لا تكن جزءًا من هذه الضلالة
لا تكن جزءًا من هذه الضلالة
الحمدُ للهِ الذي أرسلَ رسولَه بالهدى ودينِ الحقِّ ليُظهرَه على الدينِ كلِّه ولو كرهَ المشركون، أحمدُه سبحانه وأشكرُه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُنجي قائلَها يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمين، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، إمامُ المتقين، وقائدُ الغُرِّ المحجلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإنَّ من أعظمِ المصائبِ التي تُبتلى بها الأممُ أن يختلطَ الحقُّ بالباطل، وأن تُلبَسَ السنةُ بالبدعة، وأن يتحولَ بعضُ الناسِ من جنودٍ للحقِّ إلى أدواتٍ في يدِ أهلِ الأهواءِ وهم لا يشعرون، أو يشعرون ثم يُقدِّمون حظوظَ النفسِ والعصبياتِ على مرضاةِ الله تعالى.
وكم من رجلٍ دخلَ بابَ الضلالةِ متأولًا، ثم ما زالَ به الهوى حتى صارَ داعيةً إليها، يذبُّ عنها، ويخاصمُ لأجلِها، ويطعنُ في أهلِ السنةِ نصرةً لأهلِ الباطل!
ولهذا كان السلفُ رحمهم الله يخافونَ الفتنَ أشدَّ الخوف، ويعلمونَ أنَّ القلبَ ضعيف، وأنَّ الشبهةَ خطَّافة، وأنَّ النفسَ قد تُزيِّنُ لصاحبِها طريقَ الغوايةِ حتى يظنَّه هدى.
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42].
فإيَّاك ـ عبدَ الله ـ أن تكونَ جسرًا تعبرُ عليه الفتنُ إلى الناس، أو لسانًا ينشرُ الشبهات، أو قلمًا يُلمِّعُ أهلَ الانحراف، أو تابعًا يُصفِّقُ لكلِّ ناعقٍ بغيرِ بصيرة.
لا تكنْ جزءًا من هذه الضلالة، ولا تكنْ أسيرَ الضجيج، ولا عبدًا للشهرة، ولا ممَّن يُقادُ بعينٍ عمياء خلفَ كلِّ متصدرٍ كثرتْ مجالسُه، وانتشرتْ مقاطعُه، وتكاثرَ حوله المصفقون.
فإنَّ من البلاءِ الذي عمَّ في هذا الزمان أنَّ أقوامًا جعلوا ميزانَ الحقِّ عددَ المتابعين، وكثرةَ الدروس، وارتفاعَ الاسمِ في المنصات، لا موافقةَ الكتابِ والسنةِ بفهمِ السلفِ الصالح.
فصاروا يلتفونَ حولَ رموزِ الحزبِ الانتقاليِّ الجديد، يسيرون خلفَ عرفاتِ المحمدي وكنتوش وأمثالهما سيرَ المأسورِ خلفَ سرابٍ خادع، لا يطلبون دليلًا، ولا يفتشون عن برهان، بل يكفي عندهم أنَّ الرجلَ مشهور، وأنَّ له تسجيلاتٍ ومحاضرات، وأنَّ حولَه جموعًا من المادحين.
فإن قامَ ناصحٌ يبينُ الانحراف، أو تكلمَ سلفيٌّ يذبُّ عن المنهج، قالوا في استعلاءٍ ممقوت:
ومن أنت؟!
لا نعرفك!
أين دروسك؟
وأين متابعوك؟!”
وكأنَّ الحقَّ صارَ يُوزنُ بعددِ المشاهدات!
وكأنَّ السنةَ لا تُقبلُ إلا ممَّن ملأ الدنيا صخبًا وضجيجًا!
وكأنَّ الباطلَ إذا لبسَ ثوبَ الشهرةِ صارَ حقًا لا يجوزُ إنكارُه!
يا هؤلاء، إنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه لم يكنْ حقًّا لأنَّ الناسَ تبعوه، بل تبعَه الناسُ لأنَّه كان على الحق، ولو لم يتبعْه إلا الواحدُ بعدَ الواحد.
فالعبرةُ في الإسلامِ ليستْ بكثرةِ الأتباع، وإنما بصحةِ الاتباع.
وكم من نبيٍّ ما تبعَه إلا قليل، وكان مع ذلك إمامَ الهدى وأهلَ النجاة، وقد قال الله تعالى عن أكثرِ الخلق: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103].
