الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

أنا أحتاج إلى حساب بنكي، وهنا في ألمانيا توجد بنك إسلامي كبديل عن البنوك الربوية. لكن البنك الإسلامي هو بنك إلكتروني فقط، وفتح الحساب…

٢٩ صفر ١٤٤٧ هـ٢٣ أغسطس ٢٠٢٥
الفتاوىالرقائق والآداب
السؤال الثامن والثمانون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظكم الله شيخنا الفاضل، عندي سؤال لدي مهم جدًا، فهذا هو سؤالي:
أنا أحتاج إلى حساب بنكي، وهنا في ألمانيا توجد بنك إسلامي كبديل عن البنوك الربوية. لكن البنك الإسلامي هو بنك إلكتروني فقط، وفتح الحساب كان صعبًا، حيث لم تنجح بعض الإجراءات. ومن الغضب وفقدان الثقة في هذا البنك، لأنه جديد نسبيًا وليس على مستوى عالٍ من الحداثة، تركت الأمر وفتحت حساب جاري في بنك ربوي، ولكن هذا الحساب مبني على أساس الرصيد، أي أنه من المفترض ألا أدخل في السحب على المكشوف.
وأنا أيضًا لا أحصل على أي فوائد ربوية.
الآن عندي بعض المسائل:
١. هل ارتكبت إثمًا عندما فتحت الحساب في البنك الربوي بسبب قلة الثقة وعدم حداثة البنك الإسلامي، بدلاً من الصبر على التعامل معه؟
٢. عند فتح الحساب، سألت الموظفة هل هناك إمكانية فعلًا أن أدخل في السحب على المكشوف، فأخبرتني أنه لا يمكن ذلك، وأنه لا توجد فوائد ربوية في هذا الحساب لأنه حساب على الرصيد فقط. لكن بعد فتح الحساب أخبرني أحد أصحابي أنه يمكن الدخول في السحب على المكشوف في حالة معينة، وهي إذا اشتريت شيئًا عبر الإنترنت بمبلغ مثلاً ٢٠ يورو ولم يُخصم المبلغ مباشرةً، بل بعد يوم أو يومين. وعلى سبيل المثال في هذه الفترة كنت أظن أن المبلغ قد خُصم، وبقي عندي ٢٠ يورو في الحساب. ثم اشتريت شيئًا آخر مثلاً بخمسة يورو، فأصبح الرصيد ١٥ يورو، وبعد يوم خُصم المبلغ السابق وصار الحساب ناقص خمسة يورو (أي خمسة يورو تحت الصفر)، وهنا يتم فرض فوائد جزائية على هذا المبلغ السلبي. وهذه الفوائد لا تحدث إلا في هذه الحالة فقط كما أعلم، وإلا فهو حساب رصيد عادي.
لم أكن أعلم بهذه المسألة من قبل. فهل يجب عليّ أن ألغي هذا الحساب وأفتح حسابًا في البنك الإسلامي، أم يجوز لي الإبقاء عليه إذا التزمت بعدم الدخول في السحب على المكشوف؟ أرجو منكم أن تجيبوا على سؤالي بالدليل.
جزاكم الله خيرًا على وقتكم وصبركم، وأسأل الله أن يرفع قدركم ويبارك في علمكم، وأعتذر عن الإطالة وكثرة التفاصيل.
الحمد لله:
‌إن ‌تحريم ‌الربا لا يخفى على أحد من المسلمين، قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275]،
وقال تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]. ولكن الشيطان زيَّن لكثير من الناس الحيل، فسمّوا الربا بغير اسمه، ولبَّسوا على الناس صورًا جديدة، حتى يظنوا أنهم قد نجوا، وما نَجَوا! وللأسف وقع فيها الكثير من المسلمين من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون، ومنها ما جاء في السؤال.
