الدرس الثالث: من دروس (حبك القصائد)
الدرس الثالث: من دروس (حبك القصائد):
قال الناظم:
غَرامِي (صَحيحٌ) والرَّجَا فيك (مُعْضَلُ) … وحُزني ودَمْعي (مُرْسَلٌ) و (مُسَلْسَلُ)
وقد تقدم في الدرس الماضي الكلام على النوع الثاني بحسب ترتيب الناظم في قصيدته، وهو: الحديث المعضل، وبُيِّن معناه وما يتعلق به من أحكام وأمثلة.
ونشرع اليوم - بعون الله وتوفيقه - في بيان النوع الثالث، وهو:
(الحديث المرسل):
اعلم علمني الله وإياك – أنَّ من أنواع الحديث التي كثر فيها البحث، وتباينت فيها أنظار العلماء: الحديثَ المُرسَل؛ إذ ترتَّب على الخلاف في حجيته آثارٌ فقهية وأصولية عديدة، واختلفت بسببه أحكامٌ في أبواب متنوعة من الفقه.
وفي هذا البحث المختصر بيانُ معنى الحديث المُرسَل لغةً واصطلاحًا، وذكرُ مذاهب العلماء في الاحتجاج به، ثم الإشارة إلى أهم آثاره الفقهية.
أولًا: تعريف المُرسَل لغةً:
المُرسَل بفتح السين اسم مفعول من الإرسال، وهو الإطلاق وعدم المنع، يقال: أرسلت الشيءَ إذا أطلقته وخلَّيت سبيله، ومنه: ناقةٌ مرسال؛ أي: سريعة السير، منطلقة لا تُحبس ولا تُمنع.
فكأن الحديث المُرسَل قد أُطلق من غير قيد الاتصال، فسقط منه بعضُ الإسناد.
ثانيًا: تعريف المُرسَل اصطلاحًا:
اختلفت عبارات العلماء في تعريفه بحسب اختلاف اصطلاح المحدِّثين والأصوليين.
1- المُرسَل عند الفقهاء والأصوليين:
عرَّفه جمهور الأصوليين بأنه: ما رواه مَن لم يلقَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بصيغة الجزم، كأن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فعل، أو أقرَّ.
فيدخل في ذلك التابعي، وتابعي التابعي، ومن بعدهم، صغيرًا كان أو كبيرًا.
ولهذا قال الشوكاني رحمه الله في (إرشاد الفحول) [ص: 173]: («وَأَمَّا جُمْهُورُ أَهْلِ الْأُصُولِ فَقَالُوا: الْمُرْسَلُ، قَوْلُ مَنْ لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ التَّابِعِينَ أَوْ مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ » اهـ.
وعلى هذا الاصطلاح يكون المُرسَل شاملًا لأنواعٍ أخرى من الانقطاع؛ كالمنقطع والمُعضَل.
2- المُرسَل عند المحدِّثين:
أما جمهور المحدِّثين فقد خصُّوا المُرسَل بصورةٍ أضيق، فقالوا: هو ما رفعه التابعيُّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير.
وهو اختيار الحاكم وغيره، فقد قال في: (معرفة علوم الحديث) [ص: 25]: «فَإِنَّ مَشَايِخَ الْحَدِيثِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ هُوَ الَّذِي يَرْوِيهِ الْمُحَدِّثُ بِأَسَانِيدَ مُتَّصِلَةً إِلَى التَّابِعِيِّ فَيَقُولُ التَّابِعِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» اهـ
وصورتُه أن يقول التابعي:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو فعل كذا، أو فُعل بحضرته كذا.
سواء أكان التابعي كبيرًا كـسعيد بن المسيب، أم صغيرًا كالحسن البصري وقتادة.
قال الحافظ ابن الصلاح في (المقدمة) [ص: 51]: « وصورته التي لا خلاف فيها: حديث التابعي الكبير الذي قد أدرك جماعة من الصحابة وجالسهم، كعبيد الله بن عدي بن الخيار، ثم سعيد بن المسيب، وأمثالهما، إذا قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » اهـ.
ثالثًا: محلُّ الخلاف في المُرسَل:
ذهب جماعةٌ من العلماء، ومنهم الشوكاني، إلى أن محلَّ النزاع إنما هو المُرسَل باصطلاح المحدِّثين، وهو: رواية التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرةً، فقال بعد تعريفه المُرسَل باصطلاح الأصوليين: (وإطلاق المُرسَل على هذا وإن كان اصطلاحًا ولا مشاحة فيه، لكن محل الخلاف هو المُرسَل باصطلاح أهل الحديث) اهـ.
