الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

حين يعجز الدليل: التهويل والتشنيع بدل الجواب

٢٧ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ٩ سبتمبر ٢٠٢٦
المقالاتالمنهج والدعوة السلفية
مقال بعنوان:
«حين يعجز الدليل: التهويل والتشنيع بدل الجواب»

[ ردًّا على أحمد بن عاشور الفيومي تلميذ الشيخ خالد الظفيري ]

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتبع سبيلهم إلى يوم الدين.

أما بعد:

فليس كلُّ من رفع شعارَ «الدفاع عن العلماء والمشايخ» قد أقام للدفاع ميزانًا، ولا كلُّ من أكثر من عبارات التبجيل والتخويف صار قوله حجةً وبرهانًا؛ فإن الحقائق لا تُعرف بضخامة العناوين، ولا تُثبت بكثرة الصراخ، ولا تُصان بالتشهير والتهويل، وإنما تُعرف بالدليل، وتُوزن بالعدل، ويُحكم عليها بأصول العلم وقواعد أهل السنة.

وقد قرأتُ ما كتبه أنور رايت تحت عنوان: «دفاعًا عن العلماء، وبيانًا لعواقب رفع شأن المتهورين» - مزكياً بها رد أحمد عاشور المعني هنا بالتفنيد - وهو عنوانٌ يوحي للقارئ منذ الوهلة الأولى بأن وراءه تحريرًا علميًّا رصينًا، وبيانًا موثقًا، ونقضًا قائمًا على الحجة والبرهان.

لكن إذا فتشتَ عمّا تحت ذلك العنوان عن الدليل المحرَّر، والنقول الموثقة، والقواعد العلمية، والجواب عن الوقائع والإشكالات؛ وجدتَ شيئًا آخر: إكثارًا من التنابز والتشنيع، وتضخيمًا وتحزباً للأشخاص، مع شحٍّ ظاهر في البرهان والتحرير!

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: هل نحن أمام دفاعٍ عن العلماء والمشايخ بالحجة والعدل، أم أمام محاولةٍ لصناعة هالةٍ حول أشخاصٍ لا حول المنهج، بحيث يُطلب من القارئ أن يقبل الدعوى قبل أن يرى دليلها؟

ونحن لا نريد أن نردَّ تهويلًا بتهويل، ولا تشهيرًا بتشهير، ولا أن نجعل الخصومة الشخصية ميزانًا للحكم على الرجال؛ وإنما نريد أن نضع الكلام على مائدة النقد العلمي: ننقل الدعوى، ونكشف مستندها، ونزن الاستدلال بميزان أهل السنة، ثم نترك الحكم للدليل.

فإن كان عندكم علمٌ فهاتوه، وإن كان عندكم برهانٌ فأظهروه، وإن كانت الوقائع تؤيدكم فدعوها تتكلم؛ أما العبارات الضخمة فلا تصنع حقًّا، والأوصاف الجوفاء لا تُسقط حجة، ورفع الصوت بباطل تجريح منسوخ لا يرفع الباطل إلى مرتبة الدليل.


اولاً: حين يعجز الدليل يبدأ التشنيع:
[ ردًّا على أحمد الفيومي في رده الموسوم (يحسبون كل صيحة عليهم) على مقالي: 《التآلف على السنة لا يكون على حساب السنة》:

فقد اطّلعتُ على ما كتبه الأخ أحمد الفيومي ردًّا على مقالي المعنون بـ «التآلف على السنة لا يكون على حساب السنة»، فوجدته كلامًا مُزَوَّقَ العبارات، مُحَسَّنَ العناوين، يبدو قويًّا للناظر من بعيد، فإذا فتّش تحته وجده حشوًا لا يمسّ جوهر المقال ولا يجيب عن أصل الإشكال.

فبدل أن يناقش الوقائع، ويحرّر محل النزاع، ويجيب عن الأدلة؛ عدل إلى التشنيع عليّ، والطعن في نيتي، ونسبة أقوال لم أقلها، ثم بنى ردّه كله على خصمٍ من صنيعه لا على كلامٍ من كلامي.

