من المسائل التي يكثر الكلامُ حولها في يوم عرفة: ما يُسمِّيه الفقهاءُ بـ “التعريف” بغير عرفات، وهو اجتماعُ الناس في المساجد عشيةَ عرفة…
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبِه ومن والاه وبعد:
من المسائل التي يكثر الكلامُ حولها في يوم عرفة: ما يُسمِّيه الفقهاءُ بـ “التعريف” بغير عرفات، وهو اجتماعُ الناس في المساجد عشيةَ عرفة بعد العصر للدعاء والذكر وقراءة القرآن.
وهذه المسألة قد اختلف فيها السلفُ رحمهم الله؛ فمنهم من كرهها ومنعها، ومنهم من رخَّص فيها إذا خلت من الاعتقادات المحدثة والهيئات المبتدعة.
فقد كره ذلك الإمامُ مالك بن أنس، والإمامُ أبو حنيفة النعمان، وجماعةٌ من السلف؛ كإبراهيم النخعي والحكم وحماد ونافع مولى ابن عمر، ورأوا أنَّ تخصيصَ هذا الوقت باجتماعٍ مخصوص لم يُنقل عن عامة الصحابة قد يُفضي إلى إحداث شعيرةٍ تُضاهى بها مواقفُ الحج، وأنَّ الخيرَ كلَّه في لزوم هدي السلف والاقتصار على المشروع الثابت.
وفي المقابل؛ رُخِّص فيه عن جماعةٍ من أهل العلم، ونُقل عن عبد الله بن عباس أنَّه عرَّف بالبصرة، أي جلس يوم عرفة يذكِّر الناس ويدعو، وقال الإمامُ أحمد بن حنبل: “لا بأس به، إنما هو دعاء وذكر لله”، ومع هذا كلِّه لما قيل له: أتفعله أنت؟ قال: “أما أنا فلا”، وفي هذا من فقهه وورعه ما فيه؛ إذ لم يُشنِّع على من فعله، لكنه اختار لنفسه ما هو أبعد عن مواطن الخلاف وأقرب إلى اتباع الأثر.
فالذي يظهر ـ والله أعلم ـ أنَّ الجلوس في المسجد يوم عرفة للدعاء والذكر وقراءة القرآن لا حرج فيه إذا كان من غير اعتقاد خصوصيةٍ للهيئة، ولا التزام اجتماعٍ راتب، ولا ظنِّ أنَّ ذلك سنةٌ لازمة أو شبيهٌ بوقوف أهل عرفة، وإنما هو اغتنامٌ لفضل الزمان بالطاعة والذكر.
أما اتخاذ ذلك شعارًا متكررًا وهيئةً جماعيةً يُدعى الناس إليها كلَّ عام، حتى يظنَّ العامةُ أنَّها سنةٌ ثابتة، فهذا مما ينبغي تركُه والحذرُ منه؛ فإنَّ البدعَ تبدأ صغيرةً ثم لا تزال تكبر في النفوس حتى تُجعل من معالم الدين.
ومع هذا كله؛ فلا ينبغي أن ينشغل المسلمُ يومَ عرفة بالجدال في مثل هذه المسائل أكثر من انشغاله باغتنام اليوم نفسه؛ فإنَّ يومَ عرفة من أعظم أيام الدنيا، وهو داخلٌ في العشر التي أقسم الله بها في كتابه، وقد قال النبي ﷺ:
«خيرُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عرفة».
فأحيوا هذا اليوم بالتوحيد والتكبير والتهليل والتحميد، وأكثروا من قول: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير”، وألحُّوا على الله بالدعاء والتوبة والاستغفار.
وكم من عبدٍ جلس وحده في زاوية مسجدٍ أو في بيته، منكسرَ القلب، صادقَ اللجأ، ففُتحت له أبوابُ الرحمة والقبول!
وكم من آخرَ حضر المجالسَ والجموع، وقلبُه لاهٍ غافل، فلم يخرج إلا بالتعب!