وهذا نوحٌ عليه السلام، لبثَ في قومِه ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، ثم لم يؤمنْ معه إلا قليل، ومع ذلك كان هو وأتباعُه أهلَ النجاة، وكان أهلُ الكثرةِ هم أهلَ الغرقِ والهلاك.
وهذا نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم، يومَ قامَ يدعو إلى التوحيدِ في مكة، لم يكنْ معه في أولِ الأمرِ إلا أفرادٌ مستضعفون، يُؤذَون ويُعذَّبون، بينما كانتْ قريشٌ بساداتِها وكبرائِها وجموعِها على الباطل، فهل صارَ الباطلُ حقًا لأنَّ أتباعَه أكثر؟!
كلا والله، بل كان الحقُّ مع محمدٍ صلى الله عليه وسلم ولو وقفَ وحدَه في وجهِ الأرضِ كلِّها.
وانظرْ إلى الإمامِ أحمدَ رحمه الله يومَ المحنة، حينَ تراجعَ كثيرٌ من الناسِ، وسكتَ آخرون، وثبتَ هو على السنةِ في مسألةِ خلقِ القرآن، حتى صارَ إمامَ أهلِ السنةِ والجماعة.
أفكان الحقُّ مع الأكثرِ الذين وافقوا السلطانَ خوفًا وطمعًا؟
أم مع رجلٍ ثبتَ على الدليلِ حتى نصرَ اللهُ به السنة؟
وكذلك سعيدُ بنُ المسيب، والحسنُ البصري، والأوزاعي، وسفيانُ الثوري، ومالك، والشافعي، وابنُ تيمية، رحمهم الله جميعًا، ما صاروا أئمةً لأنَّ الناسَ صفقتْ لهم، ولا لأنَّ المنصاتِ رفعتْ أسماءَهم، بل لأنَّهم عظَّموا الدليل، وقدموا السنةَ على أهواءِ الناس.
بل كم من عالمٍ حوربَ في زمانِه، واتُّهم، وأوذي، وخالفَه الأكثرون، ثم صارَ بعد موتِه إمامًا يُقتدى به، وبقي أهلُ الباطلِ في مزابلِ التاريخ.
فلا تغترَّ بكثرةِ الأتباع، ولا بضجيجِ المنصات، ولا بتكاثرِ المادحين، فإنَّ الذبابَ يجتمعُ على القاذورات، وليس اجتماعُه دليلَ طيبٍ ولا صلاح.
الحمدُ للهِ الذي أرسلَ رسولَه بالهدى ودينِ الحقِّ ليُظهرَه على الدينِ كلِّه ولو كرهَ المشركون، أحمدُه سبحانه وأشكرُه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُنجي قائلَها يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمين، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، إمامُ المتقين، وقائدُ الغُرِّ المحجلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإنَّ من أعظمِ المصائبِ التي تُبتلى بها الأممُ أن يختلطَ الحقُّ بالباطل، وأن تُلبَسَ السنةُ بالبدعة، وأن يتحولَ بعضُ الناسِ من جنودٍ للحقِّ إلى أدواتٍ في يدِ أهلِ الأهواءِ وهم لا يشعرون، أو يشعرون ثم يُقدِّمون حظوظَ النفسِ والعصبياتِ على مرضاةِ الله تعالى.
وكم من رجلٍ دخلَ بابَ الضلالةِ متأولًا، ثم ما زالَ به الهوى حتى صارَ داعيةً إليها، يذبُّ عنها، ويخاصمُ لأجلِها، ويطعنُ في أهلِ السنةِ نصرةً لأهلِ الباطل!
ولهذا كان السلفُ رحمهم الله يخافونَ الفتنَ أشدَّ الخوف، ويعلمونَ أنَّ القلبَ ضعيف، وأنَّ الشبهةَ خطَّافة، وأنَّ النفسَ قد تُزيِّنُ لصاحبِها طريقَ الغوايةِ حتى يظنَّه هدى.
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42].
فإيَّاك ـ عبدَ الله ـ أن تكونَ جسرًا تعبرُ عليه الفتنُ إلى الناس، أو لسانًا ينشرُ الشبهات، أو قلمًا يُلمِّعُ أهلَ الانحراف، أو تابعًا يُصفِّقُ لكلِّ ناعقٍ بغيرِ بصيرة.