وهذه من أضعف طرائق الردود: أن تنسب إلى خصمك ما لم يقله، ثم تنقضه، وتخرج منتشيًا بزعم الانتصار؛ وما هكذا تُناقش الأقوال، ولا هكذا تُعرف طريقة أهل السنة في ردّ الباطل بالحق.

وهذه طريقة لا تغني عن الحجة شيئًا.

فبدل أن يجيب عن السؤال المركزي:

هل الدعوة إلى الأخوة والتآلف تُسوِّغ إسكات البيان عن المخالفات المنهجية والشرعية الثابتة على القوم؟

هذا هو محل النزاع، ولكن أحمد الفيومي لم يجب عنه!

فبدل أن يناقش الوقائع، ويفصل في محل الإشكال، ويبيّن بالدليل وجه الصواب في موقف الشيخ خالد الظفيري من أخطاء القوم، وهل الرفق واللين وطلب العلم تقتضي السكوت عنها أو لا؟؛ هرب إلى قاموس التشنيع:

«مريض نفسي» نقلًا عن متهم،
و«صغير يرى نفسه كبيرًا» معرضا عن حقيقة وقت قولها ومن ثم نسخها بالتعديل،
و«سوء الفهم» رميًا جزافًا،
و«فساد النية» ادعاءً لما في القلوب،
و«الحدادية» سيفَ تبديعٍ لإسقاط المخالف!

يا أحمد، ناقش المقال ولا تمسك في شخص صاحبه؛ ناقش الدليل ولا تفتّش عن النيات؛ حرّر محل النزاع ولا تهرب إلى التنابز بالألقاب!

فإن كان ما ذكرناه باطلًا، فبيّن بطلانه بالدليل، وإن كان في الوقائع خطأ فصححه بالتوثيق، وإن كان في الاستدلال خلل فاكشفه علميًا.

أما أن تترك أصل القضية وتتناولني بإحياء جرح صنعه و(تكتك) الأخس من الحدادية ، فذلك ليس جوابًا علميًا، وإنما فرار من الجواب.

والقاعدة التي لا ينبغي أن تغيب:

الأخوة على السنة، لا على حساب السنة؛ والحكمة في بيان الحق، لا في دفنه؛ والرفق لا يعني السكوت عن الباطل، كما أن الشدة في موضعها ليست تنفيرًا.

أولاً: هل قلتُ أنا إن التأصيل الشرعي تمييع؟

وهذه أول مغالطة في ردك.

أنت أنشأت عنوانًا تقول فيه:

«التأصيل الشرعي ليس تمييعًا»

وكأنني قلت إن التأصيل الشرعي تمييع!

فأين قلت هذا؟

هات النص الذي قلت فيه إن التأصيل الشرعي تمييع، ثم حاسبني عليه.

أما أن تأخذ كلامي عن توظيف الأخوة والتآلف في غير موضعهما، واستعمالهما ستارًا لدفن البيان، ثم تحوله إلى اتهام لي بأنني أصف التأصيل الشرعي نفسه بالتمييع؛ فهذا تحريف لمحل النزاع.

أنا لم أعترض على التأصيل الشرعي، بل أعترض على التأصيل الذي يُستعمل لإغلاق باب البيان قبل تحرير الواقعة وإثبات الحكم.

وهذا فرق لا يخفى على من يقرأ الكلام بعين الإنصاف.

فليس كل من قال: «الأخوة مطلوبة» قد أجاب عن سؤال: هل الأخوة هنا على الحق أم على حساب الحق؟

وليس كل من قال: «هذه حكمة» قد أثبت أن هذا الموقف المعين حكمة.

فالحكمة وصفٌ يحتاج إلى برهان، وليست كلمة سحرية تُسقط النقد عن أي موقف.

