أحسنت أحسنت ووفقك الله وسددك وذب عن وجهك النار يوم القيامة أخانا الحبيب حمزة أبو أروى
أحسنت أحسنت ووفقك الله وسددك وذب عن وجهك النار يوم القيامة أخانا الحبيب حمزة أبو أروى
https://www.facebook.com/share/p/1MJBm7N6U3/
https://www.facebook.com/share/p/1MJBm7N6U3/
الموقف الرباني مِن عدالة الشيخ شريف أبو بكرة الترباني
تنبيه: قرأه وأذن بنشره الشيخ نزار بن هاشم العباس حفظه الله.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:
فإنّ فقه المصطلح قائم على ضوابط قبول الرواية، وقد وضع المحدثون لهذا شروطا اتفقوا في كثير منها، ومنهم من انفرد ببعضها فجعلها شرطا لازماً كي يَقبل ما يَسمَعه من الراوي، وأشهر هؤلاء الذين جمعوا الأحاديث، الإمام البخاري رضي الله عنه، إذ يُعدّ صحيحُه أصدق كتاب بعد كتاب الله، وكانت شروطُه رحمه اللهُ صارمةً لأن الأمر جلَلٌ وعظيم، فالمُحَدَّثُ عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.
وصرامة شروط هذا الإمام الجليل حتّمَت عليه عدم إدراج كثير من الأحاديث التي جمعها أئمة زمانِه، كالإمام الذهلي وغيره، ليس طعناً بالضرورةِ في صحة ما جمعوه، وإنّما لعدم استيفاءِ بعضِها لشروطِ صحيحِهِ رحمه الله، ولم تَغْلِبِ الإمامَ البخاريَّ في هذا البابِ عاطفتُه شروطَه، ولقد مَنَّ الله عليه وكرمّهُ فيسّرَ له هذا الصّحيحَ الذي كان سببا في ترحُّم جماهير المسلمين عليه إلى يوم الناس هذا.
وأمّا الذي أردتُ التطرّق له في مقالتي هاتِه فهو عدالة الشيخ شريف الترباني -ثبَّتَهُ الله-، فقد سبق له أن وقع في الكذب، واعترف به، ثم تاب منه، فاختلف السلفيون فيه، فكنتُ مِمّن قبِلَ توبَتَه، ولَم أطعن في صِدقِها لأنها محل قلبٍ بينه وبين خالِقِهِ ولَم يَصدر منه ما يناقضها، ولكني لَم أقبل روايتَه مطلَقاً، وقد غاظني فِعلُه كثيرا، ومن ناقشني فيه يَعلَم موقفي منه، ومن يعرفني يعلم جيدا أني سرعان ما أُظهر موقفي بوضوح، وهذا هو موقفي آنذاك من الشيخ الترباني.
ومِن السلفيين مَن قَبِل منه التوبة والرواية معا، وهناك من ردّهُما ولم يقبلهُما، فأيّ المَواقفُ هو المَوقف الربانيّ القوّام بالقسط، وهل تُقبَلُ توبة الشيخ شريف الترباني ورِوايتُه، وما حُكْمُ مَن يَنعتُه بِ "الترباني الكذاب" بعد توبتِه؟!.
إنَّ الموقفَ اعتقادٌ يُتقرَّبُ به إلى الله، ويَحرُم اتّخاذُهُ أداةً لتصفيةِ الحسابات وإقصاءِ النّاس ظُلماً أو الاستكثارِ بهم لمحاربة أهل الحق، ولا يكون إلّا على عِلمٍ وبصيرةٍ مِن الله، فمن أراد اتخاذ مَوقفٍ في دين الله فعليه الحِرص على أنْ يكون من القوامين بالقسط الذين سيكونون شهداء لله ولو على أنفسهم، وهذا لا يكون إلا لِمَن تجرّدَ للحقّ وأخلَص وجهَه لله ولم تأخذه في دينِه لومة لائِم.