غير أن ظاهر كلام كثير من الأصوليين والحنفية يدل على أن الخلاف أوسع من ذلك، وأنه جارٍ على المُرسَل بالمعنى الأصولي العام.
وعلى هذا؛ فمَن احتجَّ بالمُرسَل (بالاصطلاح الأصولي) احتجَّ كذلك بالمنقطع والمُعضَل (في اصطلاح أهل الحديث) إذا توفرت فيهما شروط القبول عندهم.
رابعاً: مذاهب العلماء في الاحتجاج بالحديث المُرسَل:
اختلف العلماء في الاحتجاج بالمُرسَل اختلافًا واسعًا، حتى بلغت الأقوال فيه نحو عشرة مذاهب، وأشهرها ثلاثة:
القول الأول: أن المُرسَل ليس بحجة؛ وهو مذهب الإمام الشافعي، وجمهور المحدِّثين، وكثير من الأصوليين.
واستدلوا على ذلك بأن الراوي الساقط من الإسناد مجهول، والمجهول لا تُقبل روايته؛ لأن شرط قبول الخبر معرفةُ عدالة الراوي وضبطه.
فإذا كان الراوي المسمَّى المجهول لا يُقبل حديثه، فالمحذوف الذي جُهلت عينُه وحالُه أولى بالرد.
ولهذا قال الحافظ ابن كثير كما في (الباعث الحثيث) [ص: 48] «وقد ذكر مسلم في مقدمة كتابه " أن المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة " وكذا حكاه ابن عبد البر عن جماعة أصحاب الحديث.
قال الناظم:
غَرامِي (صَحيحٌ) والرَّجَا فيك (مُعْضَلُ) … وحُزني ودَمْعي (مُرْسَلٌ) و (مُسَلْسَلُ)
وقد تقدم في الدرس الماضي الكلام على النوع الثاني بحسب ترتيب الناظم في قصيدته، وهو: الحديث المعضل، وبُيِّن معناه وما يتعلق به من أحكام وأمثلة.
ونشرع اليوم - بعون الله وتوفيقه - في بيان النوع الثالث، وهو:
(الحديث المرسل):
اعلم علمني الله وإياك – أنَّ من أنواع الحديث التي كثر فيها البحث، وتباينت فيها أنظار العلماء: الحديثَ المُرسَل؛ إذ ترتَّب على الخلاف في حجيته آثارٌ فقهية وأصولية عديدة، واختلفت بسببه أحكامٌ في أبواب متنوعة من الفقه.
وفي هذا البحث المختصر بيانُ معنى الحديث المُرسَل لغةً واصطلاحًا، وذكرُ مذاهب العلماء في الاحتجاج به، ثم الإشارة إلى أهم آثاره الفقهية.
أولًا: تعريف المُرسَل لغةً:
المُرسَل بفتح السين اسم مفعول من الإرسال، وهو الإطلاق وعدم المنع، يقال: أرسلت الشيءَ إذا أطلقته وخلَّيت سبيله، ومنه: ناقةٌ مرسال؛ أي: سريعة السير، منطلقة لا تُحبس ولا تُمنع.
فكأن الحديث المُرسَل قد أُطلق من غير قيد الاتصال، فسقط منه بعضُ الإسناد.
ثانيًا: تعريف المُرسَل اصطلاحًا:
اختلفت عبارات العلماء في تعريفه بحسب اختلاف اصطلاح المحدِّثين والأصوليين.
1- المُرسَل عند الفقهاء والأصوليين:
عرَّفه جمهور الأصوليين بأنه: ما رواه مَن لم يلقَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بصيغة الجزم، كأن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فعل، أو أقرَّ.
فيدخل في ذلك التابعي، وتابعي التابعي، ومن بعدهم، صغيرًا كان أو كبيرًا.
ولهذا قال الشوكاني رحمه الله في (إرشاد الفحول) [ص: 173]: («وَأَمَّا جُمْهُورُ أَهْلِ الْأُصُولِ فَقَالُوا: الْمُرْسَلُ، قَوْلُ مَنْ لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ التَّابِعِينَ أَوْ مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ » اهـ.
وعلى هذا الاصطلاح يكون المُرسَل شاملًا لأنواعٍ أخرى من الانقطاع؛ كالمنقطع والمُعضَل.
2- المُرسَل عند المحدِّثين:
أما جمهور المحدِّثين فقد خصُّوا المُرسَل بصورةٍ أضيق، فقالوا: هو ما رفعه التابعيُّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير.