ثانيًا: أنت لم تجب عن المقال، بل صنعت مقالًا آخر:

مقالك كله تقريبًا يدور حول سؤال لم أطرحه:

هل الأخوة مشروعة؟

هل التآلف مشروع؟

هل الحكمة مطلوبة؟

هل التيسير مطلوب؟

ومن ذا الذي ينكر هذه الأصول؟

أنا قلت صراحة:

«لا نزاع في أصل الدعوة إلى الأخوة، ولا خلاف في فضل التآلف، ولا اعتراض على جمع كلمة أهل السنة.»

فلماذا تتعب نفسك في إثبات ما لم أنازع فيه؟

المشكلة ليست في أصل الأخوة، وإنما في حدودها وضوابطها ومتى تكون مشروعة، ومتى تتحول إلى ذريعة لتعطيل البيان.

فأنت أثبتَّ شيئًا لم أنكره، وتركت شيئًا هو أصل المقال.

من أضعف الردود وأخسّها: أن تهدم قولًا لم أقله، ثم تنتفخ منتصرًا في معركةٍ من صنع خيالك!

ناقش كلامي كما هو، أو اصمت؛ فهدم الوهم ليس ردًّا، والتشنيع ليس علمًا، والانتصار على قولٍ مختلق ليس انتصارًا.

ثالثًا: المرض النفسي ليس جوابًا علميًا:

وأما وصفك لي بأني «مريض نفسي»، فلا أرى حاجة إلى الإسهاب في الجواب عليه.

فحرُّ غيظِ قليلِ الأدبِ ورقيقِ الدينِ يتقيء بأشد من ذلك؛ وإن كان المقصود شخصي وفقط لوضعته تحت قدمي.

وإنما مقصدك به الطعن والتشنيع ، لإطفاء لظى ما اكتويت به أنت وشيخك من حقائق بثثتها في مقالي، ولم يبق إلا أن أسألك:

ما علاقة صحتي النفسية ـ بزعمك ـ بصحة الدليل الذي أوردته؟

هل إذا كان الكاتب مريضًا ـ على فرض دعواك ـ صار الباطل حقًّا؟

وهل إذا كان الكاتب صحيح البدن كالبغل و هادئ النفس كالنعامة التي تدفن رأسها وقت الخطر صار كلامه صوابًا؟

هذه طريقة لا يعرفها أهل العلم.

الأقوال تُناقش بالأدلة، لا بالتشخيصات النفسية يا مُمرِّض طبيب عصرك مصطفى مبرم.

ثم اعلم: إن رمي المسلم في نفسه وعقله ونواياه من أسهل أبواب الخصومة عند من رق دينه، وضعفت حجته.

رابعًا: قولك: ولقد رأينا في الآونة الاخيرة ردا من « الصغير الذي يرى نفسه كبيرًا»

ثم نسبت هذا إلى كلام شيخنا العلامة حسن بن عبد الوهاب البنا رحمه الله.

فهو من وَحْر الحسد وشُعَبِ الحدادية التي رميتني بها ظلما - والله الموعد - أن تستخرج جرحا قديما خرج من شيخنا رحمه الله في وقته بسبب تلبيس المصعفقه، ثم تترك ما بعده من تعديل وتوثيق، ثم توهم القراء: أن هذا هو الحكم النهائي؛ فهذه ليست أمانة في نقل كلام العلماء.

والذي يزعم أن له كلامًا في الرجال، فعليه أن يجمع كلام العالم في الرجل، لا أن ينتقي منه ما يخدم خصومته أيها اللئيم.

وهذا من أبجديات باب الجرح والتعديل.

فالجرح لا يُقرأ مبتورًا عن سياقه، ولا تُهمل القرائن المؤثرة، ولا يُجعل كلام قديم بمنزلة حكم أبدي لا يتغير.
أم أنها نظارة الحدادية السوداء التي لا تُغني عن الدليل.

ومن أعجب المفارقات أنني في مقالي طالبتُ بالتثبت والتحقيق والعدل، فجاء جوابك بأوصاف شديدة دون أن تقدم تحقيقًا يزيل أصل الإشكال!

