليه تميل بالقبول والإجلال.
وإيّاك والإفراطَ في المؤانسة؛ فإنّها تذهب بالوقار، وتجرِّئُ السفهاء، وتفتح أبواب الاستخفاف، وتجرُّ صاحبها من سنام العلم إلى حضيض اللهو واللغط. وقد قال الفاروق عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: «‌مَنْ ‌كَثُرَ ‌ضَحِكُهُ ‌قَلَّتْ ‌هَيْبَتُهُ، وَمَنْ مَزَحَ اسْتُخِفَّ بِهِ، وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ عُرِفَ بِهِ...».
واعلم أنّك وريثُ الأنبياء، وخليفةُ السلف الأصفياء، فاجعل سمتَك سمتَ العلماء، وخطاك خطا الحكماء، لا يُرى منك إلا الجدُّ، ولا يُسمع عنك إلا الحقُّ والرشدُ. فإذا جلستَ جلستَ بوقار، وإذا تكلمتَ تكلمتَ بميزان، وإذا سُئلتَ أجبتَ ببرهان، وإن سكتّ كان سكوتك بيانًا، وإن نطقتَ كان نطقك إحسانًا.
والزم عزلةً تُصفّي قلبك، وخلوةً تُجلّي لُبَّك، ولا تُكثر من الخلطة إلّا بقدر الحاجة، فإنّها إن كثرت أذهبت نورَك، وأطفأت وقارَك، وسلبت منك الهيبةَ التي هي زينةُ طالب العلم وبهاؤه؛ ألم ترَ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ - رحمه الله - ماذا قال؟!! قال: (إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ‌كَانُوا ‌يَكْرَهُونَ ‌فُضُولَ ‌الْكَلَامِ، وَكَانُوا يَعُدُّونَ فُضُولَ الْكَلَامِ مَا عَدَا كِتَابَ اللَّهِ أَنْ تَقْرَأَهُ، أَوْ تَأْمُرُ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ تَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ تَنْطِقُ بِحَاجَتِكَ فِي مَعِيشَتِكَ الَّتِي لَا بُدُّ لَكَ مِنْهَا) وما ذاك إلا ليُحفظ العلمُ من الضياع، ويُصان الوقتُ عن التبديد والإضاعة.
فإيّاك ثم إيّاك أن تُبتذل في كل مجلس، أو تُعرف في كل نادٍ، أو يُستدرجك الناس إلى ما يذهب بمروءتك؛ بل كن مهابًا محترمًا، إذا رآك الناس ذكرتهم بالله، وإذا سمَّعْتَهم ذكَّرتَهم بسنة رسول الله ﷺ.
يا طالب العلم، الهيبةُ لا تُشترى بالذهب، ولا تُنال بالطلب، إنما تُغرس بالجدّ، وتُسقى بالزهد، وتُثمر بالصدق مع الله. فإذا صدقتَ مع الله، ألقى الله هيبتك في قلوب الخلق، وإن تهاونتَ في سمتك، ذهبت هيبتك، وضاع علمك، ولم يعبأ بك أحد.
فاحفظ علمك بحفظ هيبتك، وصُن نفسك بصيانة سمتك، واجعل أنسك بالله لا بالناس، وخلوتك بالذكر لا باللغو، فإنّ من آنس بالله كفاه، ومن صدق مع الله أعطاه، ومن صان علمه رفعه الله، وجعل له لسان صدقٍ في الآخرين.

من كتابي (الحلم في نصح طالب العلم)

مواد ذات صلة