وهو اختيار الحاكم وغيره، فقد قال في: (معرفة علوم الحديث) [ص: 25]: «فَإِنَّ مَشَايِخَ الْحَدِيثِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ هُوَ الَّذِي يَرْوِيهِ الْمُحَدِّثُ بِأَسَانِيدَ مُتَّصِلَةً إِلَى التَّابِعِيِّ فَيَقُولُ التَّابِعِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» اهـ
وصورتُه أن يقول التابعي:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو فعل كذا، أو فُعل بحضرته كذا.
سواء أكان التابعي كبيرًا كـسعيد بن المسيب، أم صغيرًا كالحسن البصري وقتادة.
قال الحافظ ابن الصلاح في (المقدمة) [ص: 51]: « وصورته التي لا خلاف فيها: حديث التابعي الكبير الذي قد أدرك جماعة من الصحابة وجالسهم، كعبيد الله بن عدي بن الخيار، ثم سعيد بن المسيب، وأمثالهما، إذا قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » اهـ.
ثالثًا: محلُّ الخلاف في المُرسَل:
ذهب جماعةٌ من العلماء، ومنهم الشوكاني، إلى أن محلَّ النزاع إنما هو المُرسَل باصطلاح المحدِّثين، وهو: رواية التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرةً، فقال بعد تعريفه المُرسَل باصطلاح الأصوليين: (وإطلاق المُرسَل على هذا وإن كان اصطلاحًا ولا مشاحة فيه، لكن محل الخلاف هو المُرسَل باصطلاح أهل الحديث) اهـ.
غير أن ظاهر كلام كثير من الأصوليين والحنفية يدل على أن الخلاف أوسع من ذلك، وأنه جارٍ على المُرسَل بالمعنى الأصولي العام.
وعلى هذا؛ فمَن احتجَّ بالمُرسَل (بالاصطلاح الأصولي) احتجَّ كذلك بالمنقطع والمُعضَل (في اصطلاح أهل الحديث) إذا توفرت فيهما شروط القبول عندهم.
رابعاً: مذاهب العلماء في الاحتجاج بالحديث المُرسَل:
اختلف العلماء في الاحتجاج بالمُرسَل اختلافًا واسعًا، حتى بلغت الأقوال فيه نحو عشرة مذاهب، وأشهرها ثلاثة:
القول الأول: أن المُرسَل ليس بحجة؛ وهو مذهب الإمام الشافعي، وجمهور المحدِّثين، وكثير من الأصوليين.
واستدلوا على ذلك بأن الراوي الساقط من الإسناد مجهول، والمجهول لا تُقبل روايته؛ لأن شرط قبول الخبر معرفةُ عدالة الراوي وضبطه.
فإذا كان الراوي المسمَّى المجهول لا يُقبل حديثه، فالمحذوف الذي جُهلت عينُه وحالُه أولى بالرد.
ولهذا قال الحافظ ابن كثير كما في (الباعث الحثيث) [ص: 48] «وقد ذكر مسلم في مقدمة كتابه " أن المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة " وكذا حكاه ابن عبد البر عن جماعة أصحاب الحديث.
وقال ابن الصلاح: وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه، هو الذي استقر عليه آراء جماعة حفاظ الحديث ونقاد الأثر، وتداولوه في تصانيفهم. قال: والاحتجاج به مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما في طائفة. والله أعلم» اهـ.
غير أن الإمام الشافعي رحمه الله لم يردَّ كلَّ مرسل بإطلاق، بل قَبِل بعض المراسيل إذا عضدتها القرائن:
• كأن يُروى الحديث من وجهٍ آخر.
• أو يوافقه قولُ صحابي.
• أو يُعرف أن المرسِل لا يرسل إلا عن ثقة.
القول الثاني: أن المُرسَل حجة، لكن المتصل أقوى منه ويقدم المتصل عليه عند التعارض: وهو مذهب جماعةٍ من الفقهاء والأصوليين.
وخلاصته: أن الحديث المُرسَل يُعمل به إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه، فإن عارضه حديثٌ متصل قُدِّم المتصل؛ لأن الاتصال مزيةٌ تقوِّي الخبر وترفع الجهالة عن رواته.
واحتج أصحاب هذا القول بأن التابعي العدل لا يجزم بنسبة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا كان قد أخذه عن ثقة، وإلا لكان ذلك نوعًا من التدليس القادح في عدالته، وحجة تقديم المتصل عليه واضحة؛ لأرجحية الاتصالِ على الإرسال.