الكذب عند المحدثين:
ينقسم الكذب عند المحدثين إلى كذبٍ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذبٍ في حديث الناس، فأما الأول فقد شدّد فيه العلماء والأئمة، وذهبَ جمهورُهم إلى قبول توبةِ من وقع فيه إنْ هو تاب، وعدم قبول روايتِه مطلقاً لِعِظَمِ الجناية وخطورتِها، ولأهلِ العِلم في هذا الباب مباحثُ عِدّة، خلاصتُها سدّ باب الذريعةِ وتركُ روايةِ من كذَب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنْ تاب، مع قبول توبتِه إنِ استوفَت شروطَ الصحة.
وأمّا موضوع بحثنا هذا فهو يخصُّ الشق الثاني، وهو الكذب في حديثِ الناس، وكيف تعامل المحدثون مع من تاب منه وحسُنَت توبتُه، وهل قبِلوا روايتَه؟.
قبول روايةِ مَن تاب مِن الكذبِ في حديث الناس:
قال ابن الصلاح (١): [تُقبَل رواية التائب من الفسق ومن الكذب في غير الحديث النبوي كشهادته]
قال الخطيب البغدادي (٢): [الكذب في حديث الناس من أسباب الفسق التي تزول بالتوبة]، وقال (٣): [وإذا تاب الفاسق قُبلت روايتُه]
قال السّخاوي (٤): [والصحيح قبول رواية التائب من الفسق]
قال النووي (٥): [القطع بصحة توبتِه وقبولِ روايتِه]، وقال (٦): [إذا تاب الفاسق قُبِلت روايتُه]
قال الشيخ ابن باز (٧): [إذا تاب الإنسان مِن الكذب توبةً نصوحاً قُبِلت شهادتُه وروايتُه]
ولعلّ هذا هو الراجح، وهو مذهبُ جماهيرِ أئمَّة السّلَف والخلَف، فقد قَبِلُوا روايَةَ وشهادةَ مَن تاب مِن الكذب في حديث الناس فصحّت توبتُه وحسُنَت، قال الشيخ ربيع (٨): [الذي يظهر لي أنّ مذهبَ الجمهورِ هو الرّاجح، وهو قبولُ رواية التائب من الكذب في حديث الناس إذا ظهرت استقامتُه، وأما الكذب على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فالأمر فيه أشد، فلا تُقبَل روايتُه ولو تاب، حماية للسنة وصِيانةً لحديثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن أنْ يُدخَل فيه ما ليس منه]، وقال (٩): [التوبة تمحو الذنب، فإذا تاب الرّجلُ مِن الكذبِ رجع إلى عدالتِه ولا يُرَدُّ حديثُه بعد ذلك]، وما يقصده الشيخ هنا هو الكذب في حديث الناس.
قال الشيخ الألباني (١٠): [هذا هو المذهب الحق وعليه عمِل أهل الحديث]
حُكم رواية الشيخ الترباني عند المحدثين وغيرِهِم مِن الأئمة:
إذا عرَضتَ المسألة بشكلٍ مُفصَّلٍ على كلام أهل العلم وتتبعتَ أقوالَهُم فإنّ الراجِحَ والأصحَّ هو ما ذهبَت له جماهيرُهم، وهو قبول رواية التائب من الكذب في حديث الناس، والأخذُ بظاهرِه وما يُرَى عليه مِن صلاح، ومثال ذلك عليٌّ بن أحمد بن الحسن بن نعيم، قال الذهبي (١١): [تاب وحسُنَت توبتُه وحدّث بصدقٍ واحتجَّ به الدارقطني]، وكذا محمد بن عكاشة الكرماني فقد ذكره الذهبي (١٢) أيضا فقال: [كان يضع ثم تاب وحسُنت حاله وروى عنه أهل السنن]
التشكيك في توبة الشيخ الترباني أو رفضُها:
عندما وقع الشيخ الترباني في الكذب، لم يُنكِر صنيعَه ذاك، ولَم يتمادَ في باطِلِه، بل كان شجاعاً وصادقا، وعلامة ذلك اعترافُه ومسارَعتُه لإظهارِ التوبة، وكان بإمكانِه أنْ يكذِبَ مرة أخرى فيدّعي بأنّ حسابَهُ مخترقٌ وأنّه ليس مسؤولا عن حساب "وضاح الجيوسي" وإنْ كانت له صلةٌ به، ويقول: "هذا اختراق وليس لي عليه سُلطة!"، ولكنه راقب الله في نفسِه وعلِمَ أنه يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، فاعترف بذنبِه ثم تاب وحسُنَ حالُه وفرِح به السلفيون، وأمّا مَن طَعن في توبتِه ولَم يقبَلْها وأصرَّ على نعتِه بالكذاب فإنه لا سَندَ له عند أهل السنة والجماعة، وإنّما سَندُهُ وسَلَفُهُ في ذلك الحداديةُ الجُدد والقدامى الذين لا يقبلونَ التوبة ويُحجّرون على أصحابها، وكان حاله كحال الذي يتألّى على اللهِ الذي يَقبل التوبة جميعا، وهو ليس على طريقة العلماء والمحدثين وإن ادعى السير على طريقتِهِم، قال الشيخ العثيمين (١٣): [التائب من الفسق إذا ظهرت توبتُه قُبِلت روايتُه ولا حاجة إلى امتحانه بعد ذلك]، فإذا كانت رواية التائب من الكذب مقبولة عند العلماء، فإن قبول التوبة مجرد تحصيلٍ حاصل.
