التنابلة
عنوان المقال: ( التنابلة )
الحمد لله الذي أمر بالصدق فكان زينًا، ونهى عن الكذب فكان شينًا، وأقام الحجة بالبيان، وفضح أهل الخذلان، والصلاة والسلام على من صدع بالحق فما لان، وثبت على الهدى فما هان، حتى أتاه اليقين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن من أعظم الرزايا، وأطمِّ البلايا، التي مُنيت بها الدعوة في هذا الزمان: ظهور طائفةٍ لبست مسوح العلماء، وتزيّت بزيّ الفقهاء، وهي في حقيقة أمرها من “التنابلة” الذين عرفوا الحق فتركوه، وأبصروا النور فطمسوه، وأيقنوا الحجة فدفنوها، فلا هم نصروا، ولا هم أنكروا، بل ترددوا فخذلوا، وسكتوا فآثموا، وداروا فمالوا.
فلا قاموا بواجب البيان إذ تعيّن، ولا سلموا من إثم الكتمان إذ تبيّن، فجمعوا بين تقصيرٍ في الحق، وجرأةٍ على الخلق.
(حقيقة التنابل وخطرهم)
ليس التنبل كسلَ الأبدان فحسب، بل خمولَ الإيمان، وليس عجزَ الجوارح، بل خورَ المواقف عند اللوازم، فهو خذلانٌ في مقام النصرة، وسقوطٌ عند ساعة العزيمة.
ترى أحدهم يحسن تقرير الحق في الخلوات، ويجيد تحريره في الجلسات، فإذا جدَّ الجد، واحتدم الحد، وانكشف الزيف، ووجب التصريح، رأيته يلوذ بالصمت، أو يركن إلى اللف والدوران، أو يتذرع بمصالح لا تقوم على برهان.
وكأن البيان شجاعة في الدروس، وجبنٌ عند النفوس!
وقد توعّد الله أهل الكتمان بأشد الوعيد فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [سورة البقرة: 159]
وقال سبحانه مؤكدًا الميثاق:
﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾.
فأين الميثاق من المراوغة؟! وأين البيان من المداهنة؟! بل أين الصدع من المساومة؟!
ولفظ (التنابل) ليس وليد الساعة، بل له جذور في لسان الأعاجم، إذ أصلُه تركيّ يُراد به: البليد الكسول، الذي لا ينهض لعزم، ولا يتحرك لهمّ. ثم جرى به الاستعمال حتى صار وصفًا لمن خمدت همته، وبلدت حركته، وغابت غيرته.
وقد اشتهر في بعض العصور ما يُسمّى بـ (تنابل السلطان)؛ أولئك الذين يلوذون بمجالس السلطان، لا لطلب علمٍ ولا لنصحٍ ولا لقيامٍ بحق، بل لالتقاط الفتات، وانتظار الولائم، يملؤون البطون ويُفرغون العقول، ويحضرون المجالس السياسية والعلمية، وليس لهم منها إلا اللقمة واللقمتان، والكلمة والكلمتان، يرددون عبارات الرضا وهزّ الرؤوس، لا فقهٌ يُبصر، ولا موقفٌ يُذكر.
قومٌ لا يغضبون إذا انتُهكت الحرمات، ولا يتحركون إذا ضُيّعت الحقوق، كأنهم صورٌ بلا أرواح، أو أجسادٌ بلا أشباح، تقوم الدنيا وتقعد، وهم على حالهم: لا يدرون، ولا ينكرون، ولا يشعرون!
فلما فُطن لضررهم، وتبيّن خطرهم، عُزلوا عن مواقع التأثير، إذ إن وجودهم في قلب المجالس فسادٌ خفي، وخطرٌ جليّ، يميت الغيرة، ويقتل المروءة، ويُربّي على الذلّ والدَّعة.
وهذا المعنى بعينه قد تسلّل اليوم إلى بعض ساحات الدعوة، فصار (تنابل السلطان) صورةً تُرى في (تنابل الدعوة)، لا يختلفون إلا في الصورة، ويتفقون في الحقيقة: أولئك عند موائد السلطان، وهؤلاء عند موائد المصالح والأهواء.
ولهم في خذلان الحق مسالك ومسارب، كلها تصب في بحر التمييع والتضييع، فمن ذلك:
- سكوتٌ مع القدرة، كأن الألسن قد عُقدت، والقلوب قد وُثقت.
- تمييعٌ للواضح، حتى يُلبس الحق لبوس الشبهة.
- مساواةٌ بين متضادين، فيُجعل الحق والباطل سواءً في الميزان.
