الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

زَوِّجُوا الشَّبَابَ حَتَّى لَا يُقَالَ: مَاتَ أَعْزَبًا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ

٢ محرم ١٤٤٨ هـ١٧ يونيو ٢٠٢٦
المقالاتالأسرة والمرأةالفقه والأحكام
مقال الأسبوع:
(زَوِّجُوا الشَّبَابَ حَتَّى لَا يُقَالَ: مَاتَ أَعْزَبًا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن من المؤلمات التي باتت تتكرر في مجتمعات المسلمين أن يُدرك الشابُّ سنَّ الرجولة، ويشتدَّ عوده، وتكتمل أسباب حاجته إلى الزواج، ثم تمرُّ عليه السنوات الطويلة وهو يطرق الأبواب فلا تُفتح له، ويسعى في الحلال فلا يُعان عليه، حتى يُقال بعد موته: مات أعزبًا.

وإنها لكلمة موجعة أن يُدفن الشاب في بلاد الإسلام وقد حُرم من سنة الأنبياء، وعاش سنوات شبابه يصارع الفتن والشهوات والوحدة، لا لعجزٍ منه عن العفة، ولا لزهدٍ منه في الزواج، ولكن لأن المجتمع قد أثقل هذا الباب بالعوائق والتكاليف والمظاهر التي ما أنزل الله بها من سلطان.

لقد رغَّب الإسلام في الزواج ترغيبًا عظيمًا، وجعله من سنن المرسلين، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: 38]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. وقال سبحانه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: 74]. وقال سبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 32].
فأمر الله الأولياء والمجتمع بإعانة غير المتزوجين على النكاح، ولم يجعل الفقر مانعًا من ذلك، بل وعد بالغنى والإعانة والتيسير.

وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج».

فانظر كيف وجَّه النبي صلى الله عليه وسلم الخطاب إلى الشباب خاصة؛ لأنهم أحوج الناس إلى هذه العبادة العظيمة التي تحفظ الدين والعرض والأخلاق.

ومن المؤسف أن بعض الأولياء اليوم يبحثون عن كل شيء إلا الدين والخلق، فتُرفع المهور، وتُكثر الشروط، وتُرهق الأسر بالولائم والمظاهر، حتى صار الزواج عند كثير من الشباب مشروعًا عسيرًا يحتاج إلى سنوات طويلة من الكدح والديون.

وقد كان السلف رحمهم الله أبعد الناس عن هذا المسلك؛ لأنهم كانوا يدركون أن المقصود من الزواج العفة والاستقرار وبناء الأسرة المسلمة، لا التفاخر والتكاثر بالمظاهر.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لا تغالوا في صدَقاتِ النِّساءِ فإنَّها لو كانت مَكرمةً في الدُّنيا أو تقوى عندَ اللَّهِ لكانَ أولاكم بِها نبِيُّ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ) أخرجه أحمد وأصحاب السنن وصححه الألباني في (صحيح أبي داود) [رقم: 2106]، وكان السلف يستحبون تيسير النكاح ويكرهون تعسيره.

وإن الواجب على الآباء والأمهات والأولياء أن يتقوا الله في بناتهم وأبنائهم، وأن يعلموا أن من أعظم البر والإحسان إعفاف الشباب، لا صدهم عن الحلال حتى تتخطفهم الفتن من كل جانب.

كما أن على أهل الخير وأصحاب الأموال والتجار والدعاة وطلاب العلم أن يسهموا في مشروعات تزويج الشباب، وأن يجعلوا ذلك من أبواب الصدقات الجارية؛ فإن إعفاف مسلم، وحفظ دينه، وصيانة عرضه، من أجلِّ القربات إلى الله تعالى.

إن المجتمع الذي ييسِّر الزواج يحفظ أبناءه وبناته، ويغلق أبواب الفواحش والانحراف، ويُنشئ أجيالًا مستقرة مطمئنة، أما المجتمع الذي يعسِّر الحلال فلا يملك أن يمنع الناس من الوقوع في الفتن.

