مَقَالُ الأُسْبُوعِ: بُشْرَى الثَّبَاتِ.. وَاليَمَنُ لَن يُسَلَّمُ لِأَذْنَابِ إِيرَانَ
مَقَالُ الأُسْبُوعِ: بُشْرَى الثَّبَاتِ.. وَاليَمَنُ لَن يُسَلَّمُ لِأَذْنَابِ إِيرَانَ
الحمدُ لله ربِّ العالمين، ناصرِ المستضعفين، ومُدبِّرِ الأيام، ومُداولِها بين الناس، ومُجري سننه في عباده؛ نحمده على السراء والضراء، ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإنَّ اليمنَ اليومَ يقفُ على عتبةِ مرحلةٍ دقيقة، تتسارعُ فيها أحداثُ الميدان، وتتبدّلُ فيها موازينُ القوة، وتتعاقبُ فيها جولاتُ الكرِّ والفرِّ؛ وفي مثل هذه الساعات لا مكانَ لوهنِ العزائم، ولا لموتِ الهمم، ولا لتنازعِ الصفوف.
إنَّ المعاركَ لا تُحسمُ بكثرةِ الضجيج، ولا تُصانُ الأوطانُ بتنازعِ أهلها، وإنما تحتاجُ إلى ثباتٍ عند الشدائد، وبصيرةٍ عند الفتن، وصبرٍ عند طول الطريق، واجتماعِ كلمةٍ يحبطُ كيدَ الفرقة.
ومن هنا تأتي هذه الكلمات: تذكيرًا بالثبات، واستنهاضًا للهمم، ودعوةً إلى جمع الكلمة، وحثًّا على استفراغ الوسع في أسباب القوة؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
فإذا اشتدَّ الخطبُ ظهرَ معدنُ الرجال، وإذا طال الطريقُ تميَّز أهلُ الثبات من أهلِ الشعارات، وإذا اضطربتِ الصفوفُ كان الاجتماعُ على الحقِّ من أعظم أسباب النجاة.
فيا أهل اليمن، يا أحفادَ الإيمان والحكمة، يا رجالَ الميدان والثبات:
اثبتوا! فإنَّ المعركةَ معركةُ عزائم قبل أن تكون معركةَ سلاح، ومعركةُ صبر قبل أن تكون معركةَ مواقع.
لا تُقاسُ الحروبُ بصخبِ ساعة، ولا بخبرِ جبهة، ولا بتقدُّمٍ يعقبه تراجع؛ وإنما تُقاسُ بطول النفس، وثبات الرجال، ووحدة الصف، وصدق العزائم.
وقد قال الله تعالى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 45-46].
فهذه سُنَّةُ الظفر: ثباتٌ لا يتزلزل، وذكرٌ لا يغفل، وطاعةٌ لا تتصدع، ووحدةٌ لا تتفرق، وصبرٌ لا ينكسر.
وها هي جبهات اليمن تضطرم من جديد، والجيش اليمني والقوات المساندة له تخوض قتالًا شديدًا ضد مليشيات الحوثي المدعومة من إيران، وقد أعلنت القوات الحكومية عن عملياتٍ مضادة وتقدُّمٍ في عدد من المحاور، ولا سيما في تعز ومأرب ومناطق أخرى.
وتتواصل المعارك، وتتبدّل خرائطُ الميدان، وتشتدُّ الضغوط على مليشيات الحوثي، وفي صنعاء نفسها برزت مؤشراتٌ على اختراقٍ أمنيٍّ داخل أحد أهم معاقلهم؛ وقد أقرَّ الحوثيون بوقوع عمليةٍ أمنية داخل العاصمة، في تطورٍ يكشف أنَّ جدرانَ التحصين ليست عصيّةً على الاختراق، وأنَّ ما يجري في الميدان لا ينحصر في خطوط المواجهة المعروفة.
وهنا ينبغي أن ترتفع الهمم، وأن تتحرك العزائم، وأن يُستثمر كلُّ تقدُّمٍ ميدانيٍّ في مزيدٍ من التنظيم والثبات والإعداد؛ فالمعارك لا تُحسم بالضجيج، وإنما بالصبر، وحسن التدبير، وتوحيد الجهود، واستفراغ الوسع في أسباب القوة.
وليس بعيدًا أن تتحول هذه التطورات المتلاحقة إلى مرحلةٍ جديدةٍ في مسار استعادة صنعاء وإنهاء سيطرة الحوثيين عليها؛ فالميدان متحرك، والأيام دول، ومن أحسن إعدادَه، وثبت عند الشدائد، ولم تفرّق كلمتَه الأهواء، كان أقدر على اغتنام الفرص حين تأتي.