- خضوعٌ للأشخاص، وتقديمٌ للمقام على الدليل، مع وضوح السبيل وقد قال النبي ﷺ:
«من كتم علمًا ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة».
فأيّ وعيدٍ بعد هذا الوعيد؟! وأيّ خطرٍ بعد هذا التهديد؟!
ثم تكتمل الفاجعة، وتشتد البلية، حين يتربى على هذا الصمت أتباعٌ خانعون، وطلابٌ مقلدون، رأوا الأدلة كالشمس في رابعة النهار، ثم آثروا تقليد الرجال على اتباع الآثار.
فاجتمع فيهم: تركٌ للدليل إذا خالف الشيخ؛ وتقديمٌ للقول ولو خالف الحق؛ وسكوتٌ عن الزلل ولو عظم الخطب.
بل وربما انتصروا للباطل تعصبًا، وزيّنوه تذرعًا وتأدبًا!
وهذا – والله – عين ما ذمّه الله في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي بطاعتهم في خلاف الحق، وتقديمهم على حكم الله.
وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله كلمةً تُكتب بماء الذهب:
“إذا صح الحديث فهو مذهبي”، وكذلك باقي الأئمة الأربعة قالوها وعملوا بها ...
فأين هؤلاء من هذا الأصل؟! وأين هم من هذا الفصل؟!
وهذا المسلك – مسلك التنابل والخذلان – لا يقف عند حد، بل يجر وراءه مفاسد كالسيل إذا انحدر:
تضيع به معالم المنهج حتى تُطمس؛ ويُلبس به الحق حتى يلتبس؛ ويُقوّى به أهل الباطل حتى يجرؤوا ويعبثوا؛ وتضعف به شوكة أهل السنة حتى يُقصَوا ويُهمَّشوا.
فالحق إن لم يُنصر خُذل، وإن خُذل غُلب، وإن غُلب ظهر الباطل واستأسد، وصدق القائل: الفراغ فجوات، فإن لم يملأها الحق ملأها الباطل.
الحمد لله الذي أمر بالصدق فكان زينًا، ونهى عن الكذب فكان شينًا، وأقام الحجة بالبيان، وفضح أهل الخذلان، والصلاة والسلام على من صدع بالحق فما لان، وثبت على الهدى فما هان، حتى أتاه اليقين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن من أعظم الرزايا، وأطمِّ البلايا، التي مُنيت بها الدعوة في هذا الزمان: ظهور طائفةٍ لبست مسوح العلماء، وتزيّت بزيّ الفقهاء، وهي في حقيقة أمرها من “التنابلة” الذين عرفوا الحق فتركوه، وأبصروا النور فطمسوه، وأيقنوا الحجة فدفنوها، فلا هم نصروا، ولا هم أنكروا، بل ترددوا فخذلوا، وسكتوا فآثموا، وداروا فمالوا.
فلا قاموا بواجب البيان إذ تعيّن، ولا سلموا من إثم الكتمان إذ تبيّن، فجمعوا بين تقصيرٍ في الحق، وجرأةٍ على الخلق.
(حقيقة التنابل وخطرهم)
ليس التنبل كسلَ الأبدان فحسب، بل خمولَ الإيمان، وليس عجزَ الجوارح، بل خورَ المواقف عند اللوازم، فهو خذلانٌ في مقام النصرة، وسقوطٌ عند ساعة العزيمة.
ترى أحدهم يحسن تقرير الحق في الخلوات، ويجيد تحريره في الجلسات، فإذا جدَّ الجد، واحتدم الحد، وانكشف الزيف، ووجب التصريح، رأيته يلوذ بالصمت، أو يركن إلى اللف والدوران، أو يتذرع بمصالح لا تقوم على برهان.
وكأن البيان شجاعة في الدروس، وجبنٌ عند النفوس!
وقد توعّد الله أهل الكتمان بأشد الوعيد فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [سورة البقرة: 159]
وقال سبحانه مؤكدًا الميثاق:
﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾.
فأين الميثاق من المراوغة؟! وأين البيان من المداهنة؟! بل أين الصدع من المساومة؟!
ولفظ (التنابل) ليس وليد الساعة، بل له جذور في لسان الأعاجم، إذ أصلُه تركيّ يُراد به: البليد الكسول، الذي لا ينهض لعزم، ولا يتحرك لهمّ. ثم جرى به الاستعمال حتى صار وصفًا لمن خمدت همته، وبلدت حركته، وغابت غيرته.