فيا أولياءَ الأمور، اتقوا الله في أبنائكم وبناتكم، ولا تجعلوا بين الشباب وبين العفاف حُجُبًا من العادات، ولا أبوابًا من التكاليف والمغالاة، فإنكم مؤتمنون على من تحت أيديكم، ومسؤولون أمام الله عن رعيتكم. زوِّجوا أبناءكم وبناتكم إذا ظهر دينهم وحسن خلقهم، ولا تؤخروا الخير انتظارًا لكمالٍ لا يكون، ولا تطلبوا من الدنيا ما لم يطلبه الشرع الحكيم. فما أكثرَ شابٍّ صالحٍ ردَّته الشروط، وأرهقته المؤن، وأعجزته التكاليف، وهو يتقلب بين رغبةٍ في الحلال وخوفٍ من الفتنة.

ويا أصحاب الأموال والإحسان، يا من وسَّع الله عليكم من فضله، اعلموا أن من أعظم أبواب الصدقة وأجلِّ القربات إعفافَ الشباب وتيسيرَ النكاح لهم؛ فإنك قد تبني مسجدًا فيصلي فيه الناس، وقد تطبع كتابًا فينتفع به القراء، ولكنك إذا أعنت شابًّا على الزواج فقد حفظت دينًا، وصنت عرضًا، وأغلقت بابًا من أبواب الفتنة، وأسهمت في بناء بيتٍ مسلمٍ يُذكر فيه الله بالغدو والآصال.
ويا شباب الإسلام، يا من أحاطت بكم الفتن من كل جانب، تمسَّكوا بالعفة، والزَموا الصبر، وغضوا الأبصار، واحفظوا الجوارح، وخذوا بأسباب الرزق الحلال، وأحسنوا الظن بربكم؛ فإن الله لا يضيع من صدق معه، ولا يخذل من استعفَّ ابتغاء مرضاته، وقد وعد سبحانه بالإغناء والإعانة فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 32].

ثم لنتعاون جميعًا على إحياء هذه السنة المباركة، ولنجعل تيسير الزواج همًّا مشتركًا ومسؤوليةً جماعية، تتضافر فيها جهود الآباء والأمهات، والعلماء والدعاة، والأغنياء والمحسنين، حتى تعود بيوت المسلمين عامرةً بالطهر والعفاف، ويعود الزواج بابًا ميسورًا كما كان في خير القرون.

فما أقسى أن يبلغ الشاب أشدَّه، ثم يذبل شبابه بين الأمنيات المؤجلة والعوائق المفتعلة! وما أشد وقعها على القلوب حين يُحمل إلى قبره، ويُوارى تحت التراب، وقد انقضى عمره وهو يتطلع إلى بيتٍ يؤويه، وزوجةٍ تعفه، وذريةٍ تقر بها عينه، ثم يُقال في أسىً وحسرة: (مات أعزبًا في بلاد المسلمين).

أيُّ حسرةٍ هذه على مجتمعٍ يكثر فيه المال وتقل فيه البركة؟! وأيُّ ألمٍ هذا أن يُفتح للشباب كل بابٍ إلا باب الحلال؟! وأيُّ مصيبةٍ أعظم من أن تُيسَّر أسباب الفتنة وتُعسَّر أسباب العفة؟!

فاللهم يسِّر الزواج لشباب المسلمين، وألِّف بين قلوبهم، وأغنهم من فضلك، وأعن أولياء الأمور على القيام بحقوق من تحت أيديهم، واجعل بيوت المسلمين عامرةً بالإيمان والطاعة والمودة والرحمة، حتى لا يُسمع في أمتنا ذلك النداء الحزين، ولا تتردد على الألسنة تلك العبارة الموجعة:
(مات أعزبًا في بلاد المسلمين).
بل يقال: عاش عفيفًا، ومات على سنة النبيين، وخلف ذريةً صالحةً تدعو له إلى يوم الدين، نسأل الله أن ييسِّر الزواج لشباب المسلمين، وأن يعفَّ رجالهم ونساءهم، وأن يبارك في بيوتهم وذرياتهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه؛ وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية ليلة الأحد 21 ذو الحجة 1447هـ

مواد ذات صلة