فيا أهل اليمن: هذه ساعةُ الثبات لا ساعةُ الفتور، وساعةُ العمل لا ساعةُ التراخي! شدّوا العزم، ووحّدوا الصف، وأحسنوا الإعداد، ولا تجعلوا طول الطريق سببًا لوهن العزائم.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
والله أكبر!
الله أكبر من طول الطريق، وأكبر من صعوبة الميدان، وأكبر من كلِّ من ظنَّ أنَّ صنعاء قد تشيعت.
ووالله إنا لنفرح بكل موقعٍ يُستعاد، وكل جبهةٍ تثبت، وكل خطوةٍ تقرِّب اليمن من استعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطانها؛ فرحَ من يريد لليمن أمنًا لا فوضى، ودولةً لا مليشيا، وقرارًا لا ارتهانًا، ووحدةً لا تمزقًا.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].
فلا وَهَنَ مع الإيمان، ولا انكسارَ مع الصبر، ولا يأسَ مع حسن الظن بالله.
يا رجال اليمن!
اثبتوا ولا تتراجعوا.
تقدَّموا ولا تترددوا.
اجمعوا الصف ولا تتنازعوا.
أصطفوا خلف قيادتكم ولا تتركوا للفرقة سبيلًا.
وإنَّ من أعظم ما يُستحضَر في ساعات الشدة فضلُ الثبات في سبيل الله، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: 111]. وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].
فالثباتَ الثبات!
والصبرَ الصبر!
ولا تجعلوا جولةً عابرةً تهدم عزيمةَ أمة، ولا نكسةً في موضعٍ تطفئ جذوةَ الأمل في سائر الميادين.
ويا أذنابَ إيران في اليمن:
إنَّ اليمنَ ليس غنيمةً لمشروعٍ خارجي، ولا جسرًا تعبر عليه أطماعُ الآخرين، ولا وطنًا يُختطف بقوة السلاح.
لن يكون اليمنُ تابعًا لطهران، ولن تُختزل إرادةُ شعبه في بندقية مليشيا، ولن تُصادر دولته بشعارٍ ولا بمدفع.
والمعركة ليست معركةَ يومٍ ولا أسبوع؛ إنها معركةُ استعادةِ الدولة، وصيانةِ الأرض، وحمايةِ الشعب، وقطعِ الطريق على الارتهان الخارجي.
فيا أبناء اليمن: اجمعوا الكلمة!
ويا رجال الجيش: اثبتوا!
ويا أهل الميدان: لا تهنوا!
ويا أهل الحق: لا تستوحشوا من طول الطريق! قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].
ويا مشايخَ عدن - هداكم الله -، إنَّ وحدةَ الصفِّ شمالًا وجنوبًا ليست ترفًا سياسيًّا، ولا شعارًا يُرفع عند الرخاء؛ بل واجب حتمي ومن أعظم أسباب حفظ الدماء، واجتماع الكلمة، وقوة الموقف، وصيانة اليمن من مزيدٍ من التمزق والاقتتال.
فراجِعوا مواقفكم، وبيِّنوا للناس الحقَّ بالدليل والعدل، واحذروا أن تتحول الخلافات إلى وقودٍ للفرقة وإطالةِ أمد الفتنة، واستنهضوا خطباءكم إلى بيان الحق، وجمع الكلمة، وحثِّ الناس على الثبات والصبر، وبذل الوسع في نصرة بلدكم وحفظ أمنه ومؤسساته.
أما أن تظلَّ منابرُكم ساكنةً، وأصواتُكم خافتةً، وخطبُكم غائبةً عن جراح اليمن ونوازله، حتى كأنَّ على بعض المنابر صمتَ القبور؛ فوالله إنَّ الأمرَ لعجيب، وإنَّ مسؤوليةَ الكلمة في مثل هذه النوازل لأعظم من أن تُدفن تحت ركام صمتكم!
ونؤكد عليكم الوقوف مع القيادة الشرعية اليمنية ممثلةً في رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي، ومع مؤسسات الدولة والقوات اليمنية في سعيها إلى استعادة الأمن والاستقرار وبسط سلطة الدولة.
وقد أعلن العليمي أن هدف الدولة هو استعادة مؤسساتها وسيادتها على كامل الأراضي اليمنية، كما شدد في الأيام الأخيرة على أن المكاسب الحوثية الأخيرة لن تغيِّر هذا الهدف.