وقد اشتهر في بعض العصور ما يُسمّى بـ (تنابل السلطان)؛ أولئك الذين يلوذون بمجالس السلطان، لا لطلب علمٍ ولا لنصحٍ ولا لقيامٍ بحق، بل لالتقاط الفتات، وانتظار الولائم، يملؤون البطون ويُفرغون العقول، ويحضرون المجالس السياسية والعلمية، وليس لهم منها إلا اللقمة واللقمتان، والكلمة والكلمتان، يرددون عبارات الرضا وهزّ الرؤوس، لا فقهٌ يُبصر، ولا موقفٌ يُذكر.
قومٌ لا يغضبون إذا انتُهكت الحرمات، ولا يتحركون إذا ضُيّعت الحقوق، كأنهم صورٌ بلا أرواح، أو أجسادٌ بلا أشباح، تقوم الدنيا وتقعد، وهم على حالهم: لا يدرون، ولا ينكرون، ولا يشعرون!
فلما فُطن لضررهم، وتبيّن خطرهم، عُزلوا عن مواقع التأثير، إذ إن وجودهم في قلب المجالس فسادٌ خفي، وخطرٌ جليّ، يميت الغيرة، ويقتل المروءة، ويُربّي على الذلّ والدَّعة.
وهذا المعنى بعينه قد تسلّل اليوم إلى بعض ساحات الدعوة، فصار (تنابل السلطان) صورةً تُرى في (تنابل الدعوة)، لا يختلفون إلا في الصورة، ويتفقون في الحقيقة: أولئك عند موائد السلطان، وهؤلاء عند موائد المصالح والأهواء.
ولهم في خذلان الحق مسالك ومسارب، كلها تصب في بحر التمييع والتضييع، فمن ذلك:
- سكوتٌ مع القدرة، كأن الألسن قد عُقدت، والقلوب قد وُثقت.
- تمييعٌ للواضح، حتى يُلبس الحق لبوس الشبهة.
- مساواةٌ بين متضادين، فيُجعل الحق والباطل سواءً في الميزان.
- خضوعٌ للأشخاص، وتقديمٌ للمقام على الدليل، مع وضوح السبيل وقد قال النبي ﷺ:
«من كتم علمًا ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة».
فأيّ وعيدٍ بعد هذا الوعيد؟! وأيّ خطرٍ بعد هذا التهديد؟!
ثم تكتمل الفاجعة، وتشتد البلية، حين يتربى على هذا الصمت أتباعٌ خانعون، وطلابٌ مقلدون، رأوا الأدلة كالشمس في رابعة النهار، ثم آثروا تقليد الرجال على اتباع الآثار.
فاجتمع فيهم: تركٌ للدليل إذا خالف الشيخ؛ وتقديمٌ للقول ولو خالف الحق؛ وسكوتٌ عن الزلل ولو عظم الخطب.
بل وربما انتصروا للباطل تعصبًا، وزيّنوه تذرعًا وتأدبًا!
وهذا – والله – عين ما ذمّه الله في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي بطاعتهم في خلاف الحق، وتقديمهم على حكم الله.
وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله كلمةً تُكتب بماء الذهب:
“إذا صح الحديث فهو مذهبي”، وكذلك باقي الأئمة الأربعة قالوها وعملوا بها ...
فأين هؤلاء من هذا الأصل؟! وأين هم من هذا الفصل؟!
وهذا المسلك – مسلك التنابل والخذلان – لا يقف عند حد، بل يجر وراءه مفاسد كالسيل إذا انحدر:
تضيع به معالم المنهج حتى تُطمس؛ ويُلبس به الحق حتى يلتبس؛ ويُقوّى به أهل الباطل حتى يجرؤوا ويعبثوا؛ وتضعف به شوكة أهل السنة حتى يُقصَوا ويُهمَّشوا.
فالحق إن لم يُنصر خُذل، وإن خُذل غُلب، وإن غُلب ظهر الباطل واستأسد، وصدق القائل: الفراغ فجوات، فإن لم يملأها الحق ملأها الباطل.
فالواجب الذي لا مناص منه، والفرض الذي لا يُدفع: أن يُقال الحق لا يُكتم... وأن يُنصر لا يُهزم... وأن يُقدّم الدليل لا الرجال ... وأن تُقام النصيحة لا المجاملة= قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾.
وقال النبي ﷺ:
«لا يمنعنَّ رجلًا هيبةُ الناسِ أن يقولَ بحقٍّ إذا رآه أو شهِدَه فإنه لا يقرِّبُ من أجلٍ ولا يباعِدُ من رزقٍ أو يقولَ بحقٍّ أو يُذكِّرَ بعظيمٍ» رواه الترمذي وغيره وصححه الإمام الألباني في (الصحيحة) [١ / رقم: ٣٢٤].