لا تكنْ جزءًا من هذه الضلالة، ولا تكنْ أسيرَ الضجيج، ولا عبدًا للشهرة، ولا ممَّن يُقادُ بعينٍ عمياء خلفَ كلِّ متصدرٍ كثرتْ مجالسُه، وانتشرتْ مقاطعُه، وتكاثرَ حوله المصفقون.
فإنَّ من البلاءِ الذي عمَّ في هذا الزمان أنَّ أقوامًا جعلوا ميزانَ الحقِّ عددَ المتابعين، وكثرةَ الدروس، وارتفاعَ الاسمِ في المنصات، لا موافقةَ الكتابِ والسنةِ بفهمِ السلفِ الصالح.
فصاروا يلتفونَ حولَ رموزِ الحزبِ الانتقاليِّ الجديد، يسيرون خلفَ عرفاتِ المحمدي وكنتوش وأمثالهما سيرَ المأسورِ خلفَ سرابٍ خادع، لا يطلبون دليلًا، ولا يفتشون عن برهان، بل يكفي عندهم أنَّ الرجلَ مشهور، وأنَّ له تسجيلاتٍ ومحاضرات، وأنَّ حولَه جموعًا من المادحين.
فإن قامَ ناصحٌ يبينُ الانحراف، أو تكلمَ سلفيٌّ يذبُّ عن المنهج، قالوا في استعلاءٍ ممقوت:
ومن أنت؟!
لا نعرفك!
أين دروسك؟
وأين متابعوك؟!”
وكأنَّ الحقَّ صارَ يُوزنُ بعددِ المشاهدات!
وكأنَّ السنةَ لا تُقبلُ إلا ممَّن ملأ الدنيا صخبًا وضجيجًا!
وكأنَّ الباطلَ إذا لبسَ ثوبَ الشهرةِ صارَ حقًا لا يجوزُ إنكارُه!
يا هؤلاء، إنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه لم يكنْ حقًّا لأنَّ الناسَ تبعوه، بل تبعَه الناسُ لأنَّه كان على الحق، ولو لم يتبعْه إلا الواحدُ بعدَ الواحد.
فالعبرةُ في الإسلامِ ليستْ بكثرةِ الأتباع، وإنما بصحةِ الاتباع.
وكم من نبيٍّ ما تبعَه إلا قليل، وكان مع ذلك إمامَ الهدى وأهلَ النجاة، وقد قال الله تعالى عن أكثرِ الخلق: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103].
وهذا نوحٌ عليه السلام، لبثَ في قومِه ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، ثم لم يؤمنْ معه إلا قليل، ومع ذلك كان هو وأتباعُه أهلَ النجاة، وكان أهلُ الكثرةِ هم أهلَ الغرقِ والهلاك.
وهذا نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم، يومَ قامَ يدعو إلى التوحيدِ في مكة، لم يكنْ معه في أولِ الأمرِ إلا أفرادٌ مستضعفون، يُؤذَون ويُعذَّبون، بينما كانتْ قريشٌ بساداتِها وكبرائِها وجموعِها على الباطل، فهل صارَ الباطلُ حقًا لأنَّ أتباعَه أكثر؟!
كلا والله، بل كان الحقُّ مع محمدٍ صلى الله عليه وسلم ولو وقفَ وحدَه في وجهِ الأرضِ كلِّها.
وانظرْ إلى الإمامِ أحمدَ رحمه الله يومَ المحنة، حينَ تراجعَ كثيرٌ من الناسِ، وسكتَ آخرون، وثبتَ هو على السنةِ في مسألةِ خلقِ القرآن، حتى صارَ إمامَ أهلِ السنةِ والجماعة.
أفكان الحقُّ مع الأكثرِ الذين وافقوا السلطانَ خوفًا وطمعًا؟
أم مع رجلٍ ثبتَ على الدليلِ حتى نصرَ اللهُ به السنة؟
وكذلك سعيدُ بنُ المسيب، والحسنُ البصري، والأوزاعي، وسفيانُ الثوري، ومالك، والشافعي، وابنُ تيمية، رحمهم الله جميعًا، ما صاروا أئمةً لأنَّ الناسَ صفقتْ لهم، ولا لأنَّ المنصاتِ رفعتْ أسماءَهم، بل لأنَّهم عظَّموا الدليل، وقدموا السنةَ على أهواءِ الناس.