فارفَعوا بذلك رؤوسكم، وأعلنوها مدوِّيةً: نحن مع مؤسسات دولتنا، ومع وحدة اليمن، ومع كلِّ جهدٍ صادقٍ يحفظ أمنه وسيادته ويصون دماء أهله.
واجمعوا الكلمة على ما يحفظ اليمن ووحدته ومؤسساته، وكونوا عونًا على الحق والعدل، لا وقودًا للفرقة والاقتتال؛ فإنَّ اليمنَ في هذه المرحلة أحوجُ ما يكون إلى كلمةٍ تجمع، وموقفٍ يرشد، وصفٍّ يتماسك، وقلوبٍ تتعالى عن أسباب النزاع.
ويا جيش اليمن: تقدَّموا!
وراءكم شعبٌ ينتظر الأمن.
وأمامكم وطنٌ يستحق الاستقرار.
وفوقكم ربٌّ لا تضيع عنده أعمال الصابرين؛ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
فلا تستسلموا للتهويل، ولا تنكسروا أمام جولة، ولا تجعلوا ضجيج الميدان يسرق منكم يقينَ الغاية.
قد تتبدل المواقع، ولكن لا تتبدل المبادئ.
قد تتعاقب الجولات، ولكن لا تتعاقب العزائم.
قد يشتد البلاء، ولكن الثابتين لا تقتلعهم العواصف.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].
فاثبتوا؛ فإنَّ الثباتَ عزٌّ، والصبرَ نصرٌ، ووحدةَ الصفِّ قوة، وحسنَ التوكلِ بالله ذخيرة.
اللهم احفظ اليمن وأهل اليمن، وثبّت رجالَه، واحقن دماء المسلمين، واجمع كلمتهم، وأصلح ذات بينهم، واكتب لليمن أمنَه واستقرارَه، وردَّ عنه الفتن والمحن، واكفِه شرَّ المليشيات ومشاريع التقسيم، وانصر الرئيس العليمي وقوات التحالف ومن قام معهم بالحق والعدل، واكتب لهذه البلاد الأمنَ والعافيةَ والوحدةَ والاستقرار.
اللهم اجعل ما نشهده من ثباتٍ وتقدُّمٍ فاتحةَ خير، وبدايةَ أمن، وطريقًا إلى استعادة الدولة، وبسط سلطانها، وحماية أهل اليمن. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]. والحمد لله رب العالمين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية – السبت: 8 ربيع الثاني 1448 هـ
الحمدُ لله ربِّ العالمين، ناصرِ المستضعفين، ومُدبِّرِ الأيام، ومُداولِها بين الناس، ومُجري سننه في عباده؛ نحمده على السراء والضراء، ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإنَّ اليمنَ اليومَ يقفُ على عتبةِ مرحلةٍ دقيقة، تتسارعُ فيها أحداثُ الميدان، وتتبدّلُ فيها موازينُ القوة، وتتعاقبُ فيها جولاتُ الكرِّ والفرِّ؛ وفي مثل هذه الساعات لا مكانَ لوهنِ العزائم، ولا لموتِ الهمم، ولا لتنازعِ الصفوف.
إنَّ المعاركَ لا تُحسمُ بكثرةِ الضجيج، ولا تُصانُ الأوطانُ بتنازعِ أهلها، وإنما تحتاجُ إلى ثباتٍ عند الشدائد، وبصيرةٍ عند الفتن، وصبرٍ عند طول الطريق، واجتماعِ كلمةٍ يحبطُ كيدَ الفرقة.
ومن هنا تأتي هذه الكلمات: تذكيرًا بالثبات، واستنهاضًا للهمم، ودعوةً إلى جمع الكلمة، وحثًّا على استفراغ الوسع في أسباب القوة؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
فإذا اشتدَّ الخطبُ ظهرَ معدنُ الرجال، وإذا طال الطريقُ تميَّز أهلُ الثبات من أهلِ الشعارات، وإذا اضطربتِ الصفوفُ كان الاجتماعُ على الحقِّ من أعظم أسباب النجاة.
فيا أهل اليمن، يا أحفادَ الإيمان والحكمة، يا رجالَ الميدان والثبات:
اثبتوا! فإنَّ المعركةَ معركةُ عزائم قبل أن تكون معركةَ سلاح، ومعركةُ صبر قبل أن تكون معركةَ مواقع.
لا تُقاسُ الحروبُ بصخبِ ساعة، ولا بخبرِ جبهة، ولا بتقدُّمٍ يعقبه تراجع؛ وإنما تُقاسُ بطول النفس، وثبات الرجال، ووحدة الصف، وصدق العزائم.