القول الثالث: أن المُرسَل حجة، ويُقدَّم المرسل على المتصل عند التعارض: وهو مذهب لبعض الحنفية وغيرهم.
وحجتهم أن الراوي إذا حذف الواسطة وجزم بالرواية، فكأنه قد تكفَّل بعدالة مَن أسقطه، بخلاف مَن وصل السند؛ فإنه أحالك على البحث في أحوال الرجال.
كما استدلوا بعمل السلف، وأن التابعين كانوا يرسلون الأحاديث ويحتجون بها من غير نكير، وبقبول الصحابة رضي الله عنهم روايات ابن عباس مع كثرة ما كان يرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا... ويتبيَّن مما سبق أن الحديث المُرسَل من أدقِّ مباحث علوم الحديث وأشدِّها أثرًا في الفقه والأصول، وأن اختلاف العلماء في الاحتجاج به لم يكن ناشئًا عن تهاونٍ في إعمال السُّنَّة، بل عن اختلافٍ في تقدير القرائن الموجبة للقبول أو الرد.
فجمهور المحدِّثين على ردِّ المُرسَل لوجود الانقطاع والجهالة، بينما قبِله آخرون اعتمادًا على عدالة المرسِل وغلبةِ الظنِّ بأنه لا يروي إلا عن ثقة.
وقد ترتب على هذا الخلاف اختلافٌ في عدد من الفروع الفقهية، مما يدل على عظيم أثر قواعد الحديث في استنباط الأحكام الشرعية.
ونسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يجعلنا من أهل السنة المتبعين لآثار النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
بلال بن عبدالغني السالمي
يتبع ... إن شاء الله
٢٠ ذو القعدة ١٤٤٧
غير أن الإمام الشافعي رحمه الله لم يردَّ كلَّ مرسل بإطلاق، بل قَبِل بعض المراسيل إذا عضدتها القرائن:
• كأن يُروى الحديث من وجهٍ آخر.
• أو يوافقه قولُ صحابي.
• أو يُعرف أن المرسِل لا يرسل إلا عن ثقة.
القول الثاني: أن المُرسَل حجة، لكن المتصل أقوى منه ويقدم المتصل عليه عند التعارض: وهو مذهب جماعةٍ من الفقهاء والأصوليين.
وخلاصته: أن الحديث المُرسَل يُعمل به إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه، فإن عارضه حديثٌ متصل قُدِّم المتصل؛ لأن الاتصال مزيةٌ تقوِّي الخبر وترفع الجهالة عن رواته.
واحتج أصحاب هذا القول بأن التابعي العدل لا يجزم بنسبة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا كان قد أخذه عن ثقة، وإلا لكان ذلك نوعًا من التدليس القادح في عدالته، وحجة تقديم المتصل عليه واضحة؛ لأرجحية الاتصالِ على الإرسال.
القول الثالث: أن المُرسَل حجة، ويُقدَّم المرسل على المتصل عند التعارض: وهو مذهب لبعض الحنفية وغيرهم.
وحجتهم أن الراوي إذا حذف الواسطة وجزم بالرواية، فكأنه قد تكفَّل بعدالة مَن أسقطه، بخلاف مَن وصل السند؛ فإنه أحالك على البحث في أحوال الرجال.
كما استدلوا بعمل السلف، وأن التابعين كانوا يرسلون الأحاديث ويحتجون بها من غير نكير، وبقبول الصحابة رضي الله عنهم روايات ابن عباس مع كثرة ما كان يرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا... ويتبيَّن مما سبق أن الحديث المُرسَل من أدقِّ مباحث علوم الحديث وأشدِّها أثرًا في الفقه والأصول، وأن اختلاف العلماء في الاحتجاج به لم يكن ناشئًا عن تهاونٍ في إعمال السُّنَّة، بل عن اختلافٍ في تقدير القرائن الموجبة للقبول أو الرد.
فجمهور المحدِّثين على ردِّ المُرسَل لوجود الانقطاع والجهالة، بينما قبِله آخرون اعتمادًا على عدالة المرسِل وغلبةِ الظنِّ بأنه لا يروي إلا عن ثقة.
وقد ترتب على هذا الخلاف اختلافٌ في عدد من الفروع الفقهية، مما يدل على عظيم أثر قواعد الحديث في استنباط الأحكام الشرعية.
ونسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يجعلنا من أهل السنة المتبعين لآثار النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
بلال بن عبدالغني السالمي
يتبع ... إن شاء الله
٢٠ ذو القعدة ١٤٤٧