خامسًا: الفرق بين الحكمة والتمييع:

أما عنوانك:

«الفرق بين الحكمة والتمييع»

فنحن معك في أصل الفرق.

لكن السؤال الذي تجاهلته هو:

من الذي يحدد أن هذا الموقف حكمة وليس تمييعًا؟

هل مجرد أن يصف شخصٌ موقفه بالحكمة يجعله حكمة؟

كلا.

الحكمة في الشرع ليست أن نختار العبارة اللطيفة فحسب، وإنما أن نضع الشيء في موضعه.

وقد يكون الكلام اللين حكمة في موضعه، وقد يكون البيان الشديد هو الحكمة في نفس الموضع.

وقد يكون جمع القلوب إصلاحًا، وقد يكون السكوت عن خطأ مؤثر سببًا في اتساع الفتنة وإفساد القلوب.

وقد يكون تأخير الكلام حكمة، وقد يكون تأخيره في موضع يحتاج إلى بيان تفويتًا لمصلحة شرعية.

إذن القضية ليست:

حكمة أم تمييع؟

بل:

هل هذا الموقف بعينه حكمة شرعية أم لا؟

وهذا لا يثبت بالشعارات، وإنما بالعلم والوقائع والآثار والمآلات.

سادسًا: الاستدلال بحديث «يسّروا ولا تعسّروا» في غير موضعه:

ثم بلغت الغاية في المغالطة حين استدللت بقول النبي ﷺ:

«يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا»

ثم قلت ما معناه: إن هؤلاء المنفرين يلزمهم أن يصفوا رسول الله ﷺ والصحابة والعلماء بالتمييع!

قلت: معاذ الله فهذا إلزام باطل من أصله؛ لأننا لم نقل إن كل تيسير تمييع، ولا إن كل تنفير مذموم، ولا إن كل تحذير مخالف للشرع.

بل أنت بنيت لازمًا على كلام لم نقله.

فالنبي ﷺ أمر بالتيسير، وأمر كذلك بالبيان والنصيحة، وحذّر من البدع، وأنكر المنكر، وبيّن الحق، وحذر من أشخاص وأفعال في مواضع اقتضى فيها الشرع البيان.

فهل يقال إن مجرد وجود التحذير والإنكار يناقض قوله ﷺ: «يسّروا ولا تعسّروا»؟

بالطبع لا.

لأن التيسير الشرعي لا يعني إقرار الباطل، والتبشير لا يعني إلغاء التحذير، والرحمة لا تعني ترك النصيحة، والنفور الناتج عن بيان الحق ليس هو التنفير المذموم شرعًا.

وهذا من أبسط ما ينبغي أن يُفهم يا أيها الذكي !!.

سابعًا: رسول الله ﷺ جمع بين الرحمة والبيان:

فإن المتأمل في هدي النبي ﷺ.

يجده أرحم الناس، وأحسنهم خلقًا، وأرفقهم بالناس، ومع ذلك لم تكن رحمته مانعة من بيان الخطأ، ولا حكمته سببًا في إخفاء الحق.

فهل كان النبي ﷺ إذا رأى منكراً يقول: أخشى أن ينفر الناس؟

أم كان ينظر إلى المصلحة الشرعية، وحال المخاطَب، ونوع الخطأ، ومقام البيان؟

وهذا هو الفقه.

فالقول: «لا تنفّروا»
لا يعني: «لا تحذّروا».

والقول: «يسّروا»
لا يعني: «لا تبيّنوا».

والقول: «بشّروا»
لا يعني: «لا تنذروا».

وإلا لأبطلنا نصف الشريعة بالنصف الآخر!

والله سبحانه يقول: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].

فالشريعة جاءت بالتبشير والإنذار، والرحمة والحزم، والتيسير والبيان، والستر في موضعه والتحذير في موضعه.

ثامنًا: لا أحد قال إن الشيخ خالد «مميّع» لمجرد دعوته إلى الأخوة:

وهنا نصل إلى قلب وأس مغالطتك.