وقد قال الله تعالى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 45-46].
فهذه سُنَّةُ الظفر: ثباتٌ لا يتزلزل، وذكرٌ لا يغفل، وطاعةٌ لا تتصدع، ووحدةٌ لا تتفرق، وصبرٌ لا ينكسر.
وها هي جبهات اليمن تضطرم من جديد، والجيش اليمني والقوات المساندة له تخوض قتالًا شديدًا ضد مليشيات الحوثي المدعومة من إيران، وقد أعلنت القوات الحكومية عن عملياتٍ مضادة وتقدُّمٍ في عدد من المحاور، ولا سيما في تعز ومأرب ومناطق أخرى.
وتتواصل المعارك، وتتبدّل خرائطُ الميدان، وتشتدُّ الضغوط على مليشيات الحوثي، وفي صنعاء نفسها برزت مؤشراتٌ على اختراقٍ أمنيٍّ داخل أحد أهم معاقلهم؛ وقد أقرَّ الحوثيون بوقوع عمليةٍ أمنية داخل العاصمة، في تطورٍ يكشف أنَّ جدرانَ التحصين ليست عصيّةً على الاختراق، وأنَّ ما يجري في الميدان لا ينحصر في خطوط المواجهة المعروفة.
وهنا ينبغي أن ترتفع الهمم، وأن تتحرك العزائم، وأن يُستثمر كلُّ تقدُّمٍ ميدانيٍّ في مزيدٍ من التنظيم والثبات والإعداد؛ فالمعارك لا تُحسم بالضجيج، وإنما بالصبر، وحسن التدبير، وتوحيد الجهود، واستفراغ الوسع في أسباب القوة.
وليس بعيدًا أن تتحول هذه التطورات المتلاحقة إلى مرحلةٍ جديدةٍ في مسار استعادة صنعاء وإنهاء سيطرة الحوثيين عليها؛ فالميدان متحرك، والأيام دول، ومن أحسن إعدادَه، وثبت عند الشدائد، ولم تفرّق كلمتَه الأهواء، كان أقدر على اغتنام الفرص حين تأتي.
فيا أهل اليمن: هذه ساعةُ الثبات لا ساعةُ الفتور، وساعةُ العمل لا ساعةُ التراخي! شدّوا العزم، ووحّدوا الصف، وأحسنوا الإعداد، ولا تجعلوا طول الطريق سببًا لوهن العزائم.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
والله أكبر!
الله أكبر من طول الطريق، وأكبر من صعوبة الميدان، وأكبر من كلِّ من ظنَّ أنَّ صنعاء قد تشيعت.
ووالله إنا لنفرح بكل موقعٍ يُستعاد، وكل جبهةٍ تثبت، وكل خطوةٍ تقرِّب اليمن من استعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطانها؛ فرحَ من يريد لليمن أمنًا لا فوضى، ودولةً لا مليشيا، وقرارًا لا ارتهانًا، ووحدةً لا تمزقًا.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].
فلا وَهَنَ مع الإيمان، ولا انكسارَ مع الصبر، ولا يأسَ مع حسن الظن بالله.
يا رجال اليمن!
اثبتوا ولا تتراجعوا.
تقدَّموا ولا تترددوا.
اجمعوا الصف ولا تتنازعوا.
أصطفوا خلف قيادتكم ولا تتركوا للفرقة سبيلًا.
وإنَّ من أعظم ما يُستحضَر في ساعات الشدة فضلُ الثبات في سبيل الله، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: 111]. وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].
فالثباتَ الثبات!
والصبرَ الصبر!
ولا تجعلوا جولةً عابرةً تهدم عزيمةَ أمة، ولا نكسةً في موضعٍ تطفئ جذوةَ الأمل في سائر الميادين.
ويا أذنابَ إيران في اليمن:
إنَّ اليمنَ ليس غنيمةً لمشروعٍ خارجي، ولا جسرًا تعبر عليه أطماعُ الآخرين، ولا وطنًا يُختطف بقوة السلاح.
لن يكون اليمنُ تابعًا لطهران، ولن تُختزل إرادةُ شعبه في بندقية مليشيا، ولن تُصادر دولته بشعارٍ ولا بمدفع.
والمعركة ليست معركةَ يومٍ ولا أسبوع؛ إنها معركةُ استعادةِ الدولة، وصيانةِ الأرض، وحمايةِ الشعب، وقطعِ الطريق على الارتهان الخارجي.