بل كم من عالمٍ حوربَ في زمانِه، واتُّهم، وأوذي، وخالفَه الأكثرون، ثم صارَ بعد موتِه إمامًا يُقتدى به، وبقي أهلُ الباطلِ في مزابلِ التاريخ.
فلا تغترَّ بكثرةِ الأتباع، ولا بضجيجِ المنصات، ولا بتكاثرِ المادحين، فإنَّ الذبابَ يجتمعُ على القاذورات، وليس اجتماعُه دليلَ طيبٍ ولا صلاح.
واعلمْ أنَّ أهلَ الحقِّ قد يكونون غرباءَ في بعضِ الأزمنة، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «فطوبى للغرباء».
فالميزانُ الحقُّ ليس:
من الأشهر؟
ولا من الأكثرُ متابعين؟
ولا من الأعلى صوتًا؟
وإنما الميزان:
من الألزمُ للكتابِ والسنةِ بفهمِ السلفِ الصالح؟
فهذا هو طريقُ النجاة، ولو سلكَه القليل.
فاحذرْ أن تكونَ ممَّن باعوا عقولَهم للشهرة، وأغلقوا آذانَهم عن الحقِّ لأنَّ قائله مغمور، فإنَّ اللهَ لن يسألك يومَ القيامة: هل كان مشهورًا؟
ولكنه سيسألك: هل اتبعتَ الحقَّ أم اتبعتَ الرجال؟
وما ضرَّ أهلَ السنةِ أن جهلتْهم الجماهيرُ إذا كان اللهُ يعلمُ صدقَهم وثباتَهم، وما نفعَ أهلَ الأهواءِ تصفيقُ الأتباعِ إذا خالفوا سبيلَ السلف، وسلكوا مسالكَ التمييعِ والتحزُّب.
وإنَّ بعضَ الناسِ اليومَ لا يشاركُ في الباطلِ بلسانه فقط، بل بصمتِه المريب، أو بتخذيلِه لأهلِ الحق، أو بتسفيهِه للتحذيرِ من الانحراف، وكأنَّ السنةَ لا تُنصر، وكأنَّ العقيدةَ لا تُحمى، وكأنَّ الباطلَ إذا انتشرَ سقطَ الإثمُ عن الجميع!
كلا والله.
بل قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» رواه مسلم.
فيا لها من خسارة!
كلمةٌ يكتبُها المرءُ فيُفتنُ بها خلقٌ من الناس، أو موقفٌ يتخذه نصرةً لصاحبِ هوى، فيحملُ أوزارَه وأوزارَ من ضلَّ بسببه إلى يومِ القيامة.
فاحذرْ أن تبيعَ دينَك لأجلِ صداقة، أو جماعة، أو شهرة، أو عصبية، أو انتصارٍ للنفس، واحذرْ أن يُستدرجَ قلبُك شيئًا فشيئًا حتى يألفَ سماعَ الباطل، ثم الدفاعَ عنه، ثم الهجومَ على مخالفيه.
فإنَّ الفتنَ تبدأُ صغيرة، ثم تكبر، ويبدأُ الانحرافُ بخطوة، ثم يصيرُ طريقًا طويلًا من الظلمات.
وقد كان السلفُ رحمهم الله شديدي النفورِ من أهلِ البدع، لا قسوةً مجردة، ولكن حمايةً للدين، ورحمةً بالأمة، وخوفًا على القلوبِ من التلوثِ بالشبهات.
قال محمدُ بنُ سيرين رحمه الله: إنَّ هذا العلمَ دين، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم.
فلا تأخذْ دينَك من صاحبِ هوى، ولا ممن يُميعُ العقيدة، ولا ممن يلبسُ الحقَّ بالباطل، ولا ممن يجعلُ الولاءَ والبراءَ للأشخاصِ والجماعات، لا للحقِّ والسنة.
ومن العجائبِ المؤلمةِ أنَّ بعضَ هؤلاء إذا حضرَ للأكابرِ مجلسًا أو مجلسين، أو زكَّاه أحدُهم في موقفٍ عابر، ظنَّ نفسَه قد صارَ قرينًا للأئمةِ الكبار، يُنازعهم المنهج، ويُدافعُ عن المخالفين باسمِ (الفهم) و(البصيرة)، ثم إذا نُوقشَ بالأدلةِ والقواعدِ السلفيةِ المحكمةِ انتفخَ كِبرًا، وكأنَّه بلغَ رتبةَ الأكابرِ الذين شابتْ لحاهم في نصرةِ السنةِ والذبِّ عنها.