وعليه، فاعلم أن الأصل أنه لا ينبغي على المسلم أن يتعامل مع البنوك الربوية إلا لضرورة أو حاجة معتبرة، كحفظ المال أو استلام الراتب أو إجراء معاملات لا تقوم إلا بذلك.
فإذا كان عندك بديل إسلامي موثوق، فالواجب تقديمه والصبر عليه، ولو كان أضعف في خدماته؛ لأن السلامة من الربا لا يعدلها شيء، وعملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: « ‌دَعْ ‌مَا ‌يَرِيبُكَ ‌إِلَى ‌مَا ‌لَا ‌يَرِيبُكَ » أخرجه الترمذي والنسائي وغيرهما وهو: (صحيح) ، وقوله عليه الصلاة والسلام: « فَمَنْ اتَّقَى ‌الشُّبُهَاتِ ‌فَقَدْ ‌اسْتَبْرَأَ ‌لِدِينِهِ ‌وَعِرْضِهِ» متفق عليه، ولكن حيث إنك لم تجد ثقة في البنك "الإسلامي" المذكور، وكان فتح الحساب في البنك الربوي لحاجة ملحّة (حفظ المال، إجراء المعاملات، استلام راتب… إلخ) من غير قصدٍ للتعامل بالربا، فلا إثم عليك في أصل الفتح، ما دمت ملتزمًا بالاقتصار على الحساب الجاري من غير فائدة، والدليل: قول الله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119].
والعلماء قرروا قاعدة وهي: ( ‌الحاجة العامة تنزل ‌منزلة ‌الضرورة الخاصة) وثمرة هذه القاعدة: فكما أن الضرورة تُجَوِّز كثيرًا من المحرمات للفرد المضطر، وتقتضي عددًا من التسهيلات والتخفيف له - والضرورة تقدر بقدرها، وتستدعى وجود حكم لها - فكذلك الحاجة العامة؛ فإذا كانت هناك حاجة عامة للناس، فإنها كذلك تفتح العديد من التسهيلات والتخفيف، كمثل مسألتنا هذه بضوابطها.
٢. مسألة السحب على المكشوف والفوائد:
ما ذكرته من إمكانية دخول الحساب في سالب (تحت الصفر) في حال تأخر الخصم، هذا قرض ربوي صريح، فمهما سمّوه (رسوم تأخير، فوائد جزائية، خدمات مصرفية) – فهو في حقيقته قرض ربوي، وهذا من جنس ما أخبر الله به عن بني إسرائيل: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [النساء:161]، لأنه اقتراض من البنك بفائدة مشروطة؛ فلا يجوز للمسلم الدخول فيه، لكن إن وقع بغير قصد منك (لجهل أو خطأ)، فأنت غير آثم على الماضي، لكن عليك الحذر مستقبلًا.
الحل: أن تراقب رصيدك بدقة، ولا تشتري إلا وأنت متيقن من وجود الرصيد الكافي، ويمكنك أن تجعل الحساب "مغلقًا على السحب على المكشوف بطلب رسمي من البنك، بحيث لا يتم تنفيذ أي عملية إذا لم يكن هناك رصيد. هذا حل عملي ممتاز يقيك من الوقوع في الربا بلا قصد.
وإن حصل أن وقع الحساب في السالب وفرضت عليك فوائد، فعليك التوبة والاستغفار، ودفع المبلغ، ثم عدم العود. ولا تنتفع بتلك الفوائد أبدًا.
٣. هل يجب عليك إلغاء الحساب؟
إن كان البنك "الإسلامي" بالفعل يقدم حسابًا مطابقًا للضوابط الشرعية، فالواجب عليك الانتقال إليه، ولو مع بعض المشقة.
أما إن كان غير موثوق أو فيه شبهات، فابقَ على الحساب الجاري في البنك الربوي مع التزام الحذر الشديد من السحب على المكشوف، ولا إثم عليك إن شاء الله. والله أعلم.
من ضمن (الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)

مواد ذات صلة