فالشجاعةُ كلُّ الشجاعةِ أن يصدعَ المرءُ بالبيان، ويُظهرَ الحقَّ ولا يخشى في الله لومةَ لائمٍ من إنسٍ ولا جان، وأن يقومَ في مقام النصرة ثابتَ الجَنان، عاليَ البُرهان، لا تزلزله العواصفُ ولا تُسكته الأثمان.
والضعفُ كلُّ الضعفِ أن يُطوى الحقُّ في صدور الكتمان، وأن يُدفن تحت ركام المداراة والخِذلان، وأن يُباع بثمنٍ بخسٍ في أسواق الهوى والبهتان.
فأين من يعلو بالحق فيُحيي به القلوب، ممن يخمده فيورثها الذلَّ والكروب؟!
وأين من ينطق فيُقيم الحجة، ممن يسكت فيُعين على الفتنة؟!
فيا طالبَ الحق، إن أردتَ النجاة:
فاجعل لسانك للبيان سيفًا، وقلبك للحق كهفًا، ولا تركن إلى صمتٍ يُورث الندامة، ولا إلى خنوعٍ يُلبسك ثوب الملامة.
فإنما يُعرف الرجالُ بالحق، ولا يُعرف الحقُّ بالرجال،
ومن صدع نجا، ومن خنع هوى، وتلك سنّة الله في البيان والكتمان، لا تتبدل على مرّ الأزمان.
فاللهم إنا نعوذ بك من علمٍ لا يُنصر، ومن حقٍّ يُكتم، ومن قلبٍ يخنع، ومن لسانٍ يتلعثم عند موطن البيان.
اللهم ارزقنا صدقًا لا رياء فيه، وثباتًا لا تزلزل معه، وجرأةً في الحق لا نخشى معها إلا إياك، واجعلنا من القائمين به، الذابين عنه، غير مبدِّلين ولا مفرِّطين.
وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
ليلة السبت غرة ذي القعدة ١٤٤٧ هجرية.
وقال النبي ﷺ:
«لا يمنعنَّ رجلًا هيبةُ الناسِ أن يقولَ بحقٍّ إذا رآه أو شهِدَه فإنه لا يقرِّبُ من أجلٍ ولا يباعِدُ من رزقٍ أو يقولَ بحقٍّ أو يُذكِّرَ بعظيمٍ» رواه الترمذي وغيره وصححه الإمام الألباني في (الصحيحة) [١ / رقم: ٣٢٤].
فالشجاعةُ كلُّ الشجاعةِ أن يصدعَ المرءُ بالبيان، ويُظهرَ الحقَّ ولا يخشى في الله لومةَ لائمٍ من إنسٍ ولا جان، وأن يقومَ في مقام النصرة ثابتَ الجَنان، عاليَ البُرهان، لا تزلزله العواصفُ ولا تُسكته الأثمان.
والضعفُ كلُّ الضعفِ أن يُطوى الحقُّ في صدور الكتمان، وأن يُدفن تحت ركام المداراة والخِذلان، وأن يُباع بثمنٍ بخسٍ في أسواق الهوى والبهتان.
فأين من يعلو بالحق فيُحيي به القلوب، ممن يخمده فيورثها الذلَّ والكروب؟!
وأين من ينطق فيُقيم الحجة، ممن يسكت فيُعين على الفتنة؟!
فيا طالبَ الحق، إن أردتَ النجاة:
فاجعل لسانك للبيان سيفًا، وقلبك للحق كهفًا، ولا تركن إلى صمتٍ يُورث الندامة، ولا إلى خنوعٍ يُلبسك ثوب الملامة.
فإنما يُعرف الرجالُ بالحق، ولا يُعرف الحقُّ بالرجال،
ومن صدع نجا، ومن خنع هوى، وتلك سنّة الله في البيان والكتمان، لا تتبدل على مرّ الأزمان.
فاللهم إنا نعوذ بك من علمٍ لا يُنصر، ومن حقٍّ يُكتم، ومن قلبٍ يخنع، ومن لسانٍ يتلعثم عند موطن البيان.
اللهم ارزقنا صدقًا لا رياء فيه، وثباتًا لا تزلزل معه، وجرأةً في الحق لا نخشى معها إلا إياك، واجعلنا من القائمين به، الذابين عنه، غير مبدِّلين ولا مفرِّطين.
وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
ليلة السبت غرة ذي القعدة ١٤٤٧ هجرية.