والأعجبُ من ذلك أنَّ هؤلاء لا يلتفتون إلى كلامِ الأئمةِ الأكابرِ الذين ملأتْ مواقفُهم الدنيا بيانًا للحق، وتحذيرًا من أهلِ الأهواءِ، ولا يُقيمون وزنًا لقواعدِهم التي أصلوها في معاملةِ المخالفين، وكشفِ أهلِ التمييعِ والتحزُّب.
مع أنَّهم كانوا بالأمسِ يتغنونَ بأسمائهم، ويستدلونَ بكلامِهم، فإذا وافقتْ القواعدُ أهواءَهم عظَّموها، وإذا أدانتْ أصحابَهم أعرضوا عنها وكأنهم لم يعرفوها قط!
فيا أخي، أليستْ تلك القواعدُ التي نحتكمُ إليها اليومَ هي مما تعلمناه من أكابرِ علمائنا؟
أليسوا هم الذين ربَّونا على تعظيمِ الدليل، وتقديمِ الحقِّ على الرجال، وعدمِ الاغترارِ بكثرةِ المتصدرين؟
لقد سردنا جملةً من الأدلةِ والوقائعِ والمخالفات، وطالبنا بالبيانِ الواضحِ والتراجعِ الصريح، فما وجدنا إلا التفلتَ والمراوغة، والكذبَ أحيانًا، والتلبيسَ أحيانًا أخرى، مع استمرارِ التهوينِ من الأخطاء، وكأنَّ المنهجَ لعبةٌ تُكيَّفُ بحسبِ الأشخاص.
فهنا يظهرُ معدنُك حقًا:
أتسيرُ خلفَ المشهورين لأنَّ لهم أتباعًا وضجيجًا ومنصات؟
أم تُعظِّمُ الدليلَ ولو خالفَ هواكَ وأصحابَك؟
أتجعلُ الحقَّ تابعًا للأسماء؟
أم تجعلُ الأسماءَ تُوزنُ بالحق؟
إنَّ الامتدادَ الحقيقيَّ للأكابرِ ليس بكثرةِ التحدث عنهم، ولا بالانتسابِ إليهم بالألقاب، وإنما بالسيرِ على قواعدِهم، والثباتِ على أصولِهم، ونصرةِ السنةِ كما نصروها، والذبِّ عنها كما ذبُّوا عنها، ولو غضبَ أهلُ الأهواءِ جميعًا.
فإيّاكَ إيّاكَ أن تكونَ جزءًا من هذه الضلالة، أو جسرًا تعبرُ عليه الشبهاتُ إلى قلوبِ الناس، أو صوتًا يُجمِّلُ الباطلَ ويُهوِّنُ الانحرافَ باسمِ الشهرةِ وكثرةِ الدروسِ والأتباع.
إيّاكَ أن تُطفئَ نورَ الدليلِ في قلبِك لأنَّ قائله مغمور، أو أن تردَّ الحقَّ لأنَّ الناطقَ به ليس من المشاهير، فإنَّ اللهَ لم يأمرْنا باتباعِ المشهورين، وإنما أمرَنا باتباعِ الحقِّ والثباتِ على الصراطِ المستقيم.
فالميزانُ الحقُّ ليس:
من الأشهر؟
ولا من الأكثرُ متابعين؟
ولا من الأعلى صوتًا؟
وإنما الميزان:
من الألزمُ للكتابِ والسنةِ بفهمِ السلفِ الصالح؟
فهذا هو طريقُ النجاة، ولو سلكَه القليل.
فاحذرْ أن تكونَ ممَّن باعوا عقولَهم للشهرة، وأغلقوا آذانَهم عن الحقِّ لأنَّ قائله مغمور، فإنَّ اللهَ لن يسألك يومَ القيامة: هل كان مشهورًا؟
ولكنه سيسألك: هل اتبعتَ الحقَّ أم اتبعتَ الرجال؟
وما ضرَّ أهلَ السنةِ أن جهلتْهم الجماهيرُ إذا كان اللهُ يعلمُ صدقَهم وثباتَهم، وما نفعَ أهلَ الأهواءِ تصفيقُ الأتباعِ إذا خالفوا سبيلَ السلف، وسلكوا مسالكَ التمييعِ والتحزُّب.