وعليِه فإنّي أرجع عن موقفي الأول مِن الشيخ شريف الترباني، وأترك القول المرجوح، وأنا على ما ذهبت له جماهير المحدثين والعلماء الذي قبِلوا رواية التائب من الكذب في حديث الناس، وهذا هو مذهبي واعتقادي في الشيخ حفظه الله، وأمّا توبتُه ولله الحمد فإني لم أطعن فيها أبدا.
إنّ ثَمَرَةَ الوضوح ظاهِرة على الشيخ الترباني وهو رجل تقيّ، وما حصل معه وما بدر منه خير دليلٍ على وضوحِه وتقواه، ولو حصل هذا مع رجلٍ آخر لا يخاف الله فإنه سيتبرّأُ مِن الكذب بكذبٍ آخر، وهذا الذي نعيشُه اليومَ في فتنةِ البخاري وعرفات ومشايخ عدن، وهي فتنة الكذابين الذين يكذبون ويُرقّعون كذِبَهُم بكذب آخر أقبح منه، فيستخفون الناس بفِعالِهِم، ولعلي أختم مقالتي بهذه الكذبة القبيحة التي ألقاها كنتوش أحدُ دعاةِ الانفصال، وتجرأ فيها على العلماء الكبار ولم يُوَقّر جنابَهُم، قال دفاعا عن السعدي: [الشيخ منير من أفضل المشايخ الذين نعرفهم ع خير وسنة وكلامه ليس فيه باطل بل كل علمائنا الكبار يقولون بهذا وهو إن كانت الوحدة ستأتي بالشرور ففعلا لا نريدها ولا أظن عاقلا يقبل بها إن كانت كذلك]، فهل رأيتُم جرأةً أكبرَ مِن جرأةِ هذا الكذاب وهو ينسبُ للعلماء جريمةَ الانفصال الشنيعة، وهل له ما يكفي مِن الصدق والشجاعة حتى يتوب مِن كِذبتِه الصلعاءِ هاته؟!، وما هو إلّا أنموذجٌ مِن نماذجَ كثيرةٍ ترتَعُ في مستنقعِ الحزبِ الجديد وتتغذى على يرقاتِ الكذبِ داخلَه وتتكاثر عليها.
فالحمد لله الذي وفق أخانا الفاضل الشجاع، الشيخ شريف الترباني لِما لَم يوفّق له كثير مِن الناس.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
١- مقدمة ابن الصلاح ١٥٠/٢٩٥
٢- الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/٢٠٤
٣- الكفاية في علم الرواية ١١٧
٤- فتح المغيث ١/٣١٣
٥- شرح صحيح مسلم ١/١٢٨
٦- التقريب والتيسير ٧٧/٣٣١
٧- فتاوى نور على الدرب ٣/٤٢١
٨- النكت على ابن الصلاح ٧٤-٧٦
٩- اللباب من أقوال الأئمة ١٩٨
١٠- السلسلة الصحيحة ٤/٥١٠
١١- ميزان الاعتدال ٣/١٤
١٢- ميزان الاعتدال ٣/٦٠٨
١٣- شرح مقدمة ابن الصلاح شريط ١٢
كتبه أبو أروى بن عبد الله التماري المغربي.
منقول من: [object Object]