أنا لم أقل:

إن الشيخ خالد الظفيري مميّع لأنه دعا إلى الأخوة.

وهذا افتراء على كلامي.

بل ناقشت كيفية توظيف الدعوة إلى الأخوة في قضية معينة خالف أصحابها أصلا من أصول السلفية، وقلت إن الأخوة لا ينبغي أن تكون سببًا لدفن البيان عن المخالفات المؤثرة.

فإن كان الشيخ خالد قد دعا إلى الأخوة في نفسها، فنحن معه.

وإن كان دعا إلى إصلاح ذات البين، فنحن معه.

وإن كان حذر من حظوظ النفس والخصومات الشخصية، فنحن معه.

لكن إذا كان المراد من ذلك أن تُغلق ملفات الوقائع والمخالفات الشرعية والمنهجية، وأن يُمنع الناس من البيان والتحذير لمجرد أن ذلك قد يسبب نفرة أو خلافًا، فهنا محل النقاش.

وهذا فرق واضح جدًا.

فلا تجعلني أقول ما لم أقل، ثم تنتصر على كلامك أنت!

تاسعًا: أما القضايا التي طرحتُها فإلى الآن لم تجب عنها: السؤال الذي أُرهربت فهربت منه في مقالك:

لقد طرحتُ قضايا تتعلق باليمن، والدماء، والسلطة، والانفصال، ومواقف بعض مشايخ عدن وكبيرهم الثعلب المكار منها، وقلت بوضوح:

أين التحقيق؟ وأين التثبت؟ وأين البيان للحكم الشرعي؟

فأين جوابك وجواب شيخك الذي تنافح عنه؟

هل هذه الوقائع صحيحة أم غير صحيحة؟

إن كانت غير صحيحة فبيّن عدم صحتها.

وإن كانت صحيحة فبيّن حكمها.

وإن كان في نسبة بعض المواقف خطأ فصححه.

وإن كانت القضية تحتاج إلى تفصيل ففصّل.

أما أن تترك كل ذلك، ثم تكتب لي عن «الحكمة» و«التيسير» و«التنفير» و«المرض النفسي»؛ فهذا عبث وثعلبية معروفة وليس جوابًا عن مقالي.

المقال يناقش وقائع وأحكامًا، وأنت تجيب بتمجيد شخص شيخك - أهذا هو التبشير؟- وتنبزني بالألقاب كوني أخالفكم -- أليس هذا للتنفير من كلامي ؟- .

هذا هو الفرق بين النقد العلمي والخصومة الخطابية.

عاشرًا: لا تجعل «التنفير» عصًا تُضرب بها كل كلمة حق:

وأما قولك إن هؤلاء «المبَدِّلين» يستخدمون التنفير، فهذه تسمية أخرى تحتاج إلى دليل.

من الذي بدّل؟
وماذا بدّل؟
وأين التبديل؟
ومن الذي نفّر؟
وكيف كان التنفير؟
وهل كل تحذير تنفير؟
وهل كل رد تنفير؟
وهل كل بيان لمخالفة تنفير؟

لو صح هذا المنطق، لما بقي باب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا للنصيحة، ولا للرد على البدع، ولا للتحذير من أهل الانحراف؛ لأن المخالف قد ينفر من كل ذلك!

فالحق قد ينفر منه صاحب الهوى.

والميزان هو:

هل كان بياني حقًا؟ وهل كان بأسلوب مشروع؟ وهل قامت الحاجة به؟ وهل روعي فيه العدل؟

هذا هو فقه الرد الذي نطالب به.

ومن الغريب أن يطالب شيخك طلابه بالعلم ثم يمنعهم من ثمرته:

يقول: اشتغلوا بالعلم، وانشروا التوحيد والسنة، ولا تدخلوا في هذه الفتنة.

ونحن نسألكم:
وماذا يفعل العلم إذا لم يُستعمل في معرفة الحق من الباطل؟

العلم ليس أن تحفظ النص ثم تخشى تطبيقه.