وإنَّ بعضَ الناسِ اليومَ لا يشاركُ في الباطلِ بلسانه فقط، بل بصمتِه المريب، أو بتخذيلِه لأهلِ الحق، أو بتسفيهِه للتحذيرِ من الانحراف، وكأنَّ السنةَ لا تُنصر، وكأنَّ العقيدةَ لا تُحمى، وكأنَّ الباطلَ إذا انتشرَ سقطَ الإثمُ عن الجميع!
كلا والله.
بل قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» رواه مسلم.
فيا لها من خسارة!
كلمةٌ يكتبُها المرءُ فيُفتنُ بها خلقٌ من الناس، أو موقفٌ يتخذه نصرةً لصاحبِ هوى، فيحملُ أوزارَه وأوزارَ من ضلَّ بسببه إلى يومِ القيامة.
فاحذرْ أن تبيعَ دينَك لأجلِ صداقة، أو جماعة، أو شهرة، أو عصبية، أو انتصارٍ للنفس، واحذرْ أن يُستدرجَ قلبُك شيئًا فشيئًا حتى يألفَ سماعَ الباطل، ثم الدفاعَ عنه، ثم الهجومَ على مخالفيه.
فإنَّ الفتنَ تبدأُ صغيرة، ثم تكبر، ويبدأُ الانحرافُ بخطوة، ثم يصيرُ طريقًا طويلًا من الظلمات.
وقد كان السلفُ رحمهم الله شديدي النفورِ من أهلِ البدع، لا قسوةً مجردة، ولكن حمايةً للدين، ورحمةً بالأمة، وخوفًا على القلوبِ من التلوثِ بالشبهات.
قال محمدُ بنُ سيرين رحمه الله: إنَّ هذا العلمَ دين، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم.
فلا تأخذْ دينَك من صاحبِ هوى، ولا ممن يُميعُ العقيدة، ولا ممن يلبسُ الحقَّ بالباطل، ولا ممن يجعلُ الولاءَ والبراءَ للأشخاصِ والجماعات، لا للحقِّ والسنة.
ومن العجائبِ المؤلمةِ أنَّ بعضَ هؤلاء إذا حضرَ للأكابرِ مجلسًا أو مجلسين، أو زكَّاه أحدُهم في موقفٍ عابر، ظنَّ نفسَه قد صارَ قرينًا للأئمةِ الكبار، يُنازعهم المنهج، ويُدافعُ عن المخالفين باسمِ (الفهم) و(البصيرة)، ثم إذا نُوقشَ بالأدلةِ والقواعدِ السلفيةِ المحكمةِ انتفخَ كِبرًا، وكأنَّه بلغَ رتبةَ الأكابرِ الذين شابتْ لحاهم في نصرةِ السنةِ والذبِّ عنها.
والأعجبُ من ذلك أنَّ هؤلاء لا يلتفتون إلى كلامِ الأئمةِ الأكابرِ الذين ملأتْ مواقفُهم الدنيا بيانًا للحق، وتحذيرًا من أهلِ الأهواءِ، ولا يُقيمون وزنًا لقواعدِهم التي أصلوها في معاملةِ المخالفين، وكشفِ أهلِ التمييعِ والتحزُّب.
مع أنَّهم كانوا بالأمسِ يتغنونَ بأسمائهم، ويستدلونَ بكلامِهم، فإذا وافقتْ القواعدُ أهواءَهم عظَّموها، وإذا أدانتْ أصحابَهم أعرضوا عنها وكأنهم لم يعرفوها قط!
فيا أخي، أليستْ تلك القواعدُ التي نحتكمُ إليها اليومَ هي مما تعلمناه من أكابرِ علمائنا؟
أليسوا هم الذين ربَّونا على تعظيمِ الدليل، وتقديمِ الحقِّ على الرجال، وعدمِ الاغترارِ بكثرةِ المتصدرين؟
لقد سردنا جملةً من الأدلةِ والوقائعِ والمخالفات، وطالبنا بالبيانِ الواضحِ والتراجعِ الصريح، فما وجدنا إلا التفلتَ والمراوغة، والكذبَ أحيانًا، والتلبيسَ أحيانًا أخرى، مع استمرارِ التهوينِ من الأخطاء، وكأنَّ المنهجَ لعبةٌ تُكيَّفُ بحسبِ الأشخاص.