فالزموا السنة، وعظِّموا شعائر الله، واشتغلوا بإصلاح القلوب؛ فإنَّ العبرة بالإخلاص، والمتابعة قال تعالى ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. والله أعلم وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه الإسكندرية عشية عرفة ١٤٤٧ هجرية
من المسائل التي يكثر الكلامُ حولها في يوم عرفة: ما يُسمِّيه الفقهاءُ بـ “التعريف” بغير عرفات، وهو اجتماعُ الناس في المساجد عشيةَ عرفة بعد العصر للدعاء والذكر وقراءة القرآن.
وهذه المسألة قد اختلف فيها السلفُ رحمهم الله؛ فمنهم من كرهها ومنعها، ومنهم من رخَّص فيها إذا خلت من الاعتقادات المحدثة والهيئات المبتدعة.
فقد كره ذلك الإمامُ مالك بن أنس، والإمامُ أبو حنيفة النعمان، وجماعةٌ من السلف؛ كإبراهيم النخعي والحكم وحماد ونافع مولى ابن عمر، ورأوا أنَّ تخصيصَ هذا الوقت باجتماعٍ مخصوص لم يُنقل عن عامة الصحابة قد يُفضي إلى إحداث شعيرةٍ تُضاهى بها مواقفُ الحج، وأنَّ الخيرَ كلَّه في لزوم هدي السلف والاقتصار على المشروع الثابت.
وفي المقابل؛ رُخِّص فيه عن جماعةٍ من أهل العلم، ونُقل عن عبد الله بن عباس أنَّه عرَّف بالبصرة، أي جلس يوم عرفة يذكِّر الناس ويدعو، وقال الإمامُ أحمد بن حنبل: “لا بأس به، إنما هو دعاء وذكر لله”، ومع هذا كلِّه لما قيل له: أتفعله أنت؟ قال: “أما أنا فلا”، وفي هذا من فقهه وورعه ما فيه؛ إذ لم يُشنِّع على من فعله، لكنه اختار لنفسه ما هو أبعد عن مواطن الخلاف وأقرب إلى اتباع الأثر.
فالذي يظهر ـ والله أعلم ـ أنَّ الجلوس في المسجد يوم عرفة للدعاء والذكر وقراءة القرآن لا حرج فيه إذا كان من غير اعتقاد خصوصيةٍ للهيئة، ولا التزام اجتماعٍ راتب، ولا ظنِّ أنَّ ذلك سنةٌ لازمة أو شبيهٌ بوقوف أهل عرفة، وإنما هو اغتنامٌ لفضل الزمان بالطاعة والذكر.
أما اتخاذ ذلك شعارًا متكررًا وهيئةً جماعيةً يُدعى الناس إليها كلَّ عام، حتى يظنَّ العامةُ أنَّها سنةٌ ثابتة، فهذا مما ينبغي تركُه والحذرُ منه؛ فإنَّ البدعَ تبدأ صغيرةً ثم لا تزال تكبر في النفوس حتى تُجعل من معالم الدين.
ومع هذا كله؛ فلا ينبغي أن ينشغل المسلمُ يومَ عرفة بالجدال في مثل هذه المسائل أكثر من انشغاله باغتنام اليوم نفسه؛ فإنَّ يومَ عرفة من أعظم أيام الدنيا، وهو داخلٌ في العشر التي أقسم الله بها في كتابه، وقد قال النبي ﷺ:
«خيرُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عرفة».
فأحيوا هذا اليوم بالتوحيد والتكبير والتهليل والتحميد، وأكثروا من قول: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير”، وألحُّوا على الله بالدعاء والتوبة والاستغفار.
وكم من عبدٍ جلس وحده في زاوية مسجدٍ أو في بيته، منكسرَ القلب، صادقَ اللجأ، ففُتحت له أبوابُ الرحمة والقبول!
وكم من آخرَ حضر المجالسَ والجموع، وقلبُه لاهٍ غافل، فلم يخرج إلا بالتعب!
فالزموا السنة، وعظِّموا شعائر الله، واشتغلوا بإصلاح القلوب؛ فإنَّ العبرة بالإخلاص، والمتابعة قال تعالى ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. والله أعلم وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه الإسكندرية عشية عرفة ١٤٤٧ هجرية