فيا أبناء اليمن: اجمعوا الكلمة!
ويا رجال الجيش: اثبتوا!
ويا أهل الميدان: لا تهنوا!
ويا أهل الحق: لا تستوحشوا من طول الطريق! قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].
ويا مشايخَ عدن - هداكم الله -، إنَّ وحدةَ الصفِّ شمالًا وجنوبًا ليست ترفًا سياسيًّا، ولا شعارًا يُرفع عند الرخاء؛ بل واجب حتمي ومن أعظم أسباب حفظ الدماء، واجتماع الكلمة، وقوة الموقف، وصيانة اليمن من مزيدٍ من التمزق والاقتتال.
فراجِعوا مواقفكم، وبيِّنوا للناس الحقَّ بالدليل والعدل، واحذروا أن تتحول الخلافات إلى وقودٍ للفرقة وإطالةِ أمد الفتنة، واستنهضوا خطباءكم إلى بيان الحق، وجمع الكلمة، وحثِّ الناس على الثبات والصبر، وبذل الوسع في نصرة بلدكم وحفظ أمنه ومؤسساته.
أما أن تظلَّ منابرُكم ساكنةً، وأصواتُكم خافتةً، وخطبُكم غائبةً عن جراح اليمن ونوازله، حتى كأنَّ على بعض المنابر صمتَ القبور؛ فوالله إنَّ الأمرَ لعجيب، وإنَّ مسؤوليةَ الكلمة في مثل هذه النوازل لأعظم من أن تُدفن تحت ركام صمتكم!
ونؤكد عليكم الوقوف مع القيادة الشرعية اليمنية ممثلةً في رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي، ومع مؤسسات الدولة والقوات اليمنية في سعيها إلى استعادة الأمن والاستقرار وبسط سلطة الدولة.
وقد أعلن العليمي أن هدف الدولة هو استعادة مؤسساتها وسيادتها على كامل الأراضي اليمنية، كما شدد في الأيام الأخيرة على أن المكاسب الحوثية الأخيرة لن تغيِّر هذا الهدف.
فارفَعوا بذلك رؤوسكم، وأعلنوها مدوِّيةً: نحن مع مؤسسات دولتنا، ومع وحدة اليمن، ومع كلِّ جهدٍ صادقٍ يحفظ أمنه وسيادته ويصون دماء أهله.
واجمعوا الكلمة على ما يحفظ اليمن ووحدته ومؤسساته، وكونوا عونًا على الحق والعدل، لا وقودًا للفرقة والاقتتال؛ فإنَّ اليمنَ في هذه المرحلة أحوجُ ما يكون إلى كلمةٍ تجمع، وموقفٍ يرشد، وصفٍّ يتماسك، وقلوبٍ تتعالى عن أسباب النزاع.
ويا جيش اليمن: تقدَّموا!
وراءكم شعبٌ ينتظر الأمن.
وأمامكم وطنٌ يستحق الاستقرار.
وفوقكم ربٌّ لا تضيع عنده أعمال الصابرين؛ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
فلا تستسلموا للتهويل، ولا تنكسروا أمام جولة، ولا تجعلوا ضجيج الميدان يسرق منكم يقينَ الغاية.
قد تتبدل المواقع، ولكن لا تتبدل المبادئ.
قد تتعاقب الجولات، ولكن لا تتعاقب العزائم.
قد يشتد البلاء، ولكن الثابتين لا تقتلعهم العواصف.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].
فاثبتوا؛ فإنَّ الثباتَ عزٌّ، والصبرَ نصرٌ، ووحدةَ الصفِّ قوة، وحسنَ التوكلِ بالله ذخيرة.
اللهم احفظ اليمن وأهل اليمن، وثبّت رجالَه، واحقن دماء المسلمين، واجمع كلمتهم، وأصلح ذات بينهم، واكتب لليمن أمنَه واستقرارَه، وردَّ عنه الفتن والمحن، واكفِه شرَّ المليشيات ومشاريع التقسيم، وانصر الرئيس العليمي وقوات التحالف ومن قام معهم بالحق والعدل، واكتب لهذه البلاد الأمنَ والعافيةَ والوحدةَ والاستقرار.
اللهم اجعل ما نشهده من ثباتٍ وتقدُّمٍ فاتحةَ خير، وبدايةَ أمن، وطريقًا إلى استعادة الدولة، وبسط سلطانها، وحماية أهل اليمن. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]. والحمد لله رب العالمين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية – السبت: 8 ربيع الثاني 1448 هـ