فهنا يظهرُ معدنُك حقًا:
أتسيرُ خلفَ المشهورين لأنَّ لهم أتباعًا وضجيجًا ومنصات؟
أم تُعظِّمُ الدليلَ ولو خالفَ هواكَ وأصحابَك؟
أتجعلُ الحقَّ تابعًا للأسماء؟
أم تجعلُ الأسماءَ تُوزنُ بالحق؟
إنَّ الامتدادَ الحقيقيَّ للأكابرِ ليس بكثرةِ التحدث عنهم، ولا بالانتسابِ إليهم بالألقاب، وإنما بالسيرِ على قواعدِهم، والثباتِ على أصولِهم، ونصرةِ السنةِ كما نصروها، والذبِّ عنها كما ذبُّوا عنها، ولو غضبَ أهلُ الأهواءِ جميعًا.
فإيّاكَ إيّاكَ أن تكونَ جزءًا من هذه الضلالة، أو جسرًا تعبرُ عليه الشبهاتُ إلى قلوبِ الناس، أو صوتًا يُجمِّلُ الباطلَ ويُهوِّنُ الانحرافَ باسمِ الشهرةِ وكثرةِ الدروسِ والأتباع.
إيّاكَ أن تُطفئَ نورَ الدليلِ في قلبِك لأنَّ قائله مغمور، أو أن تردَّ الحقَّ لأنَّ الناطقَ به ليس من المشاهير، فإنَّ اللهَ لم يأمرْنا باتباعِ المشهورين، وإنما أمرَنا باتباعِ الحقِّ والثباتِ على الصراطِ المستقيم.
وإيّاكَ أن يُزيِّنَ لك الشيطانُ أنَّ كثرةَ المتابعين دليلُ نجاة، أو أنَّ التصدرَ والإعلامَ حجةٌ على صحةِ المنهج، فكم من صاحبِ باطلٍ ارتفعَ ذكرُه زمنًا ثم صارَ عبرةً للناس، وبقي أهلُ السنةِ ثابتين لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم.
قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: 32].
فاخترْ لنفسِك موقعَها:
إمَّا أن تكونَ مع الدليلِ حيثُ كان، تعظِّمُ السنةَ وتذبُّ عنها ولو كنتَ غريبًا بين الناس، وإمَّا أن تنقادَ خلفَ الأسماءِ والضجيجِ حتى تجدَ نفسَك يومًا وقد خالفتَ سبيلَ السلفِ وأنتَ تظنُّ أنَّك تُحسنُ صنعًا، فإيّاكَ إيّاكَ أن تكونَ جزءًا من هذه الضلالة.
اللهم يا مقلبَ القلوبِ ثبتْ قلوبَنا على دينِك، اللهم أرِنا الحقَّ حقًا وارزقنا اتباعَه، وأرِنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابَه، ولا تجعلنا ممن يَضلون ويُضلون، أو يَفتنون ويُفتنون؛ وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الثغر السكندري حرسه الله من الديار المصرية
الاثنين 8 ذو الحجة 1447 هـ.
قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: 32].
فاخترْ لنفسِك موقعَها:
إمَّا أن تكونَ مع الدليلِ حيثُ كان، تعظِّمُ السنةَ وتذبُّ عنها ولو كنتَ غريبًا بين الناس، وإمَّا أن تنقادَ خلفَ الأسماءِ والضجيجِ حتى تجدَ نفسَك يومًا وقد خالفتَ سبيلَ السلفِ وأنتَ تظنُّ أنَّك تُحسنُ صنعًا، فإيّاكَ إيّاكَ أن تكونَ جزءًا من هذه الضلالة.
اللهم يا مقلبَ القلوبِ ثبتْ قلوبَنا على دينِك، اللهم أرِنا الحقَّ حقًا وارزقنا اتباعَه، وأرِنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابَه، ولا تجعلنا ممن يَضلون ويُضلون، أو يَفتنون ويُفتنون؛ وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الثغر السكندري حرسه الله من الديار المصرية
الاثنين 8 ذو الحجة 1447 هـ.