وليس أن تعرف القاعدة ثم تمنع الناس من تنزيلها على الوقائع.

وليس أن تدرس المنهج ثم إذا وقع الخلاف الحقيقي قلت: لا تتكلموا!

بل العلم هو الذي يعلمك:

متى تتكلم؟ ومتى تسكت؟.
ومتى تعذر؟ ومتى تحذر؟
متى تجمع؟ ومتى تفرق بين الحق والباطل؟.
ومتى تلين؟ ومتى تشدد؟
متى يكون الستر إصلاحًا؟
ومتى يكون الغمغمة تغطيةً للخطأ وتمكينًا له من الاستمرار؟.

هذه هي الحكمة التي نبحث عنها، لا الحكمة التي تُرفع شعارًا ثم لا تُثبت بالدليل.

وأخيرًا: يا أحمد الفيومي:

لقد بهرجت ردك بعلامات الإعراب والترقيم، ولكنك لم تمس أصل الإشكال.

قلتَ: مريض نفسي.

وقلتَ: صغير يرى نفسه كبيرًا.

وقلتَ: سوء فهم وفساد نية.

وقلتَ: حدادية.
والمضحك المبكي ...
أنك أنشأت عناوين عن الحكمة والتأصيل والتيسير والتنفير.
فما شاء الله ... ما شاء الله ...
وتناسيت أن مهما قلتَ بقي السؤال كما هو:

هل التآلف والأخوة يجيزان إسكات البيان عن المخالفات الشرعية والمنهجية المؤثرة لاسيما وقد وقعت ممن يقودون الدعوة إلى الله؟

وهل كل من طالب بالبيان صار مفرّقًا؟

وهل كل من حذّر من خطأ صار من أهل التنفير؟

وهل كل من خالفك في توصيف موقفٍ ما يكون سيئ النية وفاسد القصد؟

وهل ثبتت الوقائع التي نوقشت أم لم تثبت؟

هذه الأسئلة لا يجيب عنها وصفٌ نفسي، ولا لقبٌ حدادي، ولا عنوانٌ إنشائي.

أجب عن محل النزاع، ودع هذه الشقشقة جانبًا.

فإن أصبتَ فسنقبل الحق، وإن أخطأنا فسنرجع إلى الحق؛ وهذه هي السنة التي ندعو إليها.

أما أن تكون المعادلة:

من وافقنا فهو حكيم، ومن خالفنا فهو مريض نفسي، ومن طالب بالبيان فهو مفرّق، ومن حذر من الخطأ فهو مبدّل؛

فهذه ليست ميزان أهل السنة.

ميزان أهل السنة هو الدليل والعدل والتثبت، لا الأشخاص والألقاب.

والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

فليكن بيننا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وفهم السلف، وقواعد أهل السنة.

فمتى قامت الحجة قبلت.

أما تهييج الغبار، وتشويه الأشخاص، وإغراق القارئ في العناوين التي مفادها الدفاع عن شخص شيخك وفقط، فلن يغيّر شيئًا من حقيقة المسألة.

فالتآلف على السنة لا يكون على حساب السنة، والحكمة لا تكون بإخفاء الحق، والرحمة لا تكون بترك البيان، والتيسير لا يعني تمييع الأحكام، وعدم التنفير لا يعني إسكات الناصحين.
هذا ... والرد على من يزكي كتابتك مثل أنور رايت فله رد مفرد لكثرة طاماته وشدة تعصبه للثعلب المكار عرفات المحمدي؛ والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
مطروح - الأربعاء: ٢٧ ربيع الأول ١٤٤٨ هجرية
حين يعجز الدليل: التهويل والتشنيع بدل الجوابحين يعجز الدليل: التهويل والتشنيع بدل الجوابحين يعجز الدليل: التهويل والتشنيع بدل الجوابحين يعجز الدليل: التهويل والتشنيع بدل الجوابحين يعجز الدليل: التهويل والتشنيع بدل الجواب

مواد